- حالات الطلاق عندنا تجاوزت النسبة في المجتمع البريطاني!

- الكاتب الاجتماعي يحتاج إلى مؤهلات ومقومات خاصة

- احتضان أبناء الدعاة ضرورة حتى لا يقعوا فريسةً للتناقض

 

حوار: هدى سيد

قبل عقود توقَّع الداعية الراحل الشيخ محمد الغزالي قرب انهيار المجتمعات الغربية، مستندًا إلى عدة معطيات وضع في مقدمتها ارتفاع نسبة الطلاق بالمجتمع البريطاني المحافظ إلى 40%، واليوم يعلن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، عن ارتفاع نسبة الطلاق في مصر إلى 45%، في مؤشرٍ خطيرٍ عن حال الأسرة المصرية التي هي لبنة المجتمع الأساسية وعلامة مخيفة في سجل تماسك وترابط الأسرة المسلمة الحصن الحصين والأخير للأمة كلها أمام الهجمات الفكرية والسلوكية من الداخل والخارج.

 

ومع توالي الإنذارات من هنا وهناك برز عددٌ من الكتابات الاجتماعية يحاول رأب الصدع الذي أصاب بنية المجتمع المسلم وتماسكه، ومن بين أصحاب هذه الكتابات الكاتب الصحفي عامر شماخ، وكان معه هذا الحديث:

 

السياسة متهمة

* تعيش مجتمعاتنا اليوم أزمات اجتماعية وأسرية، فما تحليلكم للأسباب التي أدَّت إلى ذلك ونعاني آثارها السلبية الآن؟

** أؤكد أن الفشل والانهيار الذي أصابنا على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ما هو إلا نتاج الأنظمة السياسية التي تجثم على صدور المجتمعات العربية منذ سنين، فلو تركوا المجتمعات لنموها الطبيعي وأعطوها الفرصة لطهرت نفسها أولاً بأول وعادت إلى مرجعيتها الربانية التي وضعها الله لعباده في الأرض، والتي تضمن لهم الخير والطمأنينة في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة.

 

وفي رأيي أن كل مشكلة اجتماعية الآن طرأت على المجتمع سببها الفساد السياسي الذي يمنع بل ويحارب الحركة الإسلامية من ممارسة دورها في الإصلاح، والأدهى من ذلك فتح الباب على مصراعيه للبلطجية واللصوص والمجرمين كي يعيثوا في البلاد فسادًا، ولم يتورعوا كي يبقوا في مناصبهم ويحافظوا على مصالحهم الداخلية وعلاقاتهم الخارجية أن يقضوا على أي وسيلة للإصلاح ويتنازلوا عن الوطن والدين ويسحقوا الشعوب في سبيل الإبقاء على تلك المصالح.

 

الريف والإخوان

* تحولكم للكتابة الاجتماعية حديث.. فماذا كانت دوافعكم لذلك؟

** في الحقيقة السبب الرئيسي الذي جعلني أخوض مجال الكتابة الاجتماعية هو ما أصاب الأسرة العربية والمسلمة الآن من تفكك وانهيار خلقي وتربوي وقيمي وتفشي الكثير من المشكلات التي أصابت الأسرة في الصميم، والتي تنوعت مصادرها بين العوامل الداخلية والتدخلات الخارجية ذات المساعي المكشوفة حاليًّا أمام الجميع، ووضحت أهدافها بعد أن استترت زمنًا وراء مصطلحات لم يكن يعرفها مجتمعنا المسلم العربي والشرقي؛ وذلك يقينًا منهم أن الأسرة تعد الحصن الأخير للأمة الإسلامية واللبنة الأساسية في تماسكها وقوتها، وأن أولى وسائل الإصلاح تأتي من الأسرة، وذلك بالإضافة إلى إقبال القراء واهتمامهم بالكتب الاجتماعية للتأثير الذي تحدثه بشكل أكبر حتى من الكتب السياسية والدعوية.

 

وقد ساهمت نشأتي الريفية في اهتمامي بتلك المشكلات؛ حيث عشت في بلدتي لمدة 18 عامًا لم أسمع خلالها عن مطلقة واحدة، أما الآن فعدد المطلقات فيها بالعشرات ومن عائلات كبيرة لم نكن نتصور أن يصل إليها هذا الداء.

 

كما وسعت دعوتي الإخوانية من قاعدة معارفي وعلاقاتي الاجتماعية ليظهر لي أكثر فأكثر حجم مشاكلنا الاجتماعية والأسرية التي يمكن أن تتحول إلى معاول هدم داخل الأسر المصرية؛ مما يحثنا على أن نفيق وبقوة وندرك خطورة ما يحاك لنا في ظلمات عقول وقلوب المعادين للإسلام من الغرب وخصوم الحركة الإسلامية الإصلاحية من المنتسبين للإسلام، وهذا الواقع مجتمعًا بلا شك دفعني بقوة لرصد تلك المشكلات ومناقشتها ليس هذا فقط بل وأيضًا المساهمة في تقديم حلولٍ لها.

