بسبب طبيعة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، رسمت الحركة الإسلامية لنفسها مسارًا يمكّنها من مواجهة تلك التحديات، ولكنه لا يتيح النصر السريع، بقدر ما يتيح النصر المؤجل.

 

فواقع الأمة الإسلامية، يشهد هيمنة داخلية من النظم الحاكمة على أوطان الأمة، تمثل نوعًا من الاستعمار الداخلي، الذي يمنع مجتمعات الأمة من تحديد اختياراتها السياسية، ويمنعها من اختيار مرجعيتها، كما يمنعها من اختيار حاكمها وممثليها.

 

يضاف لذلك الهيمنة الغربية والتي تمثل الاستعمار الخارجي، وتتحالف مع الاستعمار المحلي وتدعمه، وتتيح له الهيمنة على مقدرات أوطان الأمة.

 

وتقوم النظم السياسية الحاكمة بخدمة المصالح الغربية في المنطقة، وتكرس الأوضاع التي تسمح باستمرار الهيمنة الغربية.

 

وتعتمد الهيمنة الخارجية على تفكيك الأمة إلى دول قطرية، تُعلي من العلمانية والقومية، حتى تمنع نمو الهوية التاريخية الحضارية للأمة، وتمنع توحد الأمة الإسلامية، ومن خلال عملية تغريب واسع النطاق، وعلمنة عميقة، يتم إخراج الأمة من هويتها؛ لتكريس هيمنة الطبقات الحاكمة، والهيمنة الغربية.

 

وأمام هذه التحديات، سلكت الحركة الإسلامية مسارًا مختلفًا، فبدأت تعمل من أسفل، أي من إصلاح الأمة أولاً، قبل أن تفكر في إصلاح النظم السياسية، وبهذا أصبحنا أمام مسار للعلمنة من أعلى ومسار للإسلامية من أسفل.

 

في هذه المواجهة بنت جماعة الإخوان المسلمين إستراتيجيتها لمواجهة التحديات التي تواجه الأمة منذ تأسيسها، وحدد الإمام حسن البنا تلك الإستراتيجية في خطوات متدرجة تبدأ بتكوين الجماعة ثم نشر رؤيتها وتعريف الناس بها، ثم دعوتهم وإصلاح حال المجتمع، حتى يبني المجتمع الإسلامي كخطوة أولى، قبل تغيير الأحوال السياسية.

 

بهذا تأسست عملية البناء من أسفل، في مواجهة التعدي من أعلى، ولأن مسار التعدي من أعلى، يأخذ وقتًا حتى يصل إلى تمزيق الهوية في قاعدة المجتمع، فكان البناء من أسفل يبني القاعدة على أسس الهوية الحضارية للأمة، ويمنع التعدي من أعلى من التسرب إلى قاعدة المجتمع.

 

والناظر إلى تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في مصر وفي العديد من البلاد العربية والإسلامية، يجد أنها استطاعت صد التغريب والعلمنة القادمة من أعلى النظام السياسي، بتحصين القاعدة ضد التغريب والعلمنة.

 

وعندما كانت حركة الجماعة تتراجع بفعل طغيان النظام السياسي، كما حدث في العهد الناصري، كانت عملية العلمنة والتغريب تتمدد بسرعة في المجتمع، وعندما عادت الجماعة مع غيرها من الحركات الإسلامية في ممارسة نشاطها، أصبحت قادرةً مرةً أخرى لتحصين قاعدة المجتمع، ورد عملية التغريب والعلمنة.

 

الحصار المتبادل

الملاحظ من المواجهة بين المشروع الإسلامي والمشروع التغريبي العلماني، أن النظم السياسية الحاكمة تحاول حصار جماعة الإخوان المسلمين بكل السبل، حتى لا تصل إلى البناء الفوقي الرسمي، أي بناء النظام السياسي. ولكن جماعة الإخوان المسلمين، تقوم بعملية حصار مضاد تجاه النظم الحاكمة، بأن تعزل تلك النظم عن القاعدة الجماهيرية، وتحاصرها بالجماهير، حتى تبقى نظامًا رسميًّا فوقيًّا، ليس له قاعدة جماهيرية.

