الصورة غير متاحة

 د. محيي حامد

إن رسالة الإخوان المسلمين كبيرة وعظيمة وممتدة عبر العصور والأزمان؛ لأنها تسعى إلى إرشاد البشرية كلها إلى نظام الإسلام الصحيح وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن تسعد الناس، كما أن للإخوان المسلمين مهمةً أساسيةً هي الإصلاح الشامل الذي يتناول جميع مظاهر ومجالات الحياة والذي يتعاون عليها جميع أبناء الأمة، إنها ليست مهمة جزئية لتحقيق أهداف محددة في بعض النواحي أو المجالات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، كما أنها ليست مهمة محلية أو إقليمية مقصورة على جنس بعينه أو وطن بذاته ولكنها مهمة شملت كل نواحي الحياة على أكمل ما يكون إصلاحًا وسعادة للبشرية كلها.

 

والناظر إلى حال الأمة الإسلامية اليوم يرى واقعًا مريرًا من شيوع الفساد والتردي الاقتصادي والمعيشي لأبناء الأمة، وأيضًا ضعف مناحي التنمية في المجالات المتعددة، والتخلف عن ركب التقدم العلمي والتكنولوجي، كما لم تسلم مجتمعاتنا من الانهيار الاجتماعي والأخلاقي وتفكك الأواصر الأسرية والاجتماعية، وأيضًا لم تسلم مجتمعاتنا من شيوع الاستبداد والقهر والظلم والطغيان؛ مما أدَّى إلى زيادة هذه الجوانب سوءًا وضعفًا وانهيارًا وتفككًا، كل هذا بالإضافة إلى محاولات التغريب وتذويب الهوية الإسلامية بكل الوسائل المباشرة وغير المباشرة.

 

وفي ضوء الرسالة والمهمة المناطة بالإخوان المسلمين، وفي ظل الواقع الحالي للأمة الإسلامية، كل هذا يتطلب من صاحب الدعوة أن يدرك أهمية القيام بدوره في إرشاد المجتمع إلى تعاليم الإسلام وقيمه الصالحة، والتي بدورها تسهم في علاج أمراض هذه الأمة وتعمل على النهوض بمجتمعاتها وشعوبها في ظل تطبيق نظام الإسلام وتعاليمه في شتى المجالات، واتباع أحكام الإسلام ومبادئه القويمة، وتبليغ دعوته الحكيمة للناس مما يسهم في تحرير الأوطان وإصلاح الحكومات وتكوين دولة إسلامية حرة تعمل على إنفاذ أحكام الإسلام وتعاليمه، وهذا يتطلب من صاحب الدعوة العمل المتواصل، والجهاد المضني، والصبر والثبات على الطريق حتى تتحقق هذه الآمال والطموحات، وهذا ليس على الله ببعيد.

 

إن مرتبة إرشاد المجتمع قد حددها الإمام المؤسس حسن البنا رحمه الله بقوله:

(وإرشاد المجتمع، بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة بها دائمًا؛ وذلك واجب كل أخ على حدته، وواجب الجماعة كهيئة عاملة).

 

وهذا يتطلب العمل على عدة محاور أساسية، ولا ينبغي إهمال أي جزء منها بل يجب إحداث التكامل والتوازن بينهما، ويمكن تحديد هذه المحاور بالآتي:-

أولاً: محور الوعظ والإرشاد.

ثانيًا: محور العمل الخيري والخدمي.

ثالثًا: محور العمل الاجتماعي والإنساني.

رابعًا: محور العمل التنموي والأهلي.

