قرأتُ مقالةً لفضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر الشيخ محمد بديع بعنوان: الإسلام هو الحل.. فما هو الإسلام؟ وكيف يكون الحل؟، والمنشورة في موقع: (إخوان أون لاين) بتاريخ (09/06/1431هـ- 23/05/2010م). وقد أحسن فضيلة المرشد العام عندما استشهد بموقف الصحابي الجليل الحباب بن المنذر- رضي الله عنه- في غزوة بدر الكبرى، فقال- عليه الصلاة والسلام-: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فجاء تعليق المرشد العام: (وكان بفضل الله أحد أسباب النصر في غزوة بدر الكبرى). من هذا المنطلق رأيت أن أكتب هذه المداخلة مع المرشد العام؛ لعلها تكون- بإذن الله- سببًا من أسباب تحقيق نصر الله في الأرض، كما قال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (محمد).
وفي بداية الأشهر الأولى من اختيار فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وتشجيعه على إبداء الرأي، يكون قد رسم خطوة إيجابية للنهوض بالمسلمين في مصر خاصة وفي سائر بلاد العالم الإسلامي عامة، فإذا كان الشيخ حسن البنا- رحمه الله- أول من أسَّس البناء لهذه الجماعة المباركة، فإني أسأل الله القدير أن يكون الشيخ محمد بديع أول من يؤسس الإبداع المنضبط بأحكام الدين في جماعة الإخوان المسلمين.
وأفضل كلام لفضيلة المرشد العام قوله: (وأول قيم بناء الإنسان عبوديته لله (ولله وحده)، وتحريره من كل عبودية لغير الله، فلا يخاف إلا الله، فينطلق في الكون يعمرِّه ولا يخربه، ويصلحه ولا يفسده).
وأُوكد على قول فضيلة المرشد العام بأن العبودية لله هي أصل الإسلام، كما جاء في حديث جبريل- عليه الصلاة والسلام- الذي رواه عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-، لما سأله عن الإسلام فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً". من هذا الحديث الشريف يتضح لنا أن أصل الإسلام هو: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أي: ألا يعبد إلا الله وحده، فلا يُدعى إلا هو، ولا يُستغاث إلا به، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يُخاف إلا منه، ولا يُرجى إلا هو، كما قال- تعالى-: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)﴾ (الجن)، فكل من دعا مخلوقًا، أو استغاث به، أو جعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو اقض ديني، أو اشفع لي عند الله في قضاء حاجتي، فهو مشرك في عبادة الله.
ولا يخفى على أي مسلم أن أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- قاتل مانعي الزكاة، فكيف بمن كفر بمعنى لا إله إلا الله؟ وصار الشرك وعبادة غير الله دينه.
ولهذا فكلُّ من قال: أنا مسلم أو ادعي الإسلام ينبغي أن نسأله: ما هو أصل الإسلام عندك: فإذا كان موافقًا لما كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فهو الإسلام الحق، وما سواه لا يكون من الإسلام في شيء حتى لو ادعاه قائله، ولنتذكر حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن افتراق الأمم: ("لَيَأْتِيَنَّ على أمتي ما أتى عَلَى بني إسرائيل، حَذْوَ النعل بالنعل، حتى إنْ كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملةً، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملةً واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي") (1).
وقد جاء اليهود والنصارى من أهل نجران إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: (نحن مسلمون، نعبد الله إلا إن كنت تريد أن نعبدك) (2)، فأنزل الله- تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ (آل عمران: من الآية 79). قال سيد قطب- رحمه الله-: (هذا هو الإسلام كما يريده الله، ولا عبرة بالإسلام كما تريده أهواء البشر)، وقال أيضًا: (فأما الذين لا يقبلون الإسلام على النحو الذي أراده الله، بعدما عرفوا حقيقته، ثم لم تقبلها أهواؤهم، فهم في الآخرة من الخاسرين، ولن يهديهم الله، ولن يعفيهم من العذاب) (3).
أقوال العلماء في المذاهب الأربعة:
وقد جاءت أقوال علماء المذاهب الأربعة تؤكد على أصل الإسلام الذي جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم- ففي مذهب السادة الأحناف قال الإمام قاسم بن قطلوبغا (ت 879 هـ)، وتبعه ابن نجيم الملقب بأبي حنيفة الثاني (ت 970 هـ) وخير الدين الرملي (ت 1081 هـ) وسراج الدين عمر بن نجيم (ت 1005 هـ)، وعلاء الدين الحصكفي (ت 1088 هـ) وابن عابدين الشامي (ت 1252 هـ)، والعلامتان: محمود شكري الآلوسي (ت 1342 هـ) والخجندي (ت 1379 هـ)، واللفظ للأول؛ مبينين أحوال القبورية في عصورهم وعبادتهم لغير الله بالنذور والنداء والاستغاثة، وغيرها من أنواع العبادة: (وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام- على ما هو مشاهد- كأن يكون لإنسان غائب أو مريض، أو له حاجة ضرورية؛ فيأتي بعض قبور الصالحين فيجعل ستره على رأسه؛ فيقول: يا سيدي فلان! إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي؛ فلك من الذهب كذا، ومن الفضة كذا، ومن الطعام كذا، ومن الماء كذا، ومن الشمع كذا، ومن الزيت كذا: فهذا النذر باطل بالإجماع؛ لوجوه، منها: أنه نذر لمخلوق؛ والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون للمخلوق، ومنها: أن المنذور له ميت؛ والميت لا يملك. ومنها: (أنه) إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى، واعتقاده ذلك كفر...)؛ وزاد الحصكفي: (وقد ابتلي الناس بذلك ولا سيما في هذه الأعصار)، وزاد ابن عابدين: (ولا سيما في مولد السيد أحمد البدوي) (4).