 

مقومات ومهارات

* البعض يرى أن مجال الكتابة في القضايا الاجتماعية سهل ويغري أي كاتب ليضع إلى جوار اسمه عبارة (استشاري اجتماعي) ما رأيكم في ذلك؟

** مَن يتصدى للكتابة الاجتماعية يجب أن يمتلك عدة مقومات، وكثيرون هم مَن تعجلوا الدخول إلى هذا المجال ظنًّا منهم أن الكتب الاجتماعية تلقى رواجًا غير عادي لدى القراء ومن ثم الناشرين، ولكن لا يستطيع كل كاتب مهما كانت موهبته أن يخوض في هذا المجال إلا إذا كانت لديه مرجعية شرعية وفقهية تؤهله لتوضيح الحكم الشرعي وتقديم الرؤية الفقهية للمختلف عليه والمتشابه من الأمور، بالإضافة إلى نظرته الواقعية والعصرية لتلك المشكلات وعلاقاته الاجتماعية المتشعبة التي يحلل من خلالها أصل المشكلة أو الظاهرة الاجتماعية، وخاصةً أن غالبية الظواهر السلبية في مجتمعنا الآن ناتجة عن الجهل بالدين وضعف الإيمان وانعدام الضمير وغياب التربية في الأسرة.

 

* كيف تختار القضايا التي تطرحها وتراعي فيها احتياجات المجتمع من حولنا؟

** لم تعد النظرة العميقة فقط للكاتب هي التي تكشف له ظواهر ومشكلات المجتمع بل إن مجرد النظرة العامة ومتابعة الأخبار والأحداث اليومية تجعله على علمٍ بها وتضع أمامه عشرات العناوين لموضوعات وقضايا كي يتأهب للكتابة فيها فمنذ سنوات لم تكن الأحداث بهذه السرعة المتلاحقة، ولم تكن المشكلات متعددة ومتأزمة بالدرجة التي نراها الآن، ولا شك أن الكاتب الاجتماعي لا يمكن أن ينأى بفكره عن المجتمع الذي يعيش فيه والذي يرصد ظواهره ويحلل مشكلاته ويستنتج لها الحلول.

 

فيروس الطلاق

* ما الكتاب القادم لكم؟

 ** لقد انتهيتُ من كتابة الجزء الثاني من كتاب (احذروا فيروسات السعادة الزوجية)، وحاليًّا أعكف على تجميع مادة كتاب عن ظاهرة الطلاق التي تفشت في مجتمعنا العربي والإسلامي؛ حيث وصلت نسبتها إلى 56% من الزواج الحديث في القاهرة والحضر، أما في الريف فوصلت النسبة إلى 47%، ولنا أن نتخيل حجم المأساة التي تمر بها الأسرة العربية والمسلمة الآن، فالشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، أكد أن المجتمع البريطاني الذي وصلت به نسبة الطلاق إلى 40% منذ سنوات طوال مجتمع متفكك من الناحية الأسرية والاجتماعية وعلى وشك الانهيار فما بالنا بالنسبة التي تتزايد عندنا يومًا بعد يوم؟!.

 

شعار واقعي

* هل يعبر عامر شماخ في كتاباته الاجتماعية عن هويته الإسلامية أم أن ما يكتب مجرد اجتهاد شخصي؟

** بالطبع من الضروري أن تظهر الهوية الإسلامية في كتاباتي الاجتماعية بجانب رؤيتي الأدبية وطرحي الشخصي للموضوعات والظواهر والمشكلات، وهذا ما آخذه على بعض أصحاب الكتابات الإسلامية، وأشكو منهم عدم جمعهم بين الجوانب الشرعية والرؤية المعاصرة للأحداث ظنًّا منهم أن الأزمنة كلها واحدة والعصور كلها متشابهة فلا يأخذون بجديد العصر ومستحدثاته.

 

وعلى العكس من ذلك تظل الفرصة سانحة ومساحة التواجد أكبر لأصحاب الأقلام العلمانية التي لا تتمسك بالمرجعية الدينية وتدافع باستماتة عن رؤيتها وأفكارها ولا أحد يلوم عليهم في ذلك طالما يوجد مَن يؤهل ويدعم ويمول هذه الأقلام لمصالح خاصة ومعروفة لا تخفى على أحد.

