إخوتي وأحبائي أشعر عندما أتواصل معكم كأني أجلس مع أشقائي الذين هم من رحمي، ولِمَ لا؟ والذي يجمع بيننا هو الله جل وعلا، فما زلنا أيها الأحباب في هذه الرياض الوافرة نتلاقى، وعلى هذه الضفاف الزاهرة نتمايل، وفي ظل هذه الأشجار الباسقة نتزاور، فهيا بنا نكمل ارتشافنا ونتذوق مزيدًا من الحلاوة في ظل الإيمان والأخوة بما يفتح الله به علينا فإن كان خيرًا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمن أنفسنا والشيطان.
أدعو الله أن يغفر لنا ويتقبَّل منا ومنكم صالح الأعمال، سوف نشفعها هذه المرة، بالإضافةِ إلى مرجعيتنا الشرعية القرآن والسنة وغيرها من علومنا، بقصص واقعية في مرجعيتنا الإخوانية وعشنا مع مَن عاشوها لعلنا نتعلم منها دروسًا واقعيةً نُغيِّر بها في حياتنا للأفضل.
وما دفعني للكتابة في هذا الموضوع أمر شغلني كثيرًا في الفترة الأخيرة، وهو أنني رأيتُ فضل الله العظيم على هذه الدعوة بإقبال أجيال ضخمة من الشباب على هذه الدعوة بحب وعاطفة لا مثيلَ لها، ولكن ينقصنا كثيرًا للرحيق الذي يلتصق لرائحة المؤسس الأول لهذه الجماعة المباركة الإمام الشهيد حسن البنا الذي كان يتغنَّى دائمًا باقتدائه للقائد الأول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وافتخاره بارتشافه للمعين الدفَّاق وهو القرآن الكريم.
وبالتالي ما أقصده هنا أيها الأحباب وهو أننا افتقدنا كمًّا هائلاً من هذه الأجيال للاحتكاك بالرعيل الأول الذين كانوا مع الإمام البنا، وقد كان الإخوان يعوضوننا هذا الأمر بمزيدٍ من المعسكرات ومخيمات والرحلات والجوالة والكشافة.
وقد كانت هذه الوسائل وما يحدث فيها سببًا مباشرًا في تأصيل الكثير من المفاهيم والأعراف الدعوية التي نفتقدها الآن بعض الشيء.. النقطة الثانية حاولتُ بتجربتي الصغيرة أن أُسطِّر وأتعلم منهم كل شيء، ومنهم مَن قضى نحبه ومنهم مَن لا يزال على قيد الحياة أمدَّ الله في عمرهم جميعًا، وردَّ الله إلينا هذه الإيمان المباركة مرةً أخرى، ووقانا شر الظالمين الذين يحيلون بيننا وبين أساتذتنا على جميع المستويات.
وسوف نستعين بالله في البدء بهذه السلسلة، وأستحلفكم به جل وعلا أن تنصحوني في الله فيما يتعلق بإضافة أو تصحيح أو اقتراح لأني ترددت كثيرًا في كتابتها، ولكن بتشجيع كثير من الإخوان سوف أبدأها بإذن الله؛ لأنها أمانة في رقبتي بحق الدعوة وأُذكِّر نفسي وإياكم بكلام الإمام البنا، ولقد ظلت هذه الأوامر الربانية بالتوجيهات المحمدية بعد الصدر الأول كلامًا على ألسنة المسلمين, وخيالاً في نفوسهم, حتى جئتم معشر الإخوان المتعارفين, تحاولون تطبيقها في مجتمعكم, وتريدون تأليف الأمة المتآخية بروح الله وأخوة الإسلام من جديد, فهنيئًا لكم إن كنتم صادقين, وأرجو أن تكونوا كذلك, والله ولي توفيقكم. (رسالة الأسر).
1- كنت أتحسَّر بيني وبين نفسي على هؤلاء الأفذاذ.. مشايخ أزهريين وعلماء أفذاذ أساتذة جامعات وهم في سجون ينامون على الأرض رغم أعمالهم ومكانتهم وظروفهم الصحية, ولم تكن هنالك وقتها مراوح ولا مراتب ولا أي وسائل أخرى مع إغلاق شبه تام للزنزانة طوال اليوم في سجن استقبال طرة.. أحد إخواننا وأساتذتنا الأفاضل، وكان أستاذًا بالجامعة وعضوًا بمكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين- متَّعه الله بالصحة والعافية، وثبتنا على الحق حتى نلقاه.
أ] كان يحرص على خدمة إخوانه بنفسه ويتفانى في خدمة كبار السن.
