إن صاحب الدعوة يحمل رسالة الإسلام الشاملة الكاملة لا ينتقص منها شيء، كما يحرص على تطبيقها في واقع حياته سلوكًا وعملاً، ويستشعر أيضًا واجبه ودوره في التعريف بمبادئها وأهدافها ومنهجها ودعوة الناس إليها في كل الدوائر المحيطة به، وهو بذلك يتأسى بخطوات ومنهج الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في تبليغ دعوته مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين(214)﴾ (الشعراء).
ولقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حمل هذه الدعوة وتبليغها تامة دون نقصان أو انحراف عن غايتها وأهدافها، ولقد تحمل صلى الله عليه وسلم في سبيل ذلك الكثير من الإيذاء والاضطهاد، كما تعرض لكثير من الإغراءات سواء كان ذلك مالاً أو حكمًا أو ملكًا، ولم يصرفه ذلك كله عن التمسك بأصول هذه الدعوة ومبادئها، بل كان حريصًا على المضي في تعريف الناس بها ودعوتهم إليها، وبفضل من الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين الأوائل من المهاجرين والأنصار تكونت الدولة الإسلامية الأولى، والتي انطلقت بالدعوة الإسلامية إلى العالم أجمع، وتكونت- بفضل الله تعالي- حضارة إسلامية شامخة على مدار التاريخ ضربت أروع صور التقدم والنهوض بالأمم والشعوب.
وعلى هذا الدرب سارت دعوة الإخوان المسلمين منذ أن تأسست في عام 1928 على يد الإمام المؤسس حسن البنا – رحمه الله – واستمرت حتى وقتنا هذا دون تغيير أو تبديل لأصول هذا الدين العظيم ومبادئه القويمة، كما أنها لم تفرط في أي جزء منها، بل حرصت على أن تتسم دعوتها بشمول الإسلام ومنهجه الإصلاحي في شتي مجالات الحياة كما فى قوله– رحمه الله– ".. كان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة، وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفكر الإصلاحية.."، ومن هنا كانت دعوة الإخوان المسلمين كما وصفها مؤسسها- رضوان الله عليه- "دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية..".
فعلى صاحب الدعوة أن يدرك حقيقة دعوته ويحرص على المحافظة على أصولها كما يحرص على التجديد والابتكار في وسائلها وأساليبها، وفقًا لمقتضيات كل عصر ومتطلباته واحتياجاته وظروفه دون الانحراف عن الأصول والمبادئ الأساسية لها، أو التفريط في مواقفها وسياستها المنطلقة من الفهم الصحيح والسليم للإسلام وأحكامه التي أقرها الشرع الحنيف واتفق عليها علماء وفقهاء الأمة على مر التاريخ، أو التنازل عن الاختيارات الفقهية لها والتي أقرتها الجماعة بعد الدراسة المستفيضة لها من أهل العلم والاختصاص والاتفاق عليها وفق مبادئ الشورى والمؤسسية في العمل الجماعي.
فعلى صاحب الدعوة أن يدرك ما هي الأصول والثوابت التي يجب أن يتمسك بها وتعصمه من الخطأ فى طريق دعوته أو الأنحراف عنه أو الخديعة بغيره أو المساواة عليه، كما عليه أن يدرك ما هي أطر التجديد والابتكار عند الجماعة والتي تحكمها القواعد الشرعية والاختيارات الفقهية، وعندئذ يمكنه التطوير والتجديد للجماعة دون تفلت أو تهور أو تغيير، فهو يجتهد دون جمود، ويجدد دون انحراف، ويحافظ على الأصالة دون تنازل أو تفريط، وكل ذلك في إطار الأصول والمبادئ الحاكمة لها، والتي لا يمكن أن تحدث أية صور للتجديد والتطوير عمليًا إلا في إطارها.
إن المحافظة على أصول هذه الدعوة والتضحية من أجلها كان سببًا من أسباب نجاحها واستمرارها طوال السنوات الماضية، وكلما ازدادت وضوحًا ازداد التمسك بها من قبل أفرادها وأتباعها، وحافظوا عليها مهما كلفهم ذلك من تضحيات بالنفس والمال أو غير ذلك للإبقاء عليها حية في النفوس تتوارثها الأجيال المتتالية دعوة نقية كاملة تامة دون نقصان أو انحراف.