أولاً: محور الوعظ والإرشاد: ويشمل هذا المحور جوانب متعددة منها: نشر التعاليم والقيم الإسلامية، تشجيع الفضائل، محاربة الرذائل والمنكرات، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلخ، ومسارات العمل الأساسية لهذا المحور من خلال العمل المسجدي بكل أشكاله وصوره، والعمل الوعظي باعتلاء المنابر والدروس والخطب، والعمل الإعلامي عبر الشبكات العنكبوتية والقنوات الفضائية والصوتيات والمرئيات والإصدارات المتنوعة، والعمل الدعوي الفردي مثل الدعوة الفردية والمواقف الدعوية اليومية... إلخ، وكل هذه المسارات والوسائل الرئيسية تتطلب من صاحب الدعوة أن يدرك حجم المسئولية الملقاة عليه، وعظم الأمانة التي يحملها، وعندئذٍ يكون حاله كما كان عليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما سمع قوله تعالى ﴿قُمْ فَأَنذِرْ (2)﴾ (المدثر) فقام ونهض بأعباء الدعوة لينذر قومه وعشيرته، ولذا فعلى صاحب الدعوة أن ينهض من سباته ليكون حركة دائبة لا تهدأ، ويقوم بدوره في تبليغ دعوته، والعمل على تمكينها وإعزازها في واقع الأمة الإسلامية، وإرشاد البشرية إلى تعاليم الإسلام، وهذا يتطلب منه واجبات عديدة منها:

1- المحافظة على التواجد بالمسجد والمكث به للقيام بدوره في تعليم الناس أمور دينهم.

2- الاهتمام بتحصيل العلوم الشرعية بالقدر الذي يسمح له بالقيام بدوره في وعظ الناس وإرشادهم.

3- التواصل الفعال مع وسائل الإعلام المتنوعة والمشاركة في تقديم الفهم الصحيح والشامل للإسلام.

4- ممارسة الدعوة الفردية وعدم التوقف عنها مع كل الدوائر المحيطة به عبر الوسائل المتنوعة والمبتكرة.

5- القيام بدوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتشجيع الفضائل، ومحاربة الرذائل من خلال المواقف الدعوية اليومية التي يقوم بها صاحب الدعوة سوء كان ذلك في دائرة الجيران أو الأقارب أو المعارف أو الزملاء أو عموم أبناء المجتمع.

 

ثانيًا: محور العمل الخيري والخدمي:

ويشمل هذا المحور جوانب متعددة منها: نشر دعوة الخير فيه، وتقديم النفع العام، والمبادرة إلى فعل الخيرات.. إلخ، ومسارات العمل الأساسية لهذا المحور من خلال الجمعيات الخيرية، والمؤسسات الطبية، والمدارس التعليمية، ولجان الزكاة وكفالة الأيتام.. إلخ.

 

وهذا المحور ينطلق فيه صاحب الدعوة انطلاقًا من التوجيه الرباني لعباده المؤمنين كما في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾ (الحج).. فالله سبحانه وتعالى يأمر المؤمنين أن يفعلوا الخير من منطلق إيماني وتعبدي مما يجعل المؤمن مستشعرًا عظيم الثواب وجزيل الأجر لذلك، وبما يجعل تلك النفوس تمتلئ بجوانب الخير والنفع العام للمجتمع دون نظر إلى وجاهة أو منزلة أو ابتغاء محمدة عند الناس؛ ولذا فعلى صاحب الدعوة أن يقدم النموذج والقدوة العملية في ذلك، وهذا يتطلب من صاحب الدعوة واجبات متعددة منها:-

1- المبادرة إلى فعل الخير دون نظر لحجمه صغيرًا كان أم كبيرًا، ودون نظر لمن يُقدم له الخير لأنه يبتغى ما عند الله عز وجل من أجر وثواب.

2- نشر دعوة الخير في المجتمع وتوجيه أهل الخير والبر للمشاركة الفعالة في مجالاته؛ مما يُسهم في توسيع دائرة الخير داخل المجتمع.

3- تقديم نماذج عملية ومبتكرة تجسد مفهوم الإسلام هو الحل وتطبقه بصورة عملية لا قولية في حل مشكلات المجتمع.

4- السعي في قضاء حوائج الناس من الفقراء والمساكين والأوائل والأيتام في الدوائر المحيطة به وبما تطيقه نفسه.

5- التعاون مع الهيئات والمؤسسات الخيرية والخدمية وتقديم المشورة والنصيحة لها وبذل المستطاع لتحقيق أهدافها النبيلة.

