كثُر الحديث في العقود المتأخرة عن "التنوير" وعن "الظلامية" وغيرهما من المصطلحات التي تشغل الساحة الفكرية والثقافية.. وهي مصطلحات قد تحمل عكس المعاني المتبادرة.. أو الظاهرة أو المفهومة من دلالاتها السريعة أو السطحية.

 

و"التنوير" كلمة مشتقَّة من "النور" وهي مقابلة "للظلام"، وفي ذلك إيحاء وإيهام بأن هذا النور إنما جاء ليبدِّد الظلام.. وأن "التنويريين" إنما هم البديل الطبيعي الحقيقي لـ"الظلاميين" فإذا ما تعمَّقنا أكثر وأكثر في الدلالات.. لوجدنا أن القضية يتم تصويرها كالآتي:

 

1- أن الإسلام الذي حكم حياة المسلمين منذ أن جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وورثه المسلمون جيلاً بعد جيل.. إلى أيامنا هذه.. هذا الإسلام له أصول وثوابت لا تتبدل ولا تتغير، وهو يحكم حياة المسلمين في أصولها العامة وإطارها الكبير.. وأنه جاء بما يشتمل على شئون الحياة فهو يشتمل على كل شأن من شئونها، ويفتي في كل شأن كذلك.. وهو يشتمل على مناحي الإصلاح في حياة الناس.. فهو دين ودولة ومصحف وسيف وعبادة وقيادة وعلم وقضاء وثقافة وقانون، وهو عبادة صحيحة وعقيدة سليمة سواء بسواء.

 

2- هذا الإسلام بهذه الصورة الشاملة التي تُعنى بالأحكام العامة والقضايا الكلية، أمَّا التفاصيل أو الفروع فمتروكة للفقهاء وأصحاب الرأي في كل عصر وزمن.. يدْلون فيها بدلوهم ويتناولونها بالبحث والدراسة بما لا يصطدم بقاعدة شرعية أو نصٍّ من نصوص الكتاب والسنة.

 

ثمَّ إن الإسلام لا يقف في سبيل التطور ويأخذ بالنافع الصالح للناس.. ويرتقي بالحياة من السيئ إلى الحسن ومن الحسن إلى الأحسن، ويُحثُّ الناس على أن يُحسنوا العمل ويبلغوا به درجة الإتقان والإحكام.. ويجعل ذلك فريضةً دينيةً مكتوبةً عليهم فقال صلى الله عليه وسلم "إن الله كتب الإحسان على كل شيء.. فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة"، والإحسان: هو الإتقان الذي يحبه الله فهو تعالى يحب المحسنين، ويحب من أحدنا إذا عمل عملاً أن يتقنه.

 

هذه المعاني وغيرها التي أشرنا إليها من ركائز الإسلام وأصوله.. والتي هي أساس ترقِّي الحياة البشرية وسموِّها ورفعتها.. والتي أنتجت من قبل "خير أمة أخرجت للناس"، كما أثمرت نموًا وتوسعًا حضاريًّا في كل مجال من مجالات الحياة.. أفاضت علمًا ونورًا وحضارةً وتقدمًا على أوروبا وقت أن كانت في دياجير ظلامها.

 

هذا الإسلام.. والدعوة إليه.. وجعله مشروعًا نهضويًّا لاستنقاذ الأمة؛ يتعرَّض الآن لحملة شرسة تستهدف إبعاده عن مجال الحياة.. وتعزله في ركن ناءٍ هناك في المسجد.. بعيدًا عن حياة الناس ومشاكلهم وقضاياهم.

 

ومن هنا وجدنا الذين يدَّعون أنهم أهل التنوير يهاجمون كل من يمت إلى الإسلام بصلة.. بل ويخلعون عليهم صفات الجهل والظلام والبداوة والصحراوية.

