- السيد الغضبان: التغييرات شكلية والتليفزيون يزداد انهيارًا
- د. القاعود: المضمون والرسائل تشوِّه المجتمع المصري
- د. رفيق حبيب: المحظورات والخطوط الحمراء جمَّدته
- د. خالد فهمي: الإعلام الرسمي قطع كل ما يربطنا بقوميتنا
- محسن راضي: التغيير الصحيح يأتي بالتجديد وليس بالهدم
تحقيق- إيمان إسماعيل:
أعلن المهندس أسامة الشيخ رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون أن قناة "النيل الثقافية" سيتم تغيير اسمها إلى قناة "إبداع"؛ على أن يتمَّ إطلاقها عقب انتهاء شهر رمضان المقبل، مبررًا ذلك بسعيهم إلى التطوير والتغيير والتجديد.
ومن قبل تمَّ تغيير أسماء الكثير من القنوات والبرامج الحكومية إلى أسماء جديدة تمامًا، بل إلغاء قنوات فجأة ومسحها من الوجود، مثل قناة "التنوير" التي لم تلبث إلا فترة قليلة جدًّا ولم يعرف أحد سبب الإنشاء أو الإلغاء.
تلك التغييرات أثارت التساؤلات حول مفهوم وأُسس التطوير لدى التليفزيون المصري، وعن هويَّة الأجندة التي يتَّبعها، والتي يسعى من خلال برامجه لتحقيقها، وأين ريادة الإعلام المصري التي كثيرًا ما صدَّع المسئولون رؤسنا بالحديث عنها؟ وهل مفهوم التغيير لدى التليفزيون المصري هو تغيير المسميات فقط، دون الالتفات إلى الأفكار والمحتويات والأوعية؟!
(إخوان أون لاين) استطلع آراء الإعلاميين والمثقفين والأدباء؛ للإجابة عن تلك التساؤلات في هذا التحقيق:
![]() |
|
السيد الغضبان |
ويؤكد أن منظومة التليفزيون المصري بأكملها في حالة انهيار متزايدةٌ يومًا يلي الآخر؛ حيث إنها لا تعبِّر عن قضايا المجتمع واحتياجاته الحقيقية، حتى تقوم بإشباع مشاهديها، بالإضافة إلى وجود التليفزيون المصري تحت وطأة نظام حاكم استبدادي لا يسمح له بتناول الكثير من القضايا؛ نتيجة للخطوط الحمراء التي تحيط به.
ويضيف أن التليفزيون المصري بشكل عام- وعلى رأسه قنوات النيل المتخصصة- أضاع ثقافة المجتمع المصري، وضيَّع هويَّته وزاده ضعفًا ووهنًا، مستنكرًا شكليات التليفزيون المصري الذي يخادع الناس من خلالها بأنه يسعى للتطوير، وفي حقيقة الأمر لا يسعى إلا لخداع الناس وإيهامهم بالتغيير الشكلي.
تشويه المجتمع!
ويوافقه الرأي الكاتب الكبير الدكتور حلمي محمد القاعود أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب جامعة طنطا، قائلاً: إن المجتمع المصري أصبح يعيش- بفضل التليفزيون المصري- في عصر المراوغة، والذي تحتمل تحركاته أكثر من معنى وأكثر من دلالة.
د. حلمي محمد القاعود
ويوضِّح أن التغيير الأخير الذي سيطرأ على قناة "النيل للثقافة" إلى قناة "الإبداع" لن يكون ذا تأثير؛ لأن كليهما لا يعبِّر عن طبيعة الثقافة التي من المفترض أن تكون عليها القناة، مشيرًا إلى أن قنوات التليفزيون المصري كلها مع كل تنوعها واختلاف قنواتها تأخذ اتجاهًا واحدًا فقط، وتكرِّس مجموعةً محددةً مستهدفةً من المفاهيم، غير معبرة بالمرة عن احتياجات المجتمع الأساسية.

ويبدي د. القاعود اندهاشه البالغ من اهتمام التليفزيون المصري بتغيير أسماء برامج وقنوات فقط، دون الالتفات إلى الجوهر من مضامين البرامج الواهية التي تُقدَّم، أو طبيعة الضيوف والشخصيات المعتادة التي يتم ظهورها على شاشتهم.
ويشير إلى أن قناة النيل الثقافية موجهة لفئة ضئيلة جدًّا في مصر، وهي فئة "وسط البلد" أو "باب اللوق"، متسائلاً عن دور القناة مع بقية الفئات من الإسكندرية إلى أسوان، ومن السلوم إلى رفح.
