- د. حازم فاروق: جزء من سياسة الاستعمار الأمريكي الناعم
- د. حسام عيسى: نتيجة طبيعية لتبعية النظام المصري للأمريكان
- د. عماد جاد: تحركات سفراء أمريكا استثناء لا يتمتع به غيرهم
- د. سيف عبد الفتاح: تحسين الوجه القبيح الذي صنعه بوش
تحقيق- مي جابر:
جولات مكوكية، وزيارات مفاجئة، وصلاحيات بلا حدود، لممثلي الدبلوماسية الأمريكية في مصر بقيادة سفيرهم، كانت آخرها زيارات السفيرة الأمريكية بالقاهرة مارجريت سكوبي المفاجئة لوزارة الزراعة المصرية، وعدد من محافظات مصر المختلفة، وكذلك زياراتها لعدد من الجامعات المصرية إلى جانب حرصها على حضور الموالد الشعبية والجلوس على المقاهي وسط العامة في المجتمع المصري، استكمالاً لنهج فرانسيس ريتشاردوني السفير الأمريكي السابق بالقاهرة الذي اشتهر بمشاركاته المتواصلة بجميع الموالد مثل: مولد البدوي، والسيدة زينب، والحسين، وحضور جلسات ذكر واحتفالات الطرق الصوفية، لدرجة أن البعض أطلق عليه السفير المتصوف.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الهدف من وراء هذه الزيارات لممثلي الدبلوماسية الأمريكية في مصر؟ وما صلاحيات السفير الأمريكي داخل مصر؟ وهل هذه الصلاحيات متاحة لغيرهم من سفراء البلدان الأخرى؟
(إخوان أون لاين) يجيب عن هذه التساؤلات في سطور التحقيق التالي:
د. عبد الله الأشعل

في البداية يوضح الدكتور عبد الله الأشعل أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية السابق أن السفارة الأمريكية تهدف من الاختلاط بالشعب المصري إلى أن تتعرف على ما يدور في أذهانه، وانطباعاتهم عن السياسة الأمريكية، وردود أفعالهم تجاه سياسة النظام المصري الحالي، وموقفهم من قضايا مهمَّة مثل التوريث، فتعتبر وسيلةً للحصول على المعلومات من غير المثقفين ورجال الأعمال الذين يختلطون بالسفارة بشكل مباشر، ويضيف قائلاً: "العمل الدبلوماسي هو أداة للحصول على معلومات من الدولة التي فيها السفارة".
ويضيف قائلاً: "الأمر لا يقتصر على حضور الاحتفالات، ولكن السفيرة الأمريكية تقدم التقارير عن الوضع المصري بشكل دوري، وخاصة ما يتعلق بملف حقوق الإنسان في مصر، ولذلك ذهبت إلى نجع حمادي وكتبت تقارير سلبيةً تتَّهم مصر بالتمييز الطائفي، وهو افتراء وكلام مغلوط، ولم يكن سوى ورقة ضغط على النظام المصري ليخضع لتعليمات الولايات المتحدة فيما يخصُّ القضية الفلسطينية".
ويلفت الأشعل إلى أن مصر تحتل بالنسبة لأمريكا مكانة بالغة الأهمية؛ لأن وجود نظام يعادي الكيان الصهيوني يمثِّل خطرًا كبيرًا على مصالح أمريكا الاقتصادية والعسكرية، أما الدول الأوروبية فهي لا تشترك مع مصر إلا في المصالح الاقتصادية، ولذلك لا يهتم سفراؤها بزيارة الموالد أو الجامعات.
