![]() |
|
البدوي عبد العظيم البدوي |
مرَّت علينا منذ أيام الذكرى الثانية والستين لذكرى (النكبة)، ثم جاء حدث يؤرِّخ لمجزرة بشرية ارتكبتها عصابات الهمج الصهيونية التي تُطلق على نفسها قوات جيش الدفاع الصهيوني- والذين هم في حقيقة الأمر نازيون جُدد- ضد سفن الحرية التي انطلقت في محاولة بريئة لكسر الحصار على قطاع غزة، تلك السفن التي لم تكن تحمل أسلحة أو "كوماندوز" أو بلطجية، بل كانت تحمل إعلاميين ونوابًا وبرلمانيين ونشطاء سياسيين و"حريات عامة" من أكثر من 30 دولةً، فقتلت منهم 20 فردًا بخلاف الجرحى، ويعلم الله كم ستأسر من أعداد أخرى من هؤلاء الأبطال، كل ذلك في صمت من الأمم المتحدة والدول التي تكتسب صفة الشريك في قرار الهجوم على تلك السفن المسالمة المحملة بالمعونات الإنسانية لشعب مضطهد؛ كل جريرته هي اختياره فصيلاً سياسيًّا ما من أبناء شعبه ليحكموه.
وتأتي هذه الأحداث في ظل سباق محموم لمحاولة تصفية القضية الفلسطينية بأي ثمن، وبغض النظر عن الثوابت الفلسطينية المعروفة، وأهمها على الإطلاق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وعدم التفريط في القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية.
ومن المتغيرات المهمة في تلك المرحلة التاريخية نجاح العدو الصهيوني في شق الصف الفلسطيني (بشرًا- وأرضًا)، وخلق فصيل فلسطيني، أمكن استدراجه وخداعه إلى تبني شعارات براقة ومخادعة مثل تحويل غزة إلى هونج كونج الشرق، وتنمية المنطقة اقتصاديًّا، والسلام الدائم، ووقف نزيف الدم بين الطرفين المتصارعين، وأحقية الصهاينة في العيش بسلام جنبًا إلى جنب مع الشعب الفلسطيني... إلخ؛ حتى أصبحنا نسمع ونقرأ عن خطابات وبرقيات تهنئة لقادة الصهاينة بذكرى قيام الكيان الصهيوني، وكأن تلك الأراضي التي قام عليها الصهاينة هي في الهونولولو أو أمريكا الجنوبية أو أستراليا، ونرى منظمات معارضة عربية في بلاد المهجر تُرسل خطابات التهنئة للكيان الصهيوني، وتتمنى له التوفيق في طرد باقي العرب من القدس ويعتبرونهم مُلهمين لهم في مطالباتهم.
وكلها شعارات من أمثال شعارات (الحرية والإخاء والمساواة) توهم السامع دون أن يكون لها أي مردود على أرض الواقع؛ فكأن الوطن العربي الذي كانت آخر حروبه الكبرى مع العدو الصهيوني عام 1973م استطاع أن يحقق التنمية الموعودة، وكانت مصر الآن حالها أفضل مما كانت عليه منذ 30 أو 40 سنة مضت، فكلها مجرد شعارات براقة لا تحمل أي مضمون، ووفقًا للمشروع الصهيوني الغربي الكبير الذي يطمح إلى تحقيقه؛ فإن مسألة الأراضي الفلسطينية هي مجرد بداية وهي من الصغر بمكان أنه حتى لو أعاد الصهاينة الأرض التي احتلت عام 1967م للفلسطينيين فلن يوقف ذلك أهداف المشروع الكبير، والذي يمثِّل في حقيقته صراعًا حضاريًّا وأيديولوجيًّا وصراع مشاريع وليس فقط الصراع على مساحة من الأرض.
ولعلنا جميعًا قد لاحظنا تلك الهجمات المستمرة، والتي تنوعت أشكالها لكسر إرادة المقاومة لدى الشعوب والدول والحركات والمنظمات والأفراد، فمرة بالتجريم وأخرى بالاعتقال والحظر، وثالثة بالحرب، ورابعة بالإبادة الجماعية، وخامسة بالاغتيال بِصُوَرِه المختلفة، وسادسة بالحصار والعقاب الجماعي؛ وذلك كخطوة تسبق عملية التصفية المأمولة.
وإذا كان الحال كذلك؛ فإن المشروع الإسلامي الحضاري يكون ولأول مرة من زمن طويل قد استطاع أن يوقف تقدم المشروع الغربي الصهيوني بتبني واحتضان الشعوب لخيار المقاومة بكل أشكالها باعتبارها حقًّا مشروعًا للأمم تحت الاحتلال، والملاحظ أن المقاومة بهذه الصورة قد استطاعت أن تجعل المشروع المضاد يراوح في مكانه منذ سنوات، لا يستطيع أن يتقدم خطوة للأمام، وإن تَقَدَّمها فسريعًا ما يتراجع عنها.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة النظر في تطوير وتوسيع دائرة المقاومة والمقاومين؛ حتى لا يقتصر إطلاق لفظ المقاومة على من يحمل السلاح في وجه الاحتلال، وهي فكرة تحتاج إلى تبنٍّ ودعم من كل مَن يحمل لواء المقاومة ويعمل على دعمها والتخندق معها في ذات الخندق؛ ليتم إطلاق لفظ مقاوم على كل من يقاطع البضائع الصهيونية، وكل من يقاوم التطبيع، وكل من يدعم المقاومة ويؤيدها، وهكذا حتى يزيد حجم وعدد من يُطْلَق عليهم لفظ (مقاوم)، ويتسع ليشمل أحزابًا وأفرادًا، ولا يقتصر الأمر على دول الطوق فقط بل يتسع ليشمل الصعيد العربي والإسلامي بل والدولي؛ الأمر الذي يزيد من تقوقع المشروع الآخر وإحراجه دوليًّا وإقليميًّا، ويجعل من المستحيل تطويق أو القضاء على المقاومة وهو هدف يستحق أن نعمل على تحقيقه وتبنيه بكل طاقاتنا وإمكانياتنا.
وبذلك نستطيع أن نعلنها كلنا من الآن فصاعدًا أننا كلنا مقاومون وبكل أشكال المقاومة؛ حتى ولو بكلمة أو بدعاء أو حتى بالقلب، فاختر لنفسك أخي القارئ أن تكون مقاومًا أو تكون "لا شيء".
------------------
* مستشار قانوني- باحث- محكم تجاري دولي
