- صابر أبو الفتوح: الاعتصام خطوة لوقف نزيف إهدار المال العام
- كريمة الحفناوي: الشعب بدأ يصعد سلم التغيير بالوقفات الاحتجاجية
- د. سامر سليمان: تطور المناخ السياسي يزيد من وتيرة الإضرابات
- د. إبراهيم المصري: الانقطاع عن العمل يؤثر بالسلب على الناتج القومي
- كمال أبو عيطة: كثرة الاحتجاجات تأكيد لغياب الديمقراطية
تحقيق- الزهراء عامر:
مشاهد الاعتصامات الإضرابات التي تملأ شوارع مصر لمطالبة العمال بحقوقهم الضائعة نتيجة الفساد الحكومي المستشري في المؤسسات والهيئات الحكومية وغير الحكومية أصبحت مشاهد مألوفة، فما أن ينفض اعتصام أو إضراب للعمال أو الموظفين أو الفلاحين أو المعاقين، سواء على رصيف مجلسي الشعب والشورى أو سلالم نقابة الصحفيين أو المحامين إلا ويقام آخر في نفس اليوم، وفي اليوم الواحد بل وفي مكان واحد يوجد أكثر من اعتصام أو إضراب، من مختلف فئات المجتمع، وكأنَّ كل فئة تسلم راية الإضراب أو الاعتصام إلى الأخرى.. لِمَ لا والكل يطالب بحقوقه، ويندد بسياسات الخراب الحكومية ضدهم.
ولعدم مصداقية الحكومة وعدم إيفائها بالوعود التي وعدت بها عمال طنطا للكتان وموظفي مركز معلومات التنمية المحلية بمحافظة القاهرة، وعمال جهاز تحسين الأراضي التابع لوزارة الزراعة، وعمال الشركة المصرية لصناعة المعدات التليفونية، وعمال شركة النوبارية للهندسة الزراعية والميكنة بإنهاء أزماتهم ومشكلاتهم في غضون 15 يومًا، عاد العمال مرةً أخرى بعد شهر كامل من وعود الحكومة ليواصلوا إضرابهم المفتوح مكونين "اتحاد متظاهري رصيف مجلس الشعب" حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم الموحدة.
ولم يلق العمال بالاً لتهديدات وإنذارات الهيئات بالفصل عن العمل في انتظارهم حين عودتهم لمواقع عملهم أو التدخل الأمني لاعتصام؛ لأنهم يعلمون جيدًا أن كل المحاولات التي تقوم بها الحكومة هي محاولات لإجهاض اعتصامهم بعد أن أثبت جدواه.
وقد كشف تقرير لوزارة القوى العاملة أن عدد حالات الاحتجاجات العمالية خلال الفترة من 1/1/2010 حتى 31/3/2010م بلغ 20 حالةً قام بها نحو 9 آلاف عامل تركَّزت في خمس محافظات هي: القاهرة والشرقية والغربية والمنوفية والإسكندرية نتيجة وجود عدد كبير من المنشآت الكثيفة العاملة بها, من بينها 15 حالة في شركات القطاع الخاص وخمس حالات في منشآت قطاع الأعمال العام.
وأوضح التقرير أسباب عودة الاعتصامات وتناميها إلى عدم رضا العمال عن أداء إدارات شركاتهم، وتحميلها مسئولية كل المشاكل القائمة, وتراخي إدارة الشركات في دراسة الأسباب الحقيقية للاعتصام ومحاولة تلافيها, خاصةً بعد تدخل الدولة لحل مشكلة المديونيات وعلاج بعض السلبيات التي ظهرت على سطح الأحداث؛ مما أدَّى إلى تفاقم الأزمة.
وقال التقرير إنه تم خلال شهر أغسطس الماضي رصد تسع حالات إضراب عن العمل بلغ عدد العمال المشاركين فيها نحو: 1739 عاملاً, وبلغت ساعات العمل الضائعة نتيجة هذه الإضرابات نحو 5042 ساعة عمل فائضة, وتم إنهاؤها جميعًا بعد الاستجابة لمطالب العمال المشروعة.
واعترف التقرير أن معظم حالات الإضراب التي ظهرت في الآونة الأخيرة كان يشهدها قطاع الغزل والنسيج نتيجة ما يواجهه هذا القطاع من مشاكل وصعوبات تتمثل في مديونيات تاريخية بدأت بالفعل منذ بداية تحرير تجارة القطن عام 1993م، وبعد أن تم ضخ استثمارات خاطئة وغير مدروسة أدَّت إلى تراكم الخسائر والمديونيات, حتى ظهرت مشاكل غزل حلوان ثم كفر الدوار ثم شبين الكوم ثم باقي الشركات العاملة في هذا القطاع.