 

وهم في حقيقة الأمر هم بعينهم.. أهل ظلام.. وتخبط وجهل.. وهم لا يفهمون الإسلام.. فهمًا صحيحًا.. ولا ينزلون على مقتضاه نزول المحبِّ المطيع لله ولرسوله ولشرعه.. وهم في قلوبهم مرض.. وهم قد تتلمذوا على أفكار المستشرقين والعَلمانيين والزنادقة والملحدين.. ويرددون دعاواهم ويحملون أفكارهم.. ولا يحبُّون أن تقوم للإسلام قائمةً.. فهم في هلع وخوف أن يحكم الإسلام حياة المسلمين بل حياة البشر جميعًا.. بما يستتبعه ذلك من خير وأمن وأمان.. تتلاشى أمامه مطامح الطغاة.. ومصالح أهل التجبُّر والتكبُّر والفساد.

 

إذًا اصطلاح "التنوير" يحمل عكس مضمونه تمامًا.. إذًا ما أريد منه مزاحمة الإسلام وإبعاد الناس عن التمتع بالحياة في ظلاله الوارفة وسلامه الأعم الأشمل.. فهم بذلك يبعدون الإسلام عن إدارة شئون المسلمين وحل مشاكلهم وقضاياهم وفق شرعه ومنهجه.. وهل يعتبر هذا "تنويرًا" أم هو "ظلاميةً" في الحقيقة والواقع؟!!

 

إشراق.. أم تنوير؟!

تحت هذا العنوان كتب الدكتور محمد عبد الفضيل القوصي عضو مجمع البحوث الإسلامية ونائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق.. كتب في جريدة (الأهرام) بتاريخ 17 يوليو 2010م.
وأوضح فضيلته أنه لا يهدف إلى المقارنة بين لفظ ولفظ ولا إلى المفاضلة بين مصطلح ومصطلح، إنما يهدف إلى إبراز الفجوة الهائلة بين مفهومين متعاكسين واتجاهين بينهما بعد المشرقين!!.

 

فهو في الوقت الذي يشيد فيه بمفهوم الإشراق الذي يمثِّل تجسيدًا حيًّا بين ما يحمله الإسلام من نور "النقل" وضياء "العقل" وقبس "البصيرة" وطاقة "الوجدان"، كما يشحذ عقول الأمة، ويستحث إرادتها حين تفتر منها الهمة، أو يصيبها التخلُّف والغفلة.. حينئذٍ يتحوَّل "الإشراق" إلى "إحياء" لما يتيبَّس من العروق أو ينضب من "العزائم".

 

ثم نراه يتكلَّم عن "التنوير" بأنه يؤسِّس لقطيعة معرفية من المعارف السابقة عليه؛ سعيًا لإحلال العقل بديلاً عن النقل، كما أن المفهوم يسعى بكل دأب إلى "تذويب" كل ما يميز الدين من خصائص ثابتة ومن معالم وتضاريس فارقة؛ لكي يضحى الدين فضاءً قابلاً لكل تفسير لا يتأبَّى ولا يستعصم.. ثم يتحوَّل إلى "نصائح" عامة غائمة هائمة لا يفترق فيها دين عن دين.. ولا ملة عن ملة.. ويذهب الكاتب الجليل إلى أن سدنة التنوير يسعون إلى التغافل عما يتمايز به الإسلام عن الآخر المختلف.. إذ التمايز عندهم في زعمهم تشرذم.. والتعدد فتنة..

 

المناعة الذاتية دعوة للعداء وترويج للتطرف وواجهة له!!، وهذا من الكاتب فهم دقيق ويصيب كبد الحقيقة.

 

ويضيف الكاتب الكريم إلى ما تقدَّم من فوارق بين المصطلحين أن "الإشراق" يتلمَّس السبيل إلى المستقبل، مستضيئًا بمصابيح الهدى الإلهية المصدر.. أمَّا "التنوير" فيهشِّم تلك المصابيح تهشيمًا.. ويستأنف البحث عن المستقبل من جديد، وكأن لم يكن في ماضي الأمة إلا العدم والخواء.