 

فنحن في حاجةٍ ماسة الآن وعلى كافة المستويات التي تعمل فيها الحركة الإسلامية الوسطية الإصلاحية وإلى تفعيل شعار (الإسلام هو الحل) فهو شعار واقعي ولن تحل مشكلاتنا إلا به ليس فقط على الصعيد السياسي والاقتصادي بل وأيضًا في مجال البحث والدراسة والكتابة الاجتماعية؛ لأننا سنتأكد بالفعل أن تطبيق مبادئ وأسس الإسلام الصحيحة داخل بيوتنا وفي كل جوانب حياتنا هو سبيل النجاة من مهلكات العصر التي تحيط بنا الآن.

 

* وماذا عن ملامح الحياة الاجتماعية الإخوانية وكيف تراها.. وهل تختلف في قضاياها وطرق معالجتها عن عموم قضايا المجتمع؟

** المجتمع الإخواني جزء من المجتمع العام يؤثر فيه ويتأثر به، ولكننا نريد- وهذا هو المفترض- أن يكون حجم التأثير الإيجابي من المجتمع الإخواني في المجتمع العام أكبر وأوسع من تأثره بالسلبيات، فلا أحد ينكر أننا جميعًا بشر وأفراد نخطئ ونصيب فلا أحد معصوم ولكن على الفرد الإخواني أن يأخذ بالعزيمة في كل أموره ولا يترك لنفسه العنان تسيره على هواها بحجة أن هذا هو حال المجتمع كله بل لا بد أن يدرك أنه داعية في المقام الأول ويضع ذلك نصب عينيه وأن عليه واجب تغيير هذا المجتمع للأفضل حتى لو تغير كل من حوله فسيبقى هو وحده وسيسأل وحده عن عمله ولن يجازى على أخطاء وعثرات الآخرين.

 

وبما أننا جزء من المجتمع ولا نعيش في برج عاجي وتوجعنا هموم وآلام هذا الوطن وتحكمنا نفس السياسات والأطر والقوانين وتعصف بنا نفس الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية لذلك لسنا بمنأى عما يحدث فيه من قضايا ومشكلات، ولكن نسبتها داخل المجتمع الإخواني لا تكاد تذكر بالنسبة إلى وجودها في المجتمع العام، فعلى سبيل المثال لو نظرنا إلى ظاهرة الطلاق التي تعدت نسبتها 50% في المجتمع فإنها لم تصل بين الإخوان إلى 3% وغير ذلك الكثير من القضايا والمشكلات.

 

وهذا يرجع إلى احترام وتقدير ميثاق الزواج وفهم واستيعاب أسباب تكوين هذا الميثاق، فالزواج ليس متعة فقط بل هو مسئولية والأبناء ليسوا زينة الحياة الدنيا فقط بل هم أمانة، بالإضافة إلى أن تواجد أفراد الإخوان وسط صحبة صالحة من العلماء والمصلحين يجعلهم على علم بأمور الشرع فهناك دومًا من ينصحهم ويذكرهم بصدق وإخلاص بخلاف الآخرين الذين يتبعون أهواءهم بغير علم ويتأثرون بالمظاهر السلبية في المجتمع والتي لم يستطيعوا التخلص من سوءاتها إلى الآن.

 

الهداية رزق

* هناك اتهام الآن لبعض أساليب التربية الإخوانية بأنها تنتج أبناء ليس لديهم القدرة على الاندماج في المجتمع.. هل هذا صحيح؟

** الإخوان ليسوا ملائكة وأبناؤهم كذلك فمن الممكن أن يستقيم واحد ويعوج آخر، فالأبناء نعمة من الله عز وجل وهدايتهم رزق وفضل منه سبحانه، وكما ذكر القرآن الكريم لنا لمحات من قصص الأنبياء وذريتهم فمنهم مهتدٍ وكثير منهم غير ذلك، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾ (القصص)، وأساليب التربية السليمة قد لا تؤتي ثمارها إذا تم تطبيقها بطريقة خاطئة لا تتسم بالرفق واللين، فبعض بيوتنا الآن مسها طائف من الرفض والتمرد بل الانحراف والفساد حتى إن الابن الذي يتعثر في خلقه أو التزامه أو دراسته أو ينحرف في سلوكه يصبح علامة مميزة في الحي الذي يسكنه.

 

والتناقض الذي يقع فيه الأبناء بين الالتزام والتربية داخل البيت وعدم تطبيق ذلك في المجتمع ومع إلحاح المؤثرات السلبية فيه يجعلهم يتعرضون لضغوط ليست هينة، ويطالبنا بمعاملة أبنائنا معاملة الطبيب للمرضى الذين هم في حاجةٍ إلى مزيدٍ من الرعاية والاهتمام والجهد والعطاء والصبر.