عام 2009م شهد وحده أكثر من 95 إضرابًا واحتجاجًا شملت أغلب قطاعات الدولة مثل: المحامين، الصحفيين، أساتذة المراكز البحثية، عمال كثيرين مثل: عمال مصنع أبو زعبل لتصنيع الزجاج، مصنع تليمصر، المحلة, أقطان كفر الدوار، شركات استصلاح الأراضي، سائقي القطارات، سائقي الميكروباصات، الأطباء والصيادلة، خريجي العلاج الطبيعي، الممرضات.. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل حققت هذه الإضرابات غرضها؟ أم أنها لم تقدم مكاسب للعمال؟.
الطناش الحكومي
صابر أبو الفتوح

في البداية يقول صابر أبو الفتوح عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب إن بعض العمال حققوا مكاسب كاملة من اعتصامهم مثل ما حصل عليها عمال عز الدخيلة، ومكاسب جزئية مثل عمال شركة منصورة إسبانيا، ومكاسب وقتية مثل ما فعلته الحكومة مع عمال كفر الدوار بتحويل المستثمر إلى النيابة للتحقيق معه.
ويؤكد أن الحكومة لا تستجيب لكافة المطالب لأنها تستخدم سياسة "التطنيش"، ولكن الإضرابات خطوة على طريق التحرر من الفساد، وخطوة يتجرأ بها العمال على نظام الخصخصة أو اتحاد المساهمين- كما يقولون- معلنين رأيهم فيه، بجانب أنها خطوة لوقف نزيف الإهدار للمال العام.
ويضيف أن الإضرابات العمالية ساهمت بشكل كبير في تسوية كامل مديونية شركات قطاع الأعمال العام البالغة 150 شركةً يعمل بها حوالي 325 ألف عامل، بجانب دفع وزارة الاستثمار لتنفيذ استثمارات بنحو 20 مليار جنيه لهذه الشركات، مما ينعكس إيجابيًّا على أرباح الشركات الرابحة، ويقلل من خسائر الشركات الخاسرة، هذا إلى جانب ارتفاع صافي حقوق الملكية لإجمالي شركات قطاع الأعمال العام، وإن لم توجد هذه الاحتجاجات لما تحقق هذا المكسب.
ويبين أن الحركة العمالية بدأ تفتيتها منذ عام 1997 منذ أن بدأ تنفيذ برنامج الخصخصة، مشيرًا إلى أن هناك حركات عمالية "مسيّسة" متمثلة في النقابات العامة واتحاد النقابات العمالية، وحركات عمالية جماهيرية المشتقة من العمال أنفسهم وهي أكثر انتشارًا وشروعًا لتحقيق مطالب العمال، والتي تتعرض لهجمة شرسة من اتحاد العمال.
ويرى أن هذه الحركات العمالية الجماهيرية تحتاج إلى مزيدٍ من التنسيق حتى تظهر بالشكل القومي المناسب، لتجمع مصالح العمال على اختلاف أفكارها السياسية وتكون بداية التغيير، موضحًا أن الحركات العمالية حاليًّا لا تتحرك سوى لتحرك فئوي فقط.
ويرفض أبو الفتوح تحديد مكان للمتظاهرين كما يقترح أحد أعضاء مجلس الشورى لعدم إهانتهم؛ لأن الإضراب بهذا الشكل لن يؤتي ثماره، موضحًا أن سعي الحكومة لتحديد مكان للاحتجاجات يؤكد أن الإضرابات أمام مقر مجلس الشعب ورئاسة الوزراء ذات جدوى، وبالتالي تلتف الحكومة حولها لمنع هذه الثمار، مشيرًا إلى أن الإضراب والتظاهر والاعتصام حق مشروع لكل الناس في أي مكان وفي أي وقت.
ويؤكد أن هناك أزمة ثقة بين العمال والحكومة التي دائمًا تثبت لهم أنها لا تفي بوعودها، وهذا ما أدَّى على عودة الإضرابات مرة أخرى ومن حق المتظاهرين أن يعودوا مرةً أخرى، ويحضروا معهم أسرهم للضغط على الحكومة لتنفيذ مطالبهم.
