تشهد مصر حاليًّا موجة تمرد كبيرة في الطبقات الشعبية؛ نتيجة عوامل عدة، على رأسها التردي الاقتصادي التي تعيشه هذه الطبقة، والذي نلمسه في كثير من الاعتصامات التي تشهدها البلاد لعمال المصانع والشركات والأحياء الشعبية.
ويذكرنا ذلك الوضع بمشاهد سابقة سجلتها لنا ريشة المؤرخين، ففي عصر الدولة المملوكية شهدت العلاقة بين الطبقات الشعبية والسلطة الحاكمة مثل هذه الاضطرابات، وأرجعها الكثير من المؤرخين إلى سيادة النظام الإقطاعي في هذا العصر الذي يميزه وجود طبقتين إحداها تمثِّل الثراء والبذخ ويمثلها في عصرنا الحالي طبقة رجال الأعمال، والطبقة الأخرى هي الطبقة المتردية في الفقر ويمثلها الطبقات الشعبية، وفي كلتا الحالتين فالأسباب ترجع إلى سوء الأحوال الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية في ظل نظام استأثر بكل خيرات البلاد، ولم يتركوا لأهلها سوى الفتات وحياة الفقر والفاقة.
ومن مظاهر القهر الاقتصادي الذي تعرضت له الطبقات الشعبية في العصر المملوكي احتكار الدولة التجاري لبعض السلع الأساسية وتحديد سعرها بما لا يتناسب مع القدرات الشرائية لهذه الطبقات؛ ما زاد من وطأة المعاناة الاقتصادية خاصة في دولة المماليك الثانية بداية من عام 784هـ/ 1382م، وتعددت الاضطرابات والفتن؛ ما أثر على الوضع الاقتصادي تأثيرًا سلبيًّا.
وحدث مثل ما يحدث اليوم؛ حيث خرج جموع الطبقات الشعبية مطالبين السلطان الأشرف قايتباي في عام 898هـ/ 1492م بصرف رواتبهم المتأخرة، واضطربت الأحوال المعيشية، وأغلقت الحوانيت والأسواق، وخشي الناس من وقوع فتنة من جرَّاء ذلك، وأغلقت الطواحين، واختفى الخبز من الأسواق، ووقع القحط بين الناس، وضجت الطبقات الشعبية من محدودي الدخل، وزادت أحوالها الاقتصادية سوءًا؛ ما دفع الكثير من الطبقات الشعبية إلى الانضمام إلى فئة الشطار (طائفة من أهل الدعارة والنهب واللصوصية) والعيارين (جماعة من باعة الأسواق الفقراء).
وكعادة المصريين اتجه البعض من أصحاب الموهبة الشعرية إلى كتابة الشعر ليعبر عن الحالة التي آلوا إليها، فجاء شعرهم انعكاسًا لحالتهم الاقتصادية، ومعبرًا عن مظاهر الفقر والمعاناة اليومية التي اتصفت بها حياتهم في تلك الفترة، فنجد أبو الحسن الجزار والذي عاش في الفترة من 601 : 679هـ/ 1204 : 128م، والذي يُفهم من اسمه أنه كان يعمل بالجزارة، ولكن أجره كان لا يكفي معيشته، بل لم يكن يحصل على نصيبه من اللحم الذي يبيعه للناس، فسطَّر بيتًا من الشعر قال فيه:
أعمل في اللحم للعشاء ولا أنال منه.. فما ذنبي
* وعندما حل شهر رمضان وقف أمام دكان الكنافة يقدم أبياتًا يصف فيها بؤسه فيقول:
ما رأت عيني الكنافة إلا عند بياعها على الدكان
ولعمري ما عاينت مقلتي قطرا سوى دمعها من الحرمان
وكم ليلة شبعت من الجوع عشاء إذا جزت بالحلواني
حسرات يسوقها الطرف للقلب فويل للفكر عند العيان
* وهذه أبيات اختلطت فيها أماني الجياع بأحلام الفقراء
قالوا تحب المدمس قلت بالمسلى
والبيض مشوي تحبه قلت والمقلي
* ونلمس في شعر سراج الدين المتوفي سنة 695هـ/ 1295م والذي كان يعمل في صناعة الورق ما كان يعانيه أولاده من بؤس في قوله:
قد أقبل العيد وما عندهم قمح ولا خبز ولا فطره
فأرحمهم إن عاينوا كعكة في يد طفل أو رأوا تمره
تشخص أبصارهم نحوها بشهقة تتبعها زفرة
وقد انضم نتيجة هذه الأحوال من الجوع والتردي الاقتصادي الكثير من عامة الفقراء إلى صفوت الفتوة، وانخرط البعض الآخر في سلك التصوف بإلحاقهم بالخوانق والتكايا كوسيلة للتحلل من وطأة ما يعانونه من ظروف اقتصادية وسياسية سيئة.
إذًا فالعلاقة بين السلطان والطبقات الشعبية ترتبط بالأحوال الاجتماعية والظروف السياسية الاقتصادية التي تمر بها الدولة، ذلك بالإضافة إلى طبيعة السلطان ذاته وميوله واتجاهاته في الحكم، وكانت الضرائب مؤشرًا مهمًّا يعكس طبيعة هذه العلاقة، وغالبًا ما كان فرض الضرائب سببًا من الأسباب الأساسية في إثارة الطبقات الشعبية حتى وإن كان فرضها مرتبطًا بتجهيز الجيش للدفاع عن البلاد.
ففي عام 892هـ/ 1486م احتاج السلطان قايتباي إلى أموال لإخراج حملة ضد العثمانيين، فأصدر أوامره إلى المحتسب بفرض بعض الأموال على التجار، ولكن التجار ضجوا من ذلك ومن المكوس التي استحدثها السلطان قايتباي للغرض نفسه.