 

وبهذا تتم عملية الحصار المتبادل بين الطرفين، فإستراتيجية جماعة الإخوان تتأسس على بناء القاعدة السليمة أولاً، والنظم الحاكمة لا تستطيع منع تمدد الجماعة بين الجماهير، كما لا تستطيع منع انتشار فكرتها بين الناس؛ لذا يتمدد المشروع الإسلامي في قاعدة المجتمع، وشرائحه المختلفة، حتى يصبح مشروعًا جماهيريًّا، مما يدفع النظم الحاكمة إلى حماية نفسها وحماية مقاعد السلطة من هذا التمدد ومنع الحركة الإسلامية عامةً، وجماعة الإخوان المسلمين خاصةً من التمدد داخل النظام السياسي.

 

وعليه يصبح النظام الحاكم محاصرًا داخل المجال السياسي، وتصبح جماعة الإخوان المسلمين محاصرة داخل المجال الاجتماعي، وكلما تمددت في المجال السياسي، زادت الضغوط التي تتعرض لها.

 

وتتشكل منطقة المواجهة في المساحة الفاصلة بين الاجتماعي والسياسي في المجال العام، فالمجال العام يشمل النظامَين السياسي الاجتماعي معًا، ويشمل هوية المجتمع كما يشمل هوية الدولة والنظام السياسي؛ لذا نلاحظ أن المجال العام يشهد ازدواجيةً واضحةً؛ حيث يظهر المجتمع إسلاميًّا والدولة علمانية، وتظهر جماعة الإخوان المسلمين جزءًا لا يتجزأ من مجتمع إسلامي الهوية، ويظهر النظام الحاكم جزءًا من منظومة علمانية مستبدة.

 

لقد فشل النظام السياسي في مختلف الدول العربية والإسلامية في مواجهة تلك الإستراتيجية، فهي إستراتيجية التمدد الاجتماعي من أسفل، والتي تؤدي إلى إبراز هوية المجتمع في المجال العام، وحضور هوية المجتمع المختلفة عن هوية الدولة والنظام السياسي، وفشل النظام السياسي في نشر هويته في الفضاء العام خارج نطاق المجال السياسي الرسمي، حتى باتت هوية النظام محاصرةً في البناء الفوقي الرسمي، ويظهر تعارضها مع هوية المجتمع واضحًا.

 

ولم تستطع النظم السياسية الحاكمة إيجاد حل لتلك المعضلة، أكثر من اهتمامها في كثير من المواقف بإظهار تبنيها للهوية السائدة شكليًّا، فبات النظام السياسي يخشى من هويته العلمانية، ويخشى من المجاهرة بتلك الهوية، فأصبح محاصرًا بالرأي العام المخالف له، حتى بات خطابه أحيانًا بلا هوية محددة؛ خوفًا من انكشاف هويته العلمانية بصورة فجَّة أمام الجماهير، مما قد يترتب عليه خروج واسع للجماهير عليه.

 

الحضور السياسي للإخوان

الحاصل في مصر، أن الحضور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، ورفعها لشعار الإسلام هو الحل، مثَّل مأزقًا شديدًا للنظام الحاكم، فقد أرادت الجماعة التوسع في عملها السياسي والدعوي من خلال المشاركة في الانتخابات البرلمانية، وغيرها من الانتخابات، واعتبرت ذلك جزءًا مهمًّا من أدوات نشر فكرتها بين الناس، ولكن هذا العمل أدَّى إلى تمدد الحالة الإسلامية إلى مجال العمل السياسي، بما يعني أن الجماعة بدأت تخترق الحصار المضروب على المجال السياسي من قِبل النظام الحاكم، حتى تجعل للفكرة الإسلامية حضورًا في المجال العام بكل جوانبه بما فيه الجانب السياسي.