سلم التغيير
د. كريمة الحفناوي

وتوضح الدكتورة كريمة الحفناوي الناشطة السياسية أن زيادة الاعتصامات والإضرابات في الفترة الأخيرة يدل على أن الشعب المصري كسر بداخله حاجز الخوف والرعب الذي رسخه النظام في نفوس الناس بسبب سياساته القمعية والديكتاتورية، واتجه إلى الحركة والدفاع عن حقوقه بعد أن طفح به الكيل ونفد صبره.
وتؤكد أن تاريخ ظلم النظام الذي لقَّن الشعب دروس الرعب والخوف، هو نفسه الذي نبَّه المواطنين إلى أن النظام الذي يمتلك ويجمع بين السلطة ورأس المال يسلب حقوقه؛ حتى وصل ضيق الشعب واختناقه إلى الحلقوم، وبدأ يستعين بآخر مرحلةٍ من مراحل الاحتجاج بالإضراب على العمل ليصعد بعدها سلم التغيير.
وتضيف أن الشعب المصري دائمًا كان يصبر ويتحايل على المعيشة ليعيش بأقل الفتات وما تبقَّى له من الفساد والرشوة والبهرجة الحكومية؛ فالشباب يتخرج ويذهب إلى الخارج بعدما يأس من الحياة في بلده، ووجد أنه لا يوجد فارق بين الموت في أعماق البحار والموت حيًّا في بلده.
وتشير إلى أن الإضرابات أصبحت وسيلة يتخذها جميع فئات الشعب المصري للمطالبة بحقوقه وللضغط على الحكومة لتحقيق مطالبه، وبدأت خبرات المواطنين تكتمل وأصبح المتظاهرون أو المضربون عن العمل لا يتخلون عن مطالبهم وقضيتهم إلا عندما يحصلون على حقوقهم، فالضرائب العقارية أصبحت مثالاً يحتذي به يستفيد الآخرون من تجربتهم بعدما أغلقت في وجوههم جميع منافذ التعبير.
وتؤكد أنه لو تحرك الشعب والتحمت كافة طوائفه وفئاته، واجتمعت المطالب الديمقراطية مع المطالب الاقتصادية سيفجر الشعب بالانتفاضة للتغيير بعدما أعلنت الحكومة أنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا لحل هذه الأزمات؛ مما سيؤدي إلى مزيدٍ من الإضرابات والانتفاضات.
وتشيد بما فعله المعوقون وعمال التليفونات وتحسين الأراضي وتكوين رابطة: "اتحاد متظاهري رصيف مجلس الشعب"، بالإضافة إلى توحد جميع فئات الشعب للخروج في منتصف مايو لمطالبة كافة الفئات عمالاً وأطباء ومهندسين بضرورة ألا يقل الحد الأدنى عن 1200 جنيه.
وتوضح أن لو تمت هيكلة الأجور بنسبة 1 إلى 10 أو 1 إلى 15 كما في الدول الرأسمالية لانتهت أزمة العمال، وانتهى عصر ألف موظف الذين يحصلون على مليون و200 ألف كراتبٍ شهري، وفي المقابل يحصل الكثير من الموظفين على 99 جنيهًا مثل العاملين بمركز المعلومات الذين لا تتجاوز أحلامهم عن التثبيت والحصول على التأمين الصحي.
صراع وتفاوض
ويرى سامر سليمان أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية أن الإضراب وسيلة يلجأ لها العمال للضغط على الحكومة لحصولهم على حقوقهم أمر مكلف للعمال مثلما هو مكلف للحكومة من الناحية الاقتصادية لطول فترة الإضراب عن العمل والتظاهر؛ مما يؤدَّي إلى قلة الإنتاج.
ويشير إلى أن زيادة وتيرة الإضرابات بشكل كبير ترتبط بمدى تردي الأوضاع الاقتصادية للعاملين ومدى تطور المناخ السياسي وثقافة الاحتجاج للمطالبة بالحقوق؛ مما ينعكس بطبيعة الحال على العمال للخروج والثأر من إداراتهم الرديئة، موضحًا أن الأزمات السياسية وعدم وضوح المستقبل السياسي بما يلاحقه من غموض حول الانتخابات الرئاسية وعدم اتضاح معالم الخلافة إلى الآن يزيد من الاحتقان الشعبي.
وتوقع سليمان أن يتحول التحرك المادي الذي يخرج وراءه الآلاف إلى تحرك سياسي؛ لأن المواطنين سيدركون أنهم بالتحرك السياسي والاهتمام بالشكل العام ورسم مستقبل بلادهم سيعطيهم قدرة وقوة لكي يعبروا عن المنظومة الاقتصادية بأشكالها المختلفة، مؤكدًا أن معالم هذا التحرك بدأت بعدما حاول بعض القيادات العمالية الالتفاف حول ما ينادي بالتغيير في المجتمع؛ مما يبشر أن الإضرابات المتفرقة تحاول أن تتجمع على مطلب التغيير.