إن التجديد والابتكار أمر ضروري لنجاح الدعوات عبر العصور والأزمان، وعلى قدر ما يكون من الأفكار المتجددة والوسائل المبتكرة والمناسبة لكل زمان ومكان يكون الاستمرار والانتشار والتأثير والنجاح لأصحاب الدعوات وتحقيق آمالهم وطموحاتهم وأهدافهم، وكما يقال: "إن الحكمة ضالة المؤمن فأينما وجدها فهو أحق بها"، فلا يصح بحال أن يأخذ غيرنا بكل وسائل التقدم والرقي والنهضة والتجديد والابتكار ويظل أصحاب الدعوات في حالة من الجمود أو الانكفاء، ثم يسبقهم غيرهم ولا تكون لهم الريادة أو التأثير في مجتمعاتهم.
فعلى صاحب الدعوة أن يدرك قيمة الانشغال بالدعوة والتفكير بها والسعي للتجديد والابتكار في مناشطها ووسائلها وأنها من الأمور الواجبة عليه والتي يجب أن يستشعرها في كل وقت وآن، وأن يحرص على مجاهدة نفسه عليها مهما كلفه ذلك؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى معه وناصره مصداقًا لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت).
إن مفهوم المحافظة على أصول هذه الدعوة ومبادئها ومفهوم الحرص الدائم على التجديد والابتكار الدائم لها من الأمور الأساسية التي يحتاجها صاحب الدعوة حتى ينطلق بدعوته وفق الأصول والمبادئ والأطر الحاكمة لها دون تغيير أو تبديل أو تفريط، وهو في ذات الوقت يبذل كل جهده وما يستطيع من فكر واجتهاد في سبيل التجديد والتطوير لها، وقد يختل التوازن بينهما؛ فيؤدي ذلك إلي حالة من الجمود والتقوقع أو يؤدي إلى حالة من الانفلات أو عدم الانضباط، وفي كلتا الحالتين يقل التأثير والنجاح ويضعف البناء ويتأخر تحقيق الآمال والأهداف، ومن هنا على صاحب الدعوة أن يدرك أهمية هذا المفهوم ويحرص عليه دومًا بشكل منهجي وموضوعي وعلمي دون تأثر بالأهواء والآراء والأشخاص؛ لأنه يعلم أن الدعوة فوق هذا كله.
ولكي يكون صاحب الدعوة متوازنًا بين المحافظة والتجديد، وحريصًا على تحقيق هذا المفهوم واقعًا عمليًا لابد له من واجبات عملية تعين على التحلي بذلك في كل وقت وآن، ومن هذه الواجبات:
أولاً: الإلمام الواضح والتام بمنهج دعوة الإخوان المسلمين، والذي يشمل عدة مفردات أساسية منها: الغاية والأهداف والوسائل والمسارات والخصائص والمقومات والسياسات والمواقف التي تميز هذه الدعوة عن غيرها من الدعوات.
ثانيًا: التعرف على أصول منهج الدعوة الإخوان المسلمين من القرآن الكريم وسيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا المنهج هو منهج اتباع وليس منهج ابتداع.
ثالثًا: الوقوف على ما ينطبق عليه في مفردات هذا المنهج بأنه أصول لا يمكن التغيير أو التبديل فيها وما ينطبق عليه بأنه من الأمور التي يمكن الاجتهاد أو التجديد أو الابتكار فيها، والمقياس أو المعيار الذي يستخدمه في ذلك هو ما جاء في الشرع الحنيف ووافق عليه فقهاء وعلماء الأمة وما اختارته الجماعة من اختيارات فقهية وحركية لها، وفق الفهم الصحيح السليم لتعاليم الإسلام وقيمه الشامخة.
رابعًا: الإلمام بكل وسائل وأساليب العصر والعلوم الحديثة التي تسهم في عملية التجديد والابتكار للدعوة دون الاستغراق فيها أو الإهمال لها؛ فيكون سببًا من أسباب الضعف أو إضاعة الفرص التي يمكن الوصول بها لتحقيق نجاح للدعوة في المجالات المتعددة.
خامسا: الحوار الهادف والنقاش البناء المفيد بين أبناء هذه الدعوة حول الأفكار والآراء التي تطرح من آن لآخر؛ بهدف التجديد أو التطوير فيها على أن يكون ذلك وفق أدبيات الجماعة وأعرافها والالتزام بنظمها ولوائحها ومؤسساتها التنفيذية والفنية والشورية.
وبعد فإن طريق الدعوة يحتاج إلى العقول الناضجة والقلوب الواعية والبصيرة الواضحة، كما يحتاج إلى أولي الألباب والحكمة والرشد مصداقا لقوله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾ (آل عمران) ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية 269)
نسأل الله تعالى أن نكون من أهل طاعته وحكمته ومن أهل الرشد والسداد، اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.