تلميع أمريكا
![]() |
|
د. عماد جاد |
ويرى الدكتور عماد جاد الخبير مسئول الملف الصهيوني بمركز الدراسات والسياسية الإستراتيجية بالأهرام أن زيارات السفراء الأمريكان في مصر للهيئات الحكومية هو استثناء لا يتمتع به إلا السفراء الأمريكان بسبب المشروعات التعاونية بين الدولة الأمريكية والدولة المصرية، والاتفاقيات التي تلتزم مصر بها، ولكن زيارة الموالد والاحتفالات الشعبية التي ليس لها علاقة بالاتفاقيات والمشروعات التعاونية هي بسبب وعي الدولة الأمريكية بوجود مشكلة مع الرأي العام المصري والتي تسببت فيها الحرب العراقية ومن قبلها دعم الولايات المتحدة المستمر للكيان الصهيوني في الأراضي المحتلة الفلسطينية، وهذه الزيارات هي نوعٌ من التقرُّب للشعب المصري وتلميعٌ لوجهها أمام العالم الدولي.
ويؤكد أن هذه السياسة ليست غريبة على الدبلوماسية الأمريكية، فالسفير قبل السابق كان يحضر مباريات المنتخب المصري، ويرتدي علم مصر، ويشجع المنتخب، كما كان السفير السابق يذهب إلى الموالد، ويجلس في مجالس الذكر للصوفية، ويمكن اعتبار هذه السياسة ذكاءً دبلوماسيًّا تمارسه الولايات المتحدة؛ لتحقيق أهدافها في بلاد الشرق الأوسط.
ويرجع جاد سبب حرص السفيرة الأمريكية على هذه الزيارات إلى تعقُّد العلاقات المصرية الأمريكية، فالمعونات الأمريكية لمصر تصل إلى ملياري دولار سنويًّا، بالإضافة إلى تشوُّه الصورة الأمريكية لدى الشعب المصري أكثر تشوه، كما أن الولايات المتحدة تتحرك كقوة عظمى في مصر، ولذلك نجد أن السفيرة الأمريكية تتمتع بمكانة خاصة وسط السفراء في الدولة المصرية.
معونات الهيمنة
د. حسام عيسى

ويرى الدكتور حسام عيسى أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق جامعة عين شمس أن أمريكا تعتبر نفسها صاحبة دور متميز في مصر بسبب ما تقدمه لها من معونات ضخمة سنويًّا، وعندما تقل هذه المعونة يصاب النظام بالرعب ويذهب وزراء وسياسيون لإقناع الدولة العظمى بإعادة المعونة كما هي، كما يحتاج النظام إلى دعم الولايات المتحدة في ملف التوريث حتى يمهِّد الطريق لتوريث الحكم.
وينتقد دور النظام المتخاذل والتابع للسياسة الأمريكية فيقول: "ليس المهم أين تذهب السفيرة الأمريكية، فنحن لا نخفي شيئًا لنخشى منه، الأهم من ذلك هو عدم استقلالية مصر عن الهيمنة الأمريكية، فالنظام الحالي يتبع السياسة الأمريكية في كلِّ وادٍ، وهذا ما جعل زيارات السفيرة الأمريكية أمرًا مستهجنًا من جانب النُّخَب والعامَّة على حدٍّ سواء".
ويلمح عيسى إلى أن الولايات المتحدة لن تنجح في تحسين صورتها من خلال هذه الزيارات، فالشعب المصري ليس غبيًّا، ويعلم جيدًا الوجه القبيح لأمريكا، وانتهاكات الجيش الأمريكي في العراق ودعمها المتواصل والأعمى للكيان الصهيوني الذي يخرِّب في المقدسات الإسلامية ويقتل ملايين المسلمين بطريقة وحشية.
حصانة خاصة
د. سيف الدين عبد الفتاح

ويؤكد الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة أن هذه التحركات هي جزء من الدبلوماسية الشعبية أو العامة التي تنتهجها الولايات المتحدة منذ تولي أوباما الحكم، وهي لا تقتصر على المثقفين أو النُّخَب فقط ولكن تمتد إلى الشعب، وتتمثل في حضور الحفلات والتجمعات الشعبية والموالد والجامعات وغيرها من أماكن التواصل مع القاعدة مع الشعب.
ويستطرد: "يبدو أن أوباما يعتمد على هذه الطريقة لتصور للمجتمع الدولي أن هناك علاقةً حميمةً ليس فقط بين الولايات المتحدة والنظم في الشرق الأوسط ولكن بين الولايات المتحدة والشعوب العربية، وتحسين الصورة الأمريكية التي نتجت من الممارسات التي تتسم بالفجاجة والعنف أيام بوش الابن".
