لا شك أن الوجود الصهيوني على أرض فلسطين المباركة قد ألهب حماس العرب والمسلمين على مدى تسعة عقود من الزمان، وأشعل المجاهدون في فلسطين الأرض نارًا تحت أقدام المحتلين الصهاينة، وتوافدت عليها كتائب إخوانهم من الأقطار العربية المختلفة من مصر وسوريا والعراق وغيرها.
وأصبحت قضية فلسطين على لسان العرب والمسلمين؛ مما أدى إلى تدخل القوى العظمى لتتآمر لصالح الصهاينة، وتدعم قيام كيان غاضب على أرض فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن جادت قرائح الشعراء بما يبعث الهمة، ويحث على الجهاد، ويبشر بالنصر، وأصبح كثير من هذا الشعر على لسان الملايين في الوطن العربي وخارج حدوده أيضًا، وشاع شعر فلسطين والمسجد الأقصى حتى صار من أعظم الشواهد على الجهاد، وترقب النصر، ومن ذلك قول الشاعر الشهير عبد الرحيم محمود:
سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيــظ العدى
وكذلك رائعة علي محمود طه:
أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا
ومثله علي الجارم وإبراهيم طوقان وفدوى طوقان ويوسف العظم وعمر بهاء الدين الأميري وعبد الرحمن العبادي، وغيرهم كثير مما يصعب حصرهم، ولذلك كان طبيعيًّا وضروريًّا أن يتفاعل مع هذا السيل الشعري المتدفق جمهور المتذوقين والمثقفين والناشئة الذين يخطون مراحلهم الأولى سواء في مراحل التعليم أو قرض الشعر، ومن هؤلاء كان الطالب جابر المتولي قميحة الذي نظم في أربعينيات القرن الماضي أول أشعاره عن فلسطين، بقي منها:
فلسطين أمي وحق اليقين وحق الشهيد غدًا تسمعين
غدًا تسمعين بأنا نسود إذا ما حصدنا فلول اليهود
وواضح في البيتين مدى توحد الشاعر الفتى مع القضية التي يوقن بها بحكم انتمائه المبكر للحركة الإسلامية في ذلك الوقت، وهي التي نجحت في حشد الجماهير حول القضية، خاصة بعد الإعلان عن الكيان الغاصب في مايو 1948م، وكان هذا الوعي المبكر والعاطفة الجياشة مقدمة لشاعر يضع فلسطين والقدس والمسجد الأقصى نصب موهبته الشعرية، وللأسف الشديد، فإن معظم ما كتبه الشاعر في بداياته الأولى قد تعرض للضياع والفقدان شبه الكامل.
مرحلة جديدة
ومرت السنوات على بدايات الشاعر جابر قميحة انشغل فيها بالدراسة الجامعية حتى حصل الماجستير والدكتوراه، وعمل أستاذًا بكلية الألسن بجامعة عين شمس، وسافر للعمل معارًا لجامعات أخرى كثيرة خارج مصر حتى جاءت سنة 1987م، وأعلنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بيانها التأسيسي في الخامس عشر من ديسمبر، وعندها شدا الدكتور جابر قميحة بقصيدته "صوت حماس" يحيي فيها الحركة ويبارك ميلادها، ويؤكد اقتراب ميعاد النصر والتمكين على يد المجاهدين البواسل، ومن أبياتها:
ورأيته والأفق يشدو حوله وكأنه من نوره أعراس
الله أكبر من أراه؟.. محمد؟ أقدم فدتك العين والأنفاس
أقدم رسول الله هذي خيبر عادت تنجس منهم الأقداس
سلبوا الديار وهتكوا أعراضها وقادة العرب الكرام نعاس
ويقول فيها:
فارفع عقابك عزة وكرامة وعلى جبينك همة وحماس
ومن الملاحظ أن القصيدة تبدأ بربط مشروعية الحركة بمرجعية الأمة كلها، والتأصيل للصراع مع العدو الصهيوني، وإعادته إلى حقيقته التي غفل عنها أصحاب أوسلو وكامب ديفيد وخارطة الطريق يقول:
الله أكبر جند محمد أقدموا وجميعهم شمس العناد كياس
هذا بلال والبراء وخالد هذا علي وعمه العباس
بعث الرسول وصحبه في فيلق عزماته نار والاسم حماس
وهكذا على مدى قصيدة طويلة (52 بيتًا) يعيش القارئ في جو من الحماس والإيمان والتضحية.
واستمر الشاعر العملاق على هذا النهج يكتب مع كل حدث وفي ذكرى مرور أربع سنوات على الانتفاضة المباركة كتب قصيدة "يا فتى الانتفاضة" يجدد فيها التحية للفتى الفلسطيني المقاوم، ومثلها قصيدة "الإسراء والأطفال والحجارة "يعبر فيها عن مشاعر كل مسلم، حينما تحل ذكرى الإسراء والمعراج، بينما مسرى الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) معتقل لدى الصهاينة، ويعلن فيها رفضه لخنوع الحكام المتقاعسين الذين اختاروا الحياة المخملية الوادعة، وسلموا أمرهم للقوى الأجنبية المعادية تفعل بهم وبأوطانهم ما تريد.
ويداوم د. جابر قميحة على متابعة أحداث الأقصى وأرض الإسراء، وعندما رأى الصهاينة يدنسون ساحة الأقصى الشريف أنشد:
قومي وشدي الفجر من غسق الظلام وكبري
فطالما حبسوا عليك سجون ليل أكدرِ
وبنوا سدودًا عاتيات ذات وجه منكرِ
قومي- فديتك- كفكفي من دمعك المتحيرِ
إلحاح فكرة الأقصى
وتلح فكرة تحرير الأقصى على الشاعر د. جابر قميحة حتى في قصائده الأخرى التي لا تتوجه إلى فلسطين والأقصى بشكل مباشر، بل في قضايا مصرية محلية مثل انتخابات الشعب المصري سنة 2000م، والتي شهدت تزويرًا واضحًا فاضحًا لمصلحة الحزب الحاكم نجد الشاعر يكتب قصيدة بعنوان: "الطريق إلى تحرير الأقصى"، منتقدًا فيها الأسلوب الحكومي في حشد العسكر حول مقار اللجان الانتخابية لإرهاب المواطن الوادع مع السياسي المعارض.
وفي القصيدة سخرية شديدة من عملية الحشد غير المبررة، ويتساءل: هل كل هذه الحشود لتحرير الأقصى؟!
ولذلك يمكن القول: إن قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى وكل تفاصيلها الأخرى قد سيطرت على كثير من إبداعات د. جابر قميحة، وهو القول الذي تعززه قصائده الكثيرة ودواوينه العديدة، ومنها: "لله والحق وفلسطين", و"لفلسطين ننزف شعرًا", وكتابه المهم عن الشاعر الفلسطيني الشهيد "عبد الرحيم محمود"، وكذلك قصائده عن "الشهيد أحمد ياسين" و"عبد العزيز الرنتيسي"، ومثلها مطولته الدرامية الحوارية بعنوان "البحث عن قبر لعز الدين القسام".
وبسبب التوحد مع قضية الأقصى ورموز التضحية على أرض فلسطين تجد شاعرنا لا يقف عند قرض الشعر فحسب، فهو لكونه ناقدًا متمرسًا ذا خبرة طويلة في مجال النقد الأدبي نجده يلقي الضوء على النتاج الشعري المتفاعل مع القضية، ويتبنى الشعراء الشباب الذين كتبوا عن القدس، ومنهم: مسعود حامد، وعبد الله رمضان، وياسر أنور، وغيرهم.
-----
* صحفي