خالد سعيد "شهيد الطوارئ" قضية ما زالت تشغل الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي لاعتبارات كثيرة، إنسانية وحقوقية، قانونية ودينية، وربما كانت هي القشة التي ستقصم ظهر البعير الناشز عن قافلة الوطن، ليس لبشاعة الجرم الذي يرتكبه يوميًّا غلاظ القلوب من عناصر الأمن "تكرر الحدث في المنصورة ضد المواطن محمد صلاح 18 سنة سائق "توك توك" بتاريخ 3/7/2010م"، وسرعان ما تسوى الأوراق وتفبرك التقارير والتحريات ليتحول الضحية إلى جانٍ، لكن لأمر آخر هو نجاح البعض في تسويق الجريمة إعلاميًّا وحقوقيًّا، محليًّا ودوليًّا.

 

هنا لم يجد محترفو الكذب والفبركة والتبرير- "تؤكد التقارير أن عدد حالات التعذيب لا يصل منها للعدالة سوى 3% فقط"- بدءًا من التضحية ببعض المعتدين الآثمين تهدئة للرأي العام وتبييضًا للوجه القبيح لهذا النمط من الاعتداء على المصريين الذين وقعوا ضحية الاستبداد والفساد ثم الضرب والإهانة والتعذيب وانتهاءً بالقتل، وفي أي مكان الشوارع وأقسام الشرطة ومقار أمن الدولة وفي السجون.

 

اللافت إلى النظر بل والمسبب للقلق هو توقعات غالبية المتابعين في التعامل مع الجناة، ففي استطلاع للرأي أجراه بعض الموقع الالكترونية شارك فيها ما يقرب من 450 ألف قارئ، رأي 87% من المشاركين أن المسئولين عن مقتل خالد سعيد لن يتعرضوا للعقاب، وأنهم سيفلتون- كالعادة-، بينما رأى 13% فقط أن العدالة ستأخذ مجراها وسينال المجرم عقابه، وهي نسب لا يُبنى عليها دائمًا لكنها مؤشر ومؤشر خطير في مدى ثقة الجماهير في العدالة ليس في القائمين عليها من قضاة ومستشارين؛ فما زال القضاء حصن العدالة الشامخ رغم مظاهر الفساد التي طالت كل مناحي ومؤسسات الدولة، لكن الأزمة تكمن في التقارير المفبركة والمكذوبة والاعترافات التي تمَّ انتزاعها تحت وطأة التعذيب وإخفاء الأدلة بل واختراع أدلة اتهام لم تكن موجودة والإتيان بشهود الزور من محترفي الإجرام والبلطجة.

 

أزمة الثقة في العدالة كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، فهي تهدر حقوق المتقاضين وتسهم في نشر ثقافة قانون الغاب وتعرض مصالح بل وحياة الناس للخطر، وتعظم من وجود فرق البودي جارد والبلطجة- الذراع الأمنية الجديدة التي تظهر في مواسم الانتخابات- والاعتداء على طلاب الجامعات.

 

مؤسسات العدالة محل ثقة، لكنها مكبلة وغير مستقلة بل ومهددة في بعض الأحيان، الواقع أن العلاقة بين الشعب وغالبية عناصر الأمن هي جزء من شبكة العلاقات المصرية المتوترة والسيئة، والجماهير على قناعة أن مثل هؤلاء لا يمثلون إلا أنفسهم، دورهم الوحيد هو حماية رجال المصالح لاعتبارات كثيرة، والواقع يؤكد أننا ننتقل إلى مربعات أكثر سوءًا قد تؤدي اليوم أو غدًا إلى صدام محتوم، عربة الوطن تسير بالقصور الذاتي مفتقدة الحكمة والرشد والهدف، وبالتالي نحن مجبرون إلى مصير لا فكاك منه... حفظك الله يا مصر.