ويدين كل المحاولات التي تقوم بها الحكومة حاليًّا لإجهاض محاولات التجمع سواء بمحاولتها تخصيص مكان للإضرابات بزعمهم أنها تسيء لسمعة مصر؛ فكلها أشكال سلمية الهدف منها توصيل رسالة للمسئولين أو نواب مجلس الشعب، وإذا تم تحديد مكان للتظاهر كما يسعى لذلك رئيس الوزراء "يبقي الإضراب ملهوش معنى"، مشيرًا إلى أن الأمر أصبح مسألة صراع وتفاوض تتوقف على الإصلاح السياسي وطالما أنه ما زال هناك نظام ديكتاتوري فهناك أيضًا مواطنون لا يرضون بهذا النظام.
ضعف الإنتاجية
وفيما يتعلق بالخسائر الاقتصادية للإضرابات يوضح د. إبراهيم المصري أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن كثرة الإضرابات والانقطاع عن العمل تؤثر تأثيرًا سلبيًّا على المنظومة الاقتصادية، ومن ثَمَّ الناتج القومي؛ لأن الإضراب يعني أنه لا يوجد إنتاج، وبالتالي تقل القيمة التي يضيفها العامل إلى الإنتاج: مما يؤدي إلى انخفاض الناتج القومي، بجانب انخفاض متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي وانخفاض معدل النمو الاقتصادي.
ويشير إلى أن الحكومة لا تستطيع أن تعوض هذه الخسائر التي تكبدتها إثر هذه الإضرابات إلا في حالة قيامها بتعويض كل الإيقافات بزيادة ساعات العمل وعدد الورديات، وهذا يعتبر أمرًا بالغ الصعوبة؛ لأنها ستحتاج إلى ميزانية جديدة لإعطاء العاملين أجر ساعات العمل الإضافي؛ فالحكومة التي تعجز عن إعطاء العمال أجر الساعات الأساسية فهل ستعطي أجر ساعات إضافية؟.
ويتساءل المصري: هل وضعت الحكومة أسباب ضعف إنتاجية العامل ودرست بجدية هذه الأسباب؟، هل قامت بتدريب العمال على الآلات الحديثة لزيادة إنتاجهم وتقليل الوقت؟ هل وفَّرت الحكومة مناخًا مناسبًا للعمل والإنتاج؟، هل وفرت الحكومة نظامًا وإستراتيجيةً جيدة للعمل؟، هل العامل هو الذي أحدث أعطالاً في الماكينات، وبالتالي ضعف إنتاجيته؟، هل هو من اختار إدارته السيئة التي حرمته من كافه حقوقه؟!.
ويؤكد أن أجور العاملين في مصر تحولت إلى نضال شعبي بسبب انخفاضها وسوء توزيعها؛ مما جعل العامل يشعر بالظلم، ومن ثَمَّ نمت أظافره ليهاجم من يظلمه ليحصل على قدرٍ من العدالة الاجتماعية.
غياب الديمقراطية
كمال أبو عيطة

كمال أبو عيطة يؤكد أن الإنجازات التي حققتها الإضرابات العمالية منذ عام 2007م إلى الآن تعادل ما فعلته الحركات الاحتجاجية ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي منذ حوالي 40 عامًا، منها أن كل موقع على حدة حقق إنجازات اقتصادية إلى جانب تحقيقه لمطالب ديمقراطية، بجانب تحسن وتقدم القوى الاجتماعية حتى شكلوا قيادة موحدة، بالإضافة إلى الارتقاء في وضع الشعب.
ويوضح أن المطالب الجزئية والفئوية التي ينادي بها كل المعتصمين من عمال باختلاف أوضاعهم سيساهم بشكل كبير في إقامة نقابة مستقلة معبرة عنهم.
ويرى أن كثرة الإضرابات والاحتجاجات لا تعبر عن وجود ديمقراطية كما يتغنى المسئولون بالديمقراطية، ولكنه في الأصل تُعبِّر عن غياب الديمقراطية بسبب عدم وجود قنوات طبيعية ونوافذ تعبر عن العمال؛ لأن اتحاد النقابات لا يحل أزمات العمال ومجلس الشعب غير معبر عن مطالب الشعب والحكومة لم تقم بدورها المنوطة به.