 

ولكن النظام وجد أن هذا التمدد ينذر بخطر بالنسبة له، حيث يعني أن المشروع الإسلامي يمكن أن يخرج من حالة الحصار المضروب عليه، ويتمدد في البناء الفوقي الرسمي، بعد أن تمدد في البنية الاجتماعية القاعدية؛ مما يُسمح له بعد ذلك بتغيير قواعد النظام السياسي، واستكمال مشروعه في بناء الدولة الإسلامية، أي الدولة المستندة للمرجعية الإسلامية، وفي المقابل فإن جماعة الإخوان المسلمين استخدمت أسلوب الضغط المتدرج، حتى تقلل من الحصار الذي تتعرض له، وتتحرك في كل مساحة ممكنة، وتدفع لتحجيم مساحة الحصار المضروب عليها.

 

لذا بدأ النظام الحاكم في شنِّ حربٍ على الجماعة وشعارها، وأراد تشويه صورة الجماعة وفصلها عن الإسلام، واعتبار شعارها يمثل خلطًا بين الدين والسياسة، وهنا تورَّط النظام، لأنه أصبح يبدو علمانيًّا أكثر فأكثر، وأصبح يحاول الفصل بين الدين والدولة، مما جعل سلوكه يفضح علمانيته، ولكن النظام الحاكم أدرك أن التساهل مع التمدد الإسلامي في المجال السياسي يعني نهاية النظام الحاكم نفسه، وخروج الطبقة الحاكمة من الحكم.

 

وظهر جليًّا أن النظام يحاول منع جماعة الإخوان المسلمين من تحقيق نصر يؤدي إلى تغيير طبيعة نظام الحكم، وأنه يعمل على تقليل حجم الانتصارات التي تحققها الجماعة، ويحاول إفساد بعض ما تحققه من انتشار، حتى يحاصرها في حيز من الوجود الاجتماعي، الذي لم يعد يقدر على مواجهته، رغم أنه مؤثر.

 

ولكن الجماعة اعتمدت أسلوبًا في المقابل، حيث تركز على أهمية التمدد المستمر، أيًّا كانت درجة التمدد، حتى تستطيع تحصيل قدر مستمر من الإنجاز والتقدم إلى الأمام، وحتى تستطيع بناء قاعدة جماهيرية لا يمكن كسرها أو تجاوزها، وفي نفس الوقت تستطيع تحريك هذه القاعدة في المجال السياسي.

 

الضغط المتبادل

الملاحظ أن الضغط الحادث ليس من طرف النظام الحاكم على جماعة الإخوان المسلمين فقط، بل هناك ضغط آخر من جانب جماعة الإخوان المسلمين على النظام، فالنظام يستخدم الضغط الأمني على جماعة الإخوان المسلمين، من خلال الاعتقالات ومصادرة الأموال وقطع الأرزاق وغيرها، أما جماعة الإخوان المسلمين فتستخدم الضغط الشعبي على النظام، حيث أصبحت تمثل كتلةً اجتماعيةً متحركةً تنتشر كل يوم في مساحات جديدة، وتدخل فيها شرائح متعددة، وتصل إلى أبواب النظام السياسي الحاكم، وإلى أبواب الطبقة الحاكمة نفسها، بصورة تجعل النظام محاصرًا شعبيًّا، والجماعة محاصرة أمنيًّا.

 

والنظام يحاول حماية نفسه بتمديد عملية العلمنة في المجتمع حتى يوقف التوسع الإسلامي فيه، ولكن الجماعة في المقابل تصد عملية العلمنة بتعميق إسلامية المجتمع، وتصبح إسلامية المجتمع في حد ذاتها، دليلاً على فشل النظام السياسي الحاكم، وأيضًا دليلاً على غربة النظام السياسي وهويته عن المجتمع وهويته.