 

شتان- كما يقول- بين "إشراق يستعمل العقل والتجربة ويستند إلى النص الثابت؛ حيث يجب الاستهداء بالنص.. وبين "تنوير" يجافي النص ويبتعد عنه حتى يصبح العقل وحده هو الملجأ والملاذ.

 

و"الإشراق" يستمسك فيه المسلم بما يميزه عمن عداه.. ويستعصم بما يحدد معالم هويته الإسلامية دون أن يصده ذلك عن معاملة المختلفين معه دينيًّا، وعقيدة بالعدل والإنصاف والبر والقسط... أمَّا "التنوير" فيطمح إلى أن تذهب معالم الهوية.. وأن تُمسخ كل جوانب المنعة الذاتية إلى غير رجعة!!.

 

ويذهب الكاتب أكثر من ذلك في المقارنة بين "الإشراق" و"التنوير"، فيقول: شتان بين "إشراق" يطمح إلى أن يتعايش المسلم المستمسك بأصول عقيدته مع المختلفين معه في العقائد تحت ظل وطن واحد، يتساوون تحت سمائه حقًّا وواجبًا وأملاً وألمًا.. وبين "تنوير" يرى أنه لا تعايش إلا حين تذوب الهوية وتنمحي الذاتية ويزول التعدد وينتفي التمايز.

 

الآثار المدمرة للعولمة

ويذهب الكاتب النابه إلى أن العولمة تستهدف نفس ما يريده أهل "التنوير" المزعوم لأسباب شتَّى.. وتجعل الأنماط الثقافية المتعددة نمطًا واحدًا.. وأن تصهرها في بوتقة القرية العالمية الواحدة.. فإذا هي تُفاجأ بما ليس في الحسبان.. وإذا هي أمام الإثنيات (العرقيات) التي كانت نائمة وهاجعة في ركن بعيد من الذاكرة البشرية.. وقد استيقظت من سباتها.. فتناثرت الكيانات العظمى، واصطلى العالم بصراع ملتهب لا يهدأ له أوار.. إنهم يصدون الفطرة ويحاربون التعدد والاختلاف المحمود لا المكروه ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود).

 

والأمة الإسلامية لها مقوماتها الذاتية ومنهجها المتفرد.. ووسائلها في الحياة المنبثقة من هذا المنهج.. ويتخبط سدنة "التنوير" حين يخلطون بين الاستمساك بأهداب العقيدة وثبات المقومات الدينية للمسلم في العقل الجمعي للأمة.. وبين التعصُّب والتطرُّف والعداء والتأزُّم والاحتقان والعنف.. وينسون في غفلة سادرة عن أن التعصب والتطرف ظاهرة متعددة الأعماق متشعبة الأسباب.. وينسون أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن تفسيرها على وجهها الصحيح.. إلا بتحليل جميع عناصرها التي تفاعلت؛ لكي تنتجها.. انظر!! حتى أبسط القضايا الاجتماعية ينسون تفاعلاتها بسبب الحقد على الإسلام والرغبة في انصراف المسلمين عن منهجهم وعقيدتهم ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ (البقرة).

 

وينهي الدكتور "القوصي" مقاله القيم.. فينعى على سدنة "التنوير" أن تعالج الأمة الإسلامية مشكلاتها وتتخلص من أثقالها باستنساخ الحل الأوروبي الغربي المسيحي ذاته.. فتستعير نفس مقولاته وترتدي نفس لباسه.. وتخوض نفس معاركه تحت أردية "التنوير" البرَّاقة الخادَّعة.

 

ويختم مقاله.. بتقرير ما انتهى إليه العلامة ابن خلدون في مقدمته المشهورة.. "أن المغلوب مولع بتقليد الغالب والسير في ركابه والنسج على منواله.. أليس كذلك؟!!

والله المستعان..