ب وكان سبَّاقًا في الخدمات (تنظيف الزنزانة- تنظيف دورة المياه- تجهيز الطعام).
ج] ينام آخرنا ويستيقظ أولنا- ينام على القرآن ويستيقظ عليه- يتحسس طريقه بالليل في الظلام ليجد له ركنًا يصلي فيه لربه ولا يؤثر على إخوانه النائمين.
د] يترنم بالقرآن حيث كان فهو يحفظه جيدًا، وعندما تراه يردده تشعر أنه في عالم آخر.
هـ] بعد الفجر يظل في مكانه يردد أذكار الصباح بينه وبين نفسه، ثم يكمل ورده القرآني وتُشرق عليه الشمس ويبدأ في صلاة الضحى ما شاء الله له أن يصلي، ورغم كل ذلك لا يشعر أحدٌ به حتى لا يوقظ إخوانه.
و] ورغم كل ذلك عندما تفتح الزنزانة الساعة 7 صباحًا تجده أولنا خارج الزنزانة ينادي علينا فردًا فردًا، ويرتدي لبسه الرياضي استعدادًا للطابور الرياضي؛ وذلك بعد أن فتحوا علينا الزنازين آخر أيامنا هناك.
ح] حين الطعام يجلس آخرنا ويقوم أولنا؛ ذلك في أيامه التي يكون فيها مفطرًا، وكان كثير الصيام.
ط] رأيته يتلذذ بالطاعة (الذكر- الدعاء- الصلاة- التهجد- القرآن- خدمة الإخوان)، وحينما يحمر وجهه تشفق عليه وهو يئن ويتأوه بين يدي ربه في سجوده، وتتمنى لو قبلك الله معه.
(2) أحد إخواننا في مرة أخرى كان يقضي معظم أيامه معنا مريضًا لا ينام ولا يأكل ودائم الألم في كل جسده، رأيته عدة مرات ينتظر حتى ينام كل الإخوان، يقوم متحسسًا مكانه لدورة المياه ويظل ينظف دورات المياه والمطبخ بملابسه الداخلية حتى يتركها نظيفة، ونستيقظ قبل الفجر نجده نائمًا وكأنه لم يصنع شيئًا.
(3) الشيخ حمدي من العلماء وأكبرنا سنًا، وهذه حكايات بسيطة عنه، والتي أتذكرها الآن.
أ- كان يصر على أن ينزل معنا الطابور الرياضي في الميعاد، ينفذ كافة الأعمال والخدمات مثلنا تمامًا ويرفض التميز، وكان مصرًّا على نزول الطابور الرياضي رغم مرضه وكبر سنه وجسده الكبير العليل.
ب- كنا في مثل سن أولاده، ورأينا شدة احترام الناس من كل الجماعات الأخرى له في السجن، وحرصهم على أن ينهلوا من علمه ويستفتونه في كل أمورهم، وكانوا يتنافسون لمجرد السلام على الشيخ، وكان يستأذن المسئول في مثل هذه الأمور وبعض الأمور الإدارية الأخرى.
ج- ذات مرة اقترحنا عليه في الزنزانة أن نصنع أمرًا معينًا فأصرَّ إصرارًا شديدًا على أن يأخذ الإذن من المسئول وقتها بنفسه، وهو يُنادي عليه إلى أن ردَّ عليه بالموافقة رغم أنه يصغره بأكثر من عشر سنين وليس في مكانته الشرعية.
د- وذات مرة مرضتُ مرضًا شديدًا فوجدتُ ثلاثة أطباء في رعايتي والأدوية والجلوكوز.. ووجدت الشيخ يسندني على صدري بحنان بالغ وعندما أفتح عينيي يقول لي ألف سلامة عليك يا ولدي.
هـ- كان يخفف عنا ويسلينا عندما يرى في أعيننا المكابدة والحزن على مفارقة أهلينا وأولادنا وكذالك قسوة الظالمين علينا، واستمرار الحبس وراء الحبس في قرارات النيابة فيضحكنا ويضع رجله الصغيرة على رجله الأخرى ويضرب عليها، وهو يقول هي آخرها ثلاث سنين يخدوها على..........!.
(4) فضيلة الشيخ/ أبو الحمد ربيع- عضو مكتب الإرشاد السابق، رحمه الله..