 

ويعاني النظام السياسي الحاكم من صعوبة نشر العلمنة والحداثة الغربية، وتعاني معه النخب العلمانية المتحالفة معه، والتي تنشر فكرًا ليس له أرضية، ويتعارض مع فكر المجتمع وهويته.

 

وتبدأ معركة المصطلحات بين النظام ونخبه والحركات الإسلامية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، فالعلمانية تحتاج إلى ساتر من التدليس اللغوي حتى يمكن نشرها، ولكن الإسلامية تنشر بلغتها الصحيحة؛ لذا يحاول النظام ونخبه بث مصطلحات تشوّه الفكرة الإسلامية، أو ترسم لها صورة متطرفة.

 

والمعركة هنا ليست بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين مباشرةً، بل هي معركة على مساحة من الجماهير، فالجماهير التي تنتمي للفكرة الإسلامية تضغط على هوية النظام العلماني المستبد، والنظام يحاول تخفيف الضغط عليه، بنشر رؤى تساعد على علمنة جزء من الجماهير، أو على الأقل تشوّه رؤيتهم، وتجعلهم غير قادرين على التمييز بدقة بين الفكرة الإسلامية والفكرة العلمانية.

 

المعركة الأخيرة

يتصرف النظام الحاكم بصورة تؤكد أنه يريد منع جماعة الإخوان المسلمين من الوصول إلى السلطة، ويعتبر وصولها للسلطة هو الانتصار الأخير والكامل لها، ويعتبر ذلك نهايةً للنظام الحاكم ونهايةً لكل الطبقة الحاكمة؛ لذا يعمل النظام الحاكم على منع جماعة الإخوان المسلمين من الوصول إلى السلطة، ولكن الجماعة تواجه ذلك بإستراتيجية النصر المؤجل، فهي لا تعمل من أجل الوصول إلى السلطة، بل تبعد نفسها أحيانًا من احتمال حدوث ذلك، من خلال إصرارها على المشاركة بنسب محدودة في الانتخابات، فهي لا تريد أن تصل إلى السلطة إلا في ظروف مناسبة، لذا تؤجل ذلك، وهي بهذا تؤجل النصر الذي يحاول النظام منعها من الوصول له.

 

تلك هي المفارقة، فالنظام يعمل من أجل النصر العاجل، أي بقائه في السلطة، والجماعة تعمل من أجل النصر المؤجل، أي تحقيق مشروعها في المستقبل، والجماعة لا تعتبر وصولها إلى السلطة هو النصر، ولكن تعتبر قيام الدولة المستندة على المرجعية الإسلامية هو النصر، حتى وإن لم تصل الجماعة للسلطة، ووصلت نخبة أخرى تؤيد مشروع الجماعة وتؤيدها الجماعة.

 

والنظام الحاكم يُركِّز على منع الجماعة من الوصول إلى السلطة، أما الجماعة فتركز على توفير الشروط اللازمة لقيام المشروع الإسلامي في المجال السياسي، وتأسيس الدولة على المرجعية الإسلامية؛ لذا فكل منهما يقف على نفس خط المواجهة، أي الخط الفاصل بين المجتمع الإسلامي الهوية والنظام العلماني القومي الهوية، ولكن كل منهما يفهم النصر بصورة مختلفة؛ لذا فكل منهما يحاول تحقيق أهدافه بصورة مختلفة.

 

فالنظام يحاول تحقيق النصر العاجل، ويمنع الجماعة من الوصول للسلطة، أما الجماعة فتريد البعد عن النصر العاجل، وتريد تحقيق النصر الآجل، بأن تجعل الظروف والعوامل مهيأة ومناسبة لإقامة المشروع الإسلامي سياسيًّا، وبالتالي تجعل الظروف المحيطة بالنظام الحاكم غير مناسبة لبقائه، فيصبح رحيله ممكنًا أو ربما حتميًّا، ويصبح قيام البديل الإسلامي ممكنًا أو ربما حتميًّا.