وأما السادة المالكية، ففي الحديث الذي رواه أبو واقد الليثي قال: (خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: "الله أكبر! هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: من الآية 138)، لتركبن سنن من كان قبلكم") (5). قال أبو بكر الطرطوشي المالكي (ت 530 هـ)- رحمه الله-، في كتابه (الحوادث والبدع): (فانظروا- رحمكم الله- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قِبلِها، وينوطون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها) ا.هـ(6).
وأما السادة الشافعية؛ فقال محدث الشام أبو شامة المقدسي (ت 665هـ)- رحمه الله-، في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث): (لكن نبين من هذا القسم ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، التاركين لأئمة الدين والفقهاء، وهو ما يفعله الطوائف من المنتمين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، واعتقادهم في مشايخ لهم ضالين مضلين، فهم داخلون تحت قوله- تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: من الآية 21))، إلى أن قال: (وبهذه الطرق وأمثالها كان مبدأ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع في كلِّ بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه أحدًا ممن شُهد له بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله- تعالى- وسننه، ويظنون أنهم مقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظموها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي ما بين عيون وشجر وحائط وحجر، وفي مدينة دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة، فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث) ا.هـ.(7).
وأما السادة الحنابلة فقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ)- رحمه الله- لما ذكر حديث الخوارج، قال: "فإذا كان في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم- وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام، قد مرق منه مع عبادته العظيمة، فيُعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضًا، وذلك بأمور؛ منها الغلو الذي ذمَّه الله- تعالى-، كالغلو في بعض المشايخ، كالشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- ونحوه، بل الغلو في المسيح- عليه السلام- ونحوه، فكلُّ من غلا في حي، أو في رجل صالح، أو في من يعتقد فيه الصلاح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنت حسبي، وأنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال، فكل هذا شرك وضلال، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد الله وحده لا شريك له، ولا يجعل مع الله إلهًا آخر) ا.هـ(8).
ميزان جهود الدعاة:
تطرَّق فضيلة المرشد العام الشيخ محمد بديع إلى ثلاثة أنواع من عوامل إصلاح المجتمع، وهما: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعودة أوقاف الأزهر. ونظرًا لأهمية هذه الموضوعات إلا أنه ينبغي التفريق بين جهود الدعاة إلى الله قبل التمكين وبعده، فقبل التمكين يجب تركيز الجهود على تحقيق العبودية لله، كما قال- تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)﴾ (النور)، أما بعد التمكين فيكون التركيز على أربع دعائم رئيسة كما في قوله- تعالى-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)﴾ (الحج: 41).
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله- إن العامل الأساسي من عوامل إصلاح المجتمع يقوم على تحقيق العبودية لله، ولم يكتف بهذا القدر، بل أكد أن العوامل الأخرى كالعامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي تتطلب أساسًا تحقيق العبودية لله مضافًا إليها موافقة هدي النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: (والرسول- صلى الله عليه وسلم- أول عمل عمله، وأول أساس رسمه، أنه دعا الناس إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له، ومعها شهادة أن محمدًا رسول الله، هذان الأصلان والأساسان المهمان: هما أساس الإسلام، وهما أساس صلاح هذه الأمة... ثم بعد ذلك يُنظر في العوامل الأخرى التي هي تابعة لهذا الأساس، فكل عامل من عوامل الإصلاح يتطلب إخلاصًا وصدقًا) (9).
-------------
المراجع:
(1) صحيح الترمذي باختصار السند للألباني، رقم (2129).
(2) مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، القسم الرابع، التفسير ومختصر زاد المعاد: 45.
(3) في ظلال القرآن، سورة آل عمران، دار الشروق: 1/423.
(4) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، أبو عبد الله شمس الدين بن محمد الأفغاني، رسالة دكتوراه، دار الصميعي-الرياض، الطبعة الأولى (1416هـ- 1996م)، صفحة: 1/449، نسخة إلكترونية، موقع: رسالة الإسلام، WWW.resaltalislam.org/.
(5) السيرة النبوية لابن هشام، دار الكنوز الأدبية: 2/442.
(6) مختصر الحوادث والبدع، أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، دار ابن الجوزي-عمان، (1414هـ- 1993م)، صفحة: 18، نسخة إلكترونية.
(7) الباعث على إنكار البدع والحوادث، أبي شامة المقدسي، مطبعة النهضة الحديثة- مكة المكرمة، الطبعة الثانية، (1401هـ- 1981م)، نسخة إلكترونية، صفحة: 23.
(8) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، دار عالم الكتب- الرياض (1412هـ- 1991م)، صفحة: 383، 395.
(9) موقع: ابن باز على الإنترنت، عوامل إصلاح المجتمع.