أ- عندما كان يقابلنا يسألنا عن إخواننا وأخواتنا وعن أمهاتنا وأبنائنا وبناتنا وزوجاتنا وأحوالنا، ولا يبدأ في سرد أي موضوع قبل أن يسألنا هذه الأسئلة التي يظن البعض أنها تقليديةٌ، لكنها من صميم العبادة والدعوة وتكليفاتنا الدعوية والفهم الحقيقي للمسئولية والرعية أيًّا كان حجمها، وكذلك فهمنا الحقيقي؛ لتفقدنا بمن نعول، سواءٌ بأولادنا أو إخواننا؛ الذين جعلهم بين أيدينا أمانة، ونقصر فيها أحيانًا، ونظن أن ساعتين في الأسبوع تكفي.. فأين نحن من هؤلاء؟!
ب- لم أرَه يخلع زيَّه الأزهريَّ إلا عندما يكون مصرًّا على التزامه معنا بطابور المشي تعايشًا مع الإخوان، يخلع قفطانه فقط ويظل بجلبابه، وكان يشعر بألم شديد عندما لا يشاركنا.
انظر يا أخي كان يلتزم بواجباته الدعوية.. (السمع والطاعة، والالتزام، وعدم التماس الأعذار، والتلكؤ، وفي نفس الوقت تمام الالتزام بواجباته الأزهرية، مع الالتزام أيضًا بحسن الهيئة والنظافة والجمال).. نحن مقصرون في هذا يا معشر الإخوان.
ج- حرصه على المشاركة في أعمال الخدمة كبقية إخوانه رغم كل ما ذكرناه.
د- حرصه التام على تمثل القدوة، بما في القرآن من نماذج القدوة، وحرصه كذلك على التحلِّي بسمات الحبيب صلى الله عليه وسلم، وتمثل ذلك في حرصه على ختم القرآن دون النظر في المصحف تمامًا في أقصى مدة، وهي ثلاثة أيام، ولقد تألَّم ألمًا شديدًا عندما أصيب بمرضٍ في عينه لا يُمكِّنه من القراءة في المصحف فقد كان يحب القراءة فيه رغم حفظه له، كان يعلمنا "مَن لم يقرأ القرآن على يد معلم لا بد أن يبحث له عن معلم حتى لا يحرم نفسه وحتى لا يُخطئ، وكان يستشهد بهذه الآية من سورة (محمد) الآية 37: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾، وكان يقول شاور لي عليها حتى لا أُخطئ، فقد حفظها وهو صغير "فَيُحِفْكُم"، فكان يحذِّرنا من قراءة الصبيان والشباب وحدهم دون معلم، وكان أول مَن علمنا ختم القرآن بطريقة الحالِّ المرتحل، يختم عند آية ثم يبدأ بعدها في غدوِّه ورواحه وقراءته وصلاته، وهكذا.. بالإضافة إلى كثرة ذكره لله خاليًا وفي جماعة، وكذلك دعاؤه وبكاؤه وغيرته.
كنا نراه في أذكار الصباح والمساء والوظيفة الكبرى بالتحديد، ورأيت حال الإخبات فيها؛ فأين نحن من هؤلاء، خاصةً وما نراه من بعضنا الآن؟!
هـ- كنا في أسوان، وبعضنا متجه إلى بلده، والآخر متجه إلى القاهرة، وكان الشيخ متجهًا إلى بلده، فوصل القطار إلى سوهاج قبل الفجر، وكان الشيخ نائمًا بعد يوم كله كدٌّ وعملٌ، وعندما أيقظناه للنزول لا تتصور أخي الحبيب هذا المنظر المؤثر الرهيب الذي كلما تذكرناه بكينا تأثرًا بهذه الجندية الفائقة، والسمع والطاعة وسرعة التلبية التي تمثلت في هؤلاء الرجال، رغم أن الله جل وعلا عفا عن مثل هؤلاء ورفع عنهم الحرج لمرضهم، وتقدُّم سنهم، ولكن هيهات هيهات.. أبوا إلا أن يعيشوا مرفوعي الرأس.. رافعي الراية، يعلموننا وهم بيننا بالقدوة.
- أرأيت ما الذي حدث يا أخي.. لقد قام الشيخ مهرولاً فزعًا، أمسك عمامته بيد، وبيده الأخرى طرف جلبابه، ونحن مسرعون خلفه بحذائه ثم ألقيناه خلفه على رصيف المحطة بعد أن قفز الشيخ من القطار عكسيًّا، ووقع الشيخ على الأرض.. نعم وقع على الأرض، ولكنَّ الله سلَّم، لكي يكون هو وأمثاله حجةً على أمثالنا أيها الأحباب؛ لأننا أحيانًا نقدم.. آه نقدم.. ولكن يا حسرتاه على ما نقدمه، وعلى أي حال نقدمه.. بعد كل هذا أيها الأحباب تقول له ولأمثاله لك عذرك يا شيخنا... يقول لك: "بس هو يقبل" يقولها وبعدها يبكي حينئذٍ نتذكر قول ربنا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)﴾ (المؤمنون).