ويؤكد أن قنوات التليفزيون المصري تشوِّه صورة المجتمع المصري من خلال تناولها قضايا وتهميش أخرى، لافتًا النظر إلى أن مصر مليئة بكتَّاب وأُدباء ومثقفين حقيقيين، فضلاً عن امتلاكها موضوعات قيِّمة، تثري الفكر والأدب العربي، إلا أنها تتعمَّد الإعراض عن كل ذلك؛ لتقدِّم نمطًا معينًا يتفق مع أجنتدتها المسيَّسة.
إستراتيجية عقيمة!
ويلفت النظر الباحث الدكتور رفيق حبيب إلى أن كل القنوات المملوكة للدولة تتحرك في مساحة ضيقة جدًّا، تحت الكثير من الخطوط الحمراء، بالإضافة إلى أنه يحيطها أسقف من كل مكان، والكثير من القيود التي تشلُّ حركتها بشكل كامل، وتجعلها غير قادرة على المنافسة حتى لو سعت إلى تغيير اسمها.
د. رفيق حبيب
ويؤكد أن سياسات التليفزيون المصري عقيمة تقوم على المحظورات والممنوعات، وكل قنواته ومضامينه ورسائله واحدة، مهما تغيَّرت ألوان مقدمي البرامج أو تغيَّرت ديكوراته؛ حيث يحكمه نظام حاكم استبدادي واحد، غير مهتمّ ببناء قاعدة شعبيه له من غيره، وغير مهتمّ بمدى جودة ما يقدمه.

ويرى أن كل قنوات التليفزيون المصري لا تحمل رؤى، ولا تهمُّ الناس، وتقتصر على فكر واحد، ووجهات نظر واحدة، وترفض إظهار المعارضين وتقديم الآراء المخالفة لها، بل إنها تعمل على إقناع كل الناس برؤيتها، مشيرًا إلى أن ذلك هو الذي لم يخلق لها شعبية وجماهيرية في المجتمع؛ نتيجة فقدانها المصداقية.
ويستنكر د. رفيق حبيب أن قناة تدَّعي أنها ثقافية ونافذة للمجتمع المصري، تقوم بتجاهل ذِكر أو حتى الإلماح بأن هناك ما يسمى بتيار إسلامي ضخم في مصر، متغلغل في المجتمع، ومؤثر على ثقافته بشكل كبير، مؤكدًا أن ذلك هو سبب انعدام مصداقية كل قنوات المجتمع المصري.
ويوضح أن الحكومة تدرك جيدًا فقدانها تلك المصداقية، وتدرك أنها ليست ذات قاعدة جماهيرية كبيرة، ولكنها تدرك أيضًا أنها إذا ما غامرت وسعت نحو إصلاح حقيقي، فإنها ستكون الضحية؛ لأن الإصلاح سيكشف فساد الحكومة، ومن ثمَّ ستُسهم في تكثيف جبهة المعارضة ضدها.
طمس النسيج الاجتماعي!
د. خالد فهمي
ويتساءل الناقد الدكتور خالد فهمي الأستاذ بكلية الآداب جامعة طنطا: أين الانفتاح والحرية التي ينادي بهما التليفزيون المصري؟!

ويضيف أن أهم سمات التليفزيون المصري هي البعد عن كل ما هو دالٌّ على هويتنا الحقيقية، والتبرؤ من الإسلام وكل ما له صلة به، والتنازل المُطلق عن كل ما يربطنا بخصوصيتنا القومية؛ وذلك نتيجة للفكر العلماني المسيطر على كافة المنافذ الإعلامية التي تتحدث باسم الحكومة.
ويضرب مثلاً على ذلك بالتغيير الذي سيطرأ على قناة "النيل الثقافية"، قائلاً: إن اختيار العناوين من المفترض أن تحكمه فلسفه محددة، لأن كل عنوان يحكمه مضمون محدد، والأنظمة المحترمة ترى أن أعيادها جزءٌ من الشخصية القومية، وجزءٌ من هويتها القومية، فلا تفرِّط فيها أبدًّا.
ويضيف أن الاسم الجديد الذي سيطرأ على قناة "النيل الثقافية" هو "الإبداع"، يتنازل عن اسم قديم يدل على هويتنا، ويسمِّي مسمى جديدًا مغلوطًا؛ حيث إنه ليست هناك قناة خالصة للإبداع بمعناها الاصطلاحي؛ لما يعنيه الإبداع من "خلق نموذج مبهر ليس له مثيل سابق" وإن لم يحدث ذلك، ولم ينطبق العنوان على المضمون، فيعتبر سرقه، ويعتبر من هو قائم عليها لصًّا يجب أن يُحاسب!.
ويستنكر أداء التليفزيون المصري المتخاذل في المحافظة على الارتقاء بحالة الثقافة المصرية، مرجعًا ذلك إلى أن المسيطرين على المجالات الثقافية هم من تيار ثقافي واحد، يرفض أي تنوُّع يثري المجتمع.