 

ثالثًا: محور الاجتماعي والإنساني:

وهذا المحور يشمل على عدة جوانب منها كسب الرأي العام إلى الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة بها دائمًا، إلخ، ومسارات العمل الرئيسية لهذا المحور من خلال المؤسسات الاجتماعية ومراكز الرعاية الإنسانية. وهذا المحور ينطلق فيه صاحب الدعوة من منظور تعظيم الإسلام للإنسانية كما في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: من الآية 70)، وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: من الآية 13)، فالإسلام دين الرحمة والإنسانية ولنا في مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة في ذلك، ومن هنا وجب على صاحب الدعوة أن يقوم بدوره في الترجمة العملية لمفاهيم الإنسانية والرحمة التي تميز بها ديننا الحنيف، ومن هذه الواجبات المناطة به:

1- الإلمام بالظروف الإنسانية والاجتماعية للدوائر المحيطة به من الشرائح وفئات المجتمع المختلفة، وتحديد أوجه المشاركة المطلوبة منه.

2- المشاركة في المناسبات الاجتماعية والإنسانية للدوائر المحيطة به، ملتزمًا في ذلك بالآداب الإسلامية والأحكام الشرعية.

3- إيجاد وسائل ومنافذ مبتكرة لتحقيق التواصل المجتمعي الفعال بين فئات المجتمع وشرائحه مثل الروابط الاجتماعية أو العائلية... إلخ.

4- توجيه العرف العام المجتمعي للفكرة الإسلامية والالتزام بآداب وأحكام الإسلام فيه.

5- تقديم العون والمساعدة للمؤسسات الاجتماعية المحيطة به بغض النظر عن انتماءاتها أو هويتها وبما يحقق التماسك المجتمعي القوي.

 

رابعًا: محور العمل التنموي والأهلي:

وهذا المحور يشمل على عدة جوانب منها كسب الرأي العام إلى الفكرة الإسلامية، وتشجيع قيم العمل والإنتاج والتقدم والعلم والنهوض بالأمة.. إلخ، وهذا المحور ينطلق منه صاحب الدعوة لتحقيق مفهوم المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ولتحقيق القوة والمنعة التي حث عليها الإسلام كما في قوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الأنفال: من الآية60)، وهذا المحور يتطلب من صاحب الدعوة عدة أمور أساسية منها:

1- الإلمام بمنهج الإسلام في تحقيق جوانب التنمية والتقدم والعلم والتي قامت على أساسها من قبل النهضة الإسلامية التي سادت العالم بأسره.

2- دراسة دقيقة لجوانب التخلف والتأخر لدى مجتمعاتنا- كلٌّ في مجاله- واستخلاص الأولويات والاحتياجات الأساسية المطلوبة أولاً.

3- توعية أبناء المجتمع بأهمية التنمية لمجالات الحياة المختلفة وكيفية توظيف موارد وثروات البلاد في ذلك.

4- الاستفادة من التجارب والنماذج العملية التي تمت في بلاد أخرى، وأسهمت في تحقيق النهوض والتنمية بمجتمعاتها.

5- تقديم المشروعات والأفكار العملية المناسبة للظروف البيئية التي تعيشها الفئات والشرائح المختلفة للمجتمع مما يسهم في تنميتها والنهوض بها.

 

وبعد..

فإن مهمة إرشاد المجتمع ونشر دعوة الخير فيه تحتاج إلى تضافر الجهود والتعاون والتنسيق مع أبناء الأمة في جميع المجالات، وهذا يتطلب من صاحب الدعوة أن يكون على دراية كاملة بالقوى الفاعلة والمؤثرة في مجتمعه وكيفية الاستفادة منها وتوظيفها بما يحقق السعادة والهناء لأبناء المجتمع في ضوء تعاليم الإسلام وأحكامه وقيمه التي بها تتحقق السعادة للبشرية جمعاء.

 

نسأل الله عز وجل أن نكون من أصحاب الهمم العالية في تبليغ دعوة الإسلام عامة للعالمين أجمعين مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء)، وخاصةً للدوائر المحيطة بنا، نموذجًا وعملاً وتطبيقًا.. اللهم آمين.

-----------

* عضو مكتب الإرشاد