و- سألته مرةً: ما حال أخينا فلان لِمَ لا نساعده، ونحن قصرنا في حقه؟ فسكت عني ثم فوجئت به يبكي، وقال: "يا أخي.. اوعى تظن إن إحنا قصرنا في حق أخينا أو أي أخ من إخواننا، هو إحنا لنا غيرهم".
ح- رأيته يبكي مرةً أخرى عندما سألناه عن الأستاذ سيد قطب وقال: لقد ظُلمَ كثيرًا هذا الرجل، واتهموه أنه هو من ابتدع بدعة التكفير وهو أحد زعمائها، لكن هذه فرية كبيرة على الشهيد سيد قطب، فقد حكى لنا الشيخ أنه في آخر يومٍ في حياة الشهيد سيد، جاءوا ليأخذوه إلى حجرة الإعدام وكان مريضًا، يتنقل من مكانٍ إلى مكانٍ بكيس الدواء الخاص به، فقال لهم: آخذ كيس دوائي معي فقالوا له لن تحتاجه، فعلم أنها ساعاته الأخيرة فمرَّ على الأستاذ مأمون الهضيبي وكانوا وقتها معًا في مستشفى السجن، فقال له أبلغ فضيلة الأستاذ المرشد- يقصد أبو الأستاذ مأمون الهضيمي؛ المستشار حسن الهضيمي- أنِّي على العهد، ولا أُكفِّر مسلمًا أقرَّ بالشهادتين، وأُجدد له البيعة.
ط- كان الشيخ يفزع كثيرًا عندما يُؤذَى أحد الإخوان أو ممتلكاته أو أحدٌ من أولاده.. كان يفزع أيضًا عند احتمال حدوث أي شرخ في جسد الجماعة.. كان يتأثر كثيرًا للمشكلات الخاصة بالحياة الزوجية والأسرية والمشكلات المالية.. كان يوصينا بألا نتوسع في حل مثل هذه المشكلات من حيث الأفراد، ولا نسمح لأحد أن يخوض فيها إلا بشروط خاصة إن لم يكن من أهلها أو من أهل الرشد والخبرة فيها.
ي- من أقواله:
* كان يذكِّرنا بالأثر الذي يقول: "إن المكان الذي تصلي فيه أول مرة فيه دعوة مستجابة".
* في أمور الخير والبر كان يقول: "ما تشاورش في الخير".
* كان كثير الذكر ولا يترك مناسبة إلا ذكَّرنا فيها بالله وبالقرآن الكريم، وبأحاديث من السنة، ومواقف من السيرة مشابهة لما نمر به.
* وأختتم حديثي عنه الآن- رحمه الله- مؤقتًا بأن أكمل المرة القادمة بإذن الله.. أختتم هنا بيوم وفاته 12 رمضان في آخر إفطار للإخوان زرناه بعد صلاة العصر، وكان صائمًا، ودعا لنا ولأولادنا، وكنا حول سريره 8 أفراد من 4 محافظات، داعبنا وسامرنا جميعًا، وتركناه بعد المغرب وبعدها فاضت روحه إلى بارئها، ورأينا الدنيا كلها حزينةً على الشيخ أبو الحمد ربيع، نساءً وأطفالاً وشيوخًا، وأناسًا من كل المستويات يبكون على فضيلة الشيخ أبو الحمد ربيع، وقد كان مديرًا للتعليم الثانوي الأزهري وقتها، رحمه الله رحمةً واسعةً.
* الموقف التالي نكمله المرة القادمة إن شاء الله، وهو خاص بالشهيد محمد يوسف هواش، وقد حُكم عليه بالإعدام، فعاش معه الدكتور محمود عزت 3 أشهر قبل الإعدام في زنزانة واحدة، ورأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى اللقاء..
واجب عملي
بعد هذه الوقفة أيها الأحبة أخاطب نفسي بهذه التوجيهات العملية التي استخلصتها منها، والتي أسأل الله بها أن أكون من العاملين:
أ- الربانية.
ب- قراءة القرآن بتدبر والتعايش معه.
جـ- تعميق الأخوَّة.
د- الفناء في حب الإخوان في الله.
هـ- الهم بالدعوة.
و- حسن الظن بالإخوان.
ك- أكثر دروب العبادة في خدمة المجاهدين وابتكار وسائل في ذلك.
ل- تجديد النية وتصحيحها.
م- الالتزام بالأعراف الدعوية (السمع والطاعة والجندية).
اختر واحدة يا أخي من الآن وتوكل على الله.