كما أصدر السلطان قانصوه الغوري في عام 907هـ/ 1501م أوامره بأخذ ريع سنة كاملة على الأوقاف، إلى جانب أجرة عشرة أشهر كاملة من البيوت والربوع والحوانيت والحمامات والغيطان والمراكب وذلك للإنفاق على الجند- تذكرنا هذه الضريبة بالضريبة العقارية التي فرضتها الدولة حاليًّا على العقارات- فثارت الطبقات الشعبية على فرض مثل هذه الضرائب، وأغلقت الحوانيت، وتعطلت حركة البيع والشراء، وقدم ممثلو الطبقة الشعبية شكوى للسلطان؛ ما أدى إلى ثورة المماليك على الناس البسطاء، فقتل بعضهم وجرح البعض الآخر ونهبت عدة دكاكين، فلما تزايد الأمر وكادت القاهرة أن تخرب، فنادى السلطان بالأمان وفتح الأسواق وخفض أجرة البيوت والدكاكين ثلاثة أشهر فسكن الحال قليلاً.
كما فرض السلطان الغوري سنة 921هـ/ 1515م ضرائب على الباعة الجائلين والتي عُرفت باسم المشاهرة والمجامعة على اعتبار أنها كانت تجبى منهم شهريًّا وأحيانًا كل جمعة، وقد اضطر هؤلاء الباعة إلى تعويض قيمة هذه الضريبة عن طريق رفع أسعار السلع، فاشتد الغلاء حتى اضطر السلطان إلى إلغائها في عام 922هـ/ 1516م.
وقد كان بعض السلاطين يفرضون الضرائب ثم يتراجعون عنها تحت ضغط ما تقوم به الطبقات الشعبية من حركات تمرد وعصيان، فقد حدث في عام 715هـ/ 1315م أن أصدر السلطان الناصر محمد بن قلاوون أوامره بإلغاء الضرائب والمكوس المفروضة على الطبقات الشعبية والتي أثقلت كاهلهم، كما أبطل السلطان الغوري في عام 919هـ/ 1513م المكوس التي كانت تُؤخذ على القمح والبطيخ وسائر الغلال.
وغالبًا ما كان السلطان يتخذ موقفًا سلبيًّا إزاء ما يوقعه الوالي أو الوزير من مظالم وضرائب على الطبقات الشعبية، كما كانت الدولة في بعض الأحيان تتخذ موقفًا ينتقص من حقوق الطبقات الشعبية يبلغ في بعض الأحيان حد الطمع في حقوق الورثة، وكانت الطبقات الشعبية تثور في بعض الأحيان في وجه المحتسب الذي غالبًا ما يكون سببًا في تعرضهم للظلم ورفع أسعار السلع الضرورية لهم، ففي عام 782هـ/ 1380م ارتفع سعر الغلال ولجأ كثير من الناس إلى تخزينها طمعًا في رفع سعرها؛ ما يعود عليهم بالفائدة، الأمر الذي يعود بالضرر على الطبقات الشعبية، فلجأت إلى السلطان واستغاثوا به لرفع الظلم عنهم وعزل المحتسب وتعيين آخر بدلاً منه، كما يستغيث عُمالنا اليوم بالرئيس ليرفع رواتبهم ويزيل عنهم ظلم ارتفاع الأسعار.
نريد سلطانًا يحذوا حذو الظاهر بيبرس مع طبقات الشعب الكادحة، والذي حذا حذوًا إيجابيًّا مع عامة فقراء شعبه فشاركهم في بعض مظاهر التكافل الاجتماعي والاقتصادي، خاصة في فترات وقوع الأزمات، فحينما شحَّ النيل وعدمت الأقوات في عام 661هـ/ 1262م أمر السلطان بيبرس بجمع المعدومين من أهل القاهرة فأخذ جزءًا منهم ووزع بعضهم على الأمراء والأثرياء لإعالتهم طوال فترة هذه الأزمة، ويرى كُتاب التاريخ أن الظاهر بيبرس أراد بهذا التصرف أن يحد من ثراء الأمراء وإشعارهم بالمشاركة في المسئولية العامة، وأنه لما كانت لهم الحقوق فإن عليهم الواجبات، وربما اقتدى به السلطان الأشرف شعبان بن حسين، ففي عام 775هـ/ 1373م ارتفعت الأسعار ووقع القحط فأمر بفتح عدد من شون القمح والغلال وقام بتوزيعها على الفقراء والمساكين ثم أمر بأن يُوَزَّع الفقراء والمساكين على الأمراء وأعيان التجار لحين زوال هذه الضائقة.
هذه التصرفات الإيجابية من السلطة الحاكمة حيال محدودي الدخل من شأنها أن تفرغ مشاعر السخط والتمرد الكامنة في نفوسهم قبل أن تتحول إلى رغبة في الثورة ضد رموز السلطة.
نريد في حالنا اليوم الذي ينتابه النكبات.. اقتصادية كانت أو اجتماعية وسياسية أن تتجه السلطة الحاكمة إلى أن تُقيم تكافلاً رسميًّا مع الطبقات الشعبية، وأن يمثِّل هذا التكافلُ سياسةً اقتصادية وسياسية ثابتة، وأن يتجاوز دور هذه المظاهر مجرد محاولة التخفيف الوقتي بمكافأة أو علاوة في عيد من الأعياد أو مناسبة من المناسبات لا تغني ولا تسمن من جوع؛ لما يثقل كاهل الطبقات الشعبية من محدودي الدخل، وموظفي الحكومة من أعباء اقتصادية واجتماعية متعددة.
------------
* دكتوراه في الآثار الإسلامية.