ويشير إلى أن قنوات الدولة ظلمت نفسها؛ لأنها لا تحافظ على النسيج الاجتماعي للمجتمع، متسائلاً: لماذا لا تستضيف الشيخ القرضاوي أو الدكتور أحمد كمال أبو المجد؛ اللذين لهما قبول وحجم مشاهدة عالٍ جدًّا في المجتمع، وعلى النقيض تستضيف شخصيات مغمورةً ليس لها أي ثقل في المجتمع.
حكر على البعض!
ويرى أن هناك أسسًا للتطوير من المفترض أن يتبعها التلفزيون المصري وسط "هوجة" تغيير الأسماء التي تجتاحه، لا بد أن يتمَّ الالتفات إليها؛ منها تنوع البرامج، وتعدُّد أشكالها، وأنماطها ولغاتها؛ حتى تصل إلى كل الأنماط والأوساط من شباب وشيوخ، ويسار ومسلمين، ومرأة ورجل، مستنكرًا أن كل القضايا التي يثيرها التليفزيون المصري الخاصة بالمرأة هي قضية الختان، والتي يتم إثارتها بحمية غربية، على الرغم من أنها لا تمس إلا شريحةً ضئيلةً؛ تبنيًا لقائمة الغرب التي تبغي إفساد مجتمعاتنا، وفي المقابل يتم تغييب قضايا جوهرية حقيقية.
ويشدِّد على ضرورة السعي الحثيث لتثبيت العناصر الأصلية في الشعب المصري، من خلال النوافذ الإعلامية، بالإضافة إلى العمل على الارتقاء بالمستوى الفكري والثقافي خطوةً بخطوة، واتجاه المعلومات، مع ضرورة السعي نحو المعالجة الجديدة للقضايا، مشيرًا إلى أن التلفزيون المصري في غفلة عن تلك النقاط أو يتعمَّد تغافلهم.
ويتساءل مستنكرًا عن دافع التليفزيون المصري وراء تغيُّب مفكِّري مصر الحقيقيين، ويشهد العالم أن مصر تحوي العديد من المفكرين الذين أثَّروا في المجتمع بشكل كبير، إلا أنه اكتفى بإظهار عدد محدود منهم، وأصبحوا حكرًا له دون غيرهم، مستنكرًا حرمان المجتمع المصري من عطاء الكثيرين من هؤلاء الأعلام.
ويلفت النظر إلى أن التلفزيون المصري اكتفى بتكرار الضيوف على كل قنواته، وتفرَّغ لدفع الأموال الطائلة لتجديد ديكوراته، دون الالتفات إلى جوهر ومضمون ما يقدمه؛ ما دفع بالمصريين نحو مزيد من التدهور والتخلُّف.
جريمة!
محسن راضي
ويرى النائب محسن راضي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشعب، أن تغيير أسماء القنوات والبرامج جريمةٌ؛ لما يحمله الاسم من تاريخ، وتغيير الاسم معناه اختلاف كامل، متسائلاً: هل يوجد شخص يغيِّر اسمه بدعوى التغيير؟! وهل الأفضل أن يُمسح الاسم من الوجود أم أنه يبنى على ما أقامه أسلافه حتى لو كان ضئيلاً؟!

ويضيف: إن طمس الاسم القديم لا يدل إلا على أن يكون القائمون على القناة قد اكتشفوا أن أداء القناة السابق مخزٍ و"عار"، فودُّوا أن يتخلَّص التلفزيون المصري مما سبق بأي شكل كان.
ويؤكد أن مضامين التليفزيون المصري تسير من سيئ إلى أسوأ؛ حيث إن التغيرات التي تطرأ عليه لا تمس القواعد والنصوص والثغرات والفجوات الحقيقية التي تُسيطر عليه، من تطوير أسلوب التناول أو تغيير الضيوف أو تطوير المواد العلمية التي بداخله.
ويضيف أن اسم "الإبداع" صفة للإعلام؛ حيث يمكن وجوده في المغرب وفي الأردن وفي مصر، أمَّا "النيل" فاسم يصف منطقةً معينةً تخصُّ مصر بشكل أكبر، فلا يمكن أن يطلقها بلد مثل المغرب على نفسه؛ ما يدل على أن ما هو جيد في قنوات التلفزيون المصري- إن وجد من الأساس- يتم طمسه وإلغاؤه مستقبلاً.
ويوضح أن محاولات التلفزيون المصري المتكررة تهدف فقط إلى تغيير المسميات والديكورات وخلافه من التغيرات الشكلية التي لا تهدف من وراءها سوى خداع الرأي العام، بأن التلفزيون المصري يقوم بالتطوير والتغيير، وحتى لا يخرج من المنافسة شكلاً وموضوعًا!.