ويوضح د. عبد الفتاح أن هذه السياسة لم تكن من ابتداع السفيرة سكوبي ولكنها استكمالٌ لنهج السفير السابق، وهذا يدل على أنها لا ترتبط بشخصية السفير كما تردَّد في الصحف المصرية عن عشق السفير السابق رديتشاردوني للتقاليد المصرية والحضرات الصوفية، بل هي سياسة خارجية للدولة الأمريكية.
ويؤكد أن السفير الأمريكي يتمتع بحصانة خاصة دون أقرانه من سفراء الدول الأخرى في مصر، وهذه الحصانة تأتي بسبب تبعية النظام المصري للولايات المتحدة، فالخارجية المصرية لا تستطيع منع السفير الأمريكي من تحركاته داخل المجتمع المصري، أما إذا تحرَّك سفراء الدول الأخرى خارج حدود سفاراتهم فيمكن لوزارة الخارجية المصرية تبليغهم أن هذه التحركات غير مرغوب فيها.
الاستعمار الناعم
ويقول الدكتور حازم فاروق عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب: إن تحركات السفيرة الأمريكية مارجريت سكوبي ما هي إلا وسيلة من وسائل الهيمنة الأمريكية التي تحاول الولايات المتحدة فرضها على العالم بأسره.
![]() |
|
د. حازم فاروق |
ويستطرد: هذه الهيمنة جاءت منذ أن رضينا بالتنازلات بعد حرب أكتوبر العظيمة، وتوقيعنا على الاتفاقيات التي كبَّلتنا وسلبت حريتنا مثل كامب ديفيد، ووجود العملاء الأمريكان في مصر تحت مسمى الخبراء، وأيضًا وجود أمريكان ليراقبوا حدودنا لحماية الكيان الصهيوني، وحرمان إخواننا في فلسطين من أبسط حقوقهم، بعد كلِّ هذه التنازلات وصلنا من المهانة والخزي إلى ما يجعل سفير دولة أيًّا كانت مكانتها تتحكم في شئوننا الداخلية وتتحرك داخل بلدنا وقتما شاءت.
ويوضح أن تدخُّل الولايات المتحدة في مصر وصل إلى اختيار رئيس الجمهورية، وهذا ما أكَّده الدكتور مصطفى الفقي عندما صرَّح بأن الرئيس المصري يجب أن يأتي باختيار أمريكي وتصديق صهيوني.
ويشير إلى أن هذه التحركات ما هي إلا جزءٌ من سياسة الاستعمار الجديد أو الاستعمار الناعم الذي تمارسه الولايات المتحدة مع الدول العربية، فأمريكا تحاول السيطرة على العالم من خلال نشر ثقافتها وخصوصًا بين الشباب العربي، فالمنتجات الأمريكية- مثل الكوكاكولا الأمريكية والهامبورجر والجينز الأمريكي- ما هي إلا أسلحة أمريكية جديدة لاستعمار العالم.
أما عن دور مجلس الشعب لوقف هذه الانتهاكات فيقول فاروق: "مجلس الشعب هو المعبِّر عن حال المصريين والمراقب على الحكومة، ولكن في ظل أغلبية القمار والكيف ونواب سميحة وأكياس الدم الفاسدة لا نستغرب أن يغضَّ الطرف عن انتهاكات السفيرة مستبدلاً بقضايا السيادة الوطنية محاربة حقِّ إخواننا في فلسطين في الحصول على حياة كريمة، وهي تُعتبر نظرةً قاصرة طفولية لمفهوم الأمن القومية وبعيدة كل البعد عن مصالح المواطن المصري، فما يحدث اليوم هو نموذج لولاية عكا في فيلم صلاح الدين عندما باع حكام عكا البلد للصليبيين، ولكن الصحوة الإسلامية ستفشل مخططاتهم، وتعيد العزَّة للأراضي العربية مرة أخرى".

