![]() |
|
د. حسن يوسف الشريف |
وحينما ندقق النظر في صفات هذه الفئة نجد منها "أنها تعبد صنم مصلحة الذات الفردية, وتكفر بمصلحة الذات الجماعية"، ومنها "أنها تعتمد على القول دون العمل"، ومنها "أنها ضعيفة الرأي؛ لأنها لا تُحْسِن التفكير"، هذه الفئة التي لا تُحسن التفكير هي خطر على الأمة وعلى نفسها؛ لأنه يسهل تضليلها فتعمل ضد مصالحها وضد مصالح الأمة، وقد يؤيدون ويحمون نظامًا لا يعمل للصالح العام، بل يعمل لمصالحه الشخصية على حساب مصلحة الأمة, يقول البروفيسور هربرت شيللر عن الإعلام الأمريكي في كتاب (المتلاعبون بالعقول): "يضمن المضللون التأييد الشعبي لنظام اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية"، ويقول أيضًا: "فقد تمثلت العبقرية المرعبة للنخبة السياسية الأمريكية في قدرتها على إقناع الشعب بالتصويت ضد أكثر مصالحه أهمية".
وعندما تكون الغالبية في أي أمة من هؤلاء الذين لا يحسنون التفكير, والذين يسهل تضليلهم عن الحقيقة تكون حياة الأمة في خطر, والخطر الأكبر يكون حين يصل هؤلاء إلى مراكز القيادة؛ حيث يتضاعف خطرهم؛ لأنهم سيحرصون على تدعيم تواجدهم القيادي بأمثالهم ممن لا يُحسنون التفكير في مصالح الأمة، ولا يهمهم إلا مصالحهم ومصالح من يساندونهم.
وبالنظر في تراثنا اللغوي نجد في معاجمنا في "باب الهمزة" كلمتين تخص هذا الموضوع وهما (أمة, إمعة) فالأمة: جماعة الناس الذين يكوِّنُون وحدة سياسية, وتجمع بينهم وحدة الوطن واللغة والتراث والمشاعر، فمن لا يهمه تراث أمتنا ولا يعيش مشاعرها فليس من أمتنا.
والإمعة: الذي يقول لكل أحد "أنا معك"، ولا يثبت على رأي لضعف رأيه، ويقال عنه: إمعة، والإمعة بهذا هو الذي يكون "مع" الفكرة و"ضدها" في نفس الوقت؛ لأنه يقول لأنصار "فكرة معينة": أنا معكم، ويقول لأعداء نفس الفكرة: أنا معكم, فهو ضعيف الرأي لا يحسن التفكير، وهؤلاء الإمعات الذين لا يُحسنون التفكير ولا التمييز بين الصواب والخطأ يكثر فسادهم عند وصولهم إلى رءوس السلطة, والفساد والمفسدون موجودون في كلِّ أمة، ولكنْ هناك فرق بين أن يكون الفساد استثناءً أو يكون قاعدة، وهناك فرق آخر بين مجتمع وآخر حين يُكتشف الفساد والمفسدون, ففي المجتمع الناجح المتقدم فإن القانون لا يرحم المفسدين، وإن كانوا في موقع القيادة، أما في المجتمع المتخلف فمن الصعب الحديث عن المفسدين، ومن الصعب تقديمهم للقانون إذا كانوا من رؤساء السلطة أو أتباعهم.
يقول الأستاذ فهمي هويدي: "في كلِّ الدنيا هناك فساد ومفسدون, ولكنْ هناك فرق بين أن يكون الفساد استثناءً أو يكون قاعدةً في المجتمع, ثم إن من أهم الفروق بين العالم المتقدم والعالم النامي, أن الفساد في الأولى نادرًا ما يدب في رءوس السلطة, على العكس الثاني, الذي تعمد فيه الرءوس المحتكرة للسلطة إلى الاستئثار بالثروة أيضًا، من الفروق كذلك أن الفاسدين حين يتكشف أمرهم لا يرحمهم القانون, وإنما يعاملون في العالم المتقدم بمنتهى الحزم, ولا يشفع لهم أنهم كانوا من الكبراء المحصنين, الذين ترتفع في العالم النامي قاماتهم فوق هامة القانون".
فساد الكبراء من أهل السلطة في العالم النامي أمره غريب، فالقانون يخرس عن الكلام إذا تعلق الأمر بفساد أهل السلطة, والقضاء يخرس عن النطق بالحكم فضلاً عن عجزه في بحث قضايا هذا النوع من الفساد، لذلك فالسلطة في العالم النامي وسيلة للضغط على القانون في صالح الفساد؛ لأن من سمات العالم المتخلف أن السلطة فوق القانون, وفي هذا الموضع تصدق الحكمة العربية القائلة: "من أمن العقاب أساء الأدب".
السلطة في العالم النامي الوسيلة المؤكدة للثراء السريع وللحصانة ضد القانون, ولن ينصلح حال العالم الثالث إلا إذا أصبحت السلطة في يد الزاهدين في حطام الدنيا وزينتها، الذين يرجون الله واليوم الآخر، ولا فرق عندهم بين الناس أمام القانون.
يجب على المخلصين في أمتنا أن يفكروا جديًّا في وسائل واقعية وممكنة- وإن كانت مكلفة- من أجل إصلاح كلِّ أنواع الخلل، والمتسبب في ضعفها وتخلفها، ولا يقتنعوا بتقديم الأفكار فقط، بل عليهم أن يشاركوا في تنفيذ هذه الأفكار.. وأول هؤلاء هم النخبة من أساتذة الجامعات، والمفكرين، والعلماء، والمحامين، ورجال الإعلام، ورجال المال، والأعمال.. فالكل مطالبٌ بالتفكير والعمل لإصلاح حال أمتنا.
-----------