 

ومع غياب القدوة الصالحة داخل البيت فقل على الأبناء السلام، فهذه القدوة هي بركة البيت والتي تحمل الأبناء على الالتزام بما عليه آباؤهم إذا تيقنوا من تمسكهم بإخلاص ويقين بما هم عليه من التزام ورشاد، فالأب يجنى ثمرة عمله الصالح في أبنائه، وكما قال تعالى ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (الكهف: من الآية 82).

 

والأب العاقل هو الذي يفتح صدره لابنه يستمع له ويتلقى شكاواه يعرف معاناته يقربه منه ويجعله صديقًا له يأخذ بيده إلى الله برفق وحب وصبر واحتساب أما حمله على الالتزام والتدين قبل الأوان وبالضغط والقسوة فهذا أمر يخل بالعملية التربوية وسوف يخرج أبناءً غير أسوياء لأن هذا يولد التناقض داخلهم، وهم ما زالوا صغارًا على فهم هذا التناقض وربما فاز فيه المجتمع بعد ذلك لكثرة المغريات وتنوع وتعدد أشكال الفساد.

 

فلا بد للآباء من إدراك ما عليه المجتمع الآن ولا بد من المرونة في التعامل مع الأبناء وإيجاد مساحة من التفاهم معهم وقبل ذلك فهمهم، ولا بد من حمل النفس على قبول الأخطاء والعثرات والتجاوز عنها أو تقويمها أو نسيانها حتى نصل بأبنائنا إلى بر الأمان.

 

* إذن كيف يتواصل الأب مع أبنائه الآن في ظل انشغاله الدائم وغيابه المستمر؟

** الدور الرئيسي للأب في الإخوان قبل أي شيء هو العمل على إنتاج شخص سوي وملتزم أما إهمال الأولاد أو إجبارهم على الالتزام بأوامر ونواهٍ فقط دون التطبيق العملي لها من الأب في البيت وفي حياته كلها ربما يؤدي إلى انصراف الأبناء عن هذا الطريق، بل وربما يقودهم إلى الانحراف وبشدة!!

 

فنحن في هذا الوقت نحتاج إلى أن نتدرب على كثير من الصبر والحلم والرفق في تربية أبنائنا وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "إنما الحلم بالتحلم، وإنما العلم بالتعلم، وإنما الصبر بالتصبر"، ولن يؤثر هذا إلا إذا وثقنا ثقة كاملة أننا مأجورون على هذا العمل وخير ما ينفقه المرء ما ينفقه على أهل بيته "ودينار أنفقته على أهلك خير لك"، سواء في المأكل أو المشرب أو التعليم أو العلاج وغير ذلك.

 

وأطالب كل داعية وصاحب مبدأ خاصة من تربَّى على مبادئ الإخوان أن يكون ذا عزيمة في تربية أبنائه فهم أمانة استخلفها الله عز وجل لديه ولن يقبل من عبده أن يضيعها، وكما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع مَن يعول"، فلا نمل ولا نضجر ولا نشكو من كثرة مشكلات أولادنا أو انصرافهم عن الالتزام، فعلى قدر المشقة يكون الأجر، وهؤلاء الأبناء هم مَن نراهن عليهم في حمل هموم الدعوة والدفاع عن الوطن والمحافظة على الدين وحماية المقدسات.

 

زوجة واحدة!

* لك على المستوى الشخصي تجربة في تعدد الزوجات.. فهل كانت هي منطلقك في كتابة (زوجة واحدة تكفي) الذي اعتبره البعض دعوة للتعدد؟

** لم أكن أستطيع الكتابة في موضوع التعدد حتى أخوض التجربة، وكتابي هذا ليس دعوة إلى التعدد، ولكنه بمثابة موسوعة مصغرة يناقش هذه القضية حتى إنه ترجم إلى اللغة الفرنسية، وأنا من خلال الكتاب لست من الداعين إلى التعدد أو المانعين له ولكني ملتزم بما أقره الشرع في هذا الأمر، فقد أباح التعدد لضرورة ولكنه لم يفرضه ولم يمنعه وهو كالدواء ينفع البعض ويضر الآخرين فهناك حالات يكون التعدد فيها واجبًا وحالات يصير التعدد فيها مكروهًا وأخرى لا يجوز فيها التعدد، وقد يصل إلى درجة التحريم، وما يطبق على الزواج الأول من أحكام ومواثيق ينطبق على الثاني.

 

وفي رأيي الشخصي أن التعدد بات أمرًا في غاية الصعوبة الآن، وخاصةً للدعاة فمَن يرعى بيتًا ليس كمن يرعى بيتين، وتربية الأبناء مسئولية كبيرة عما مضى، وبالتالي فإن الذي يفكر في هذا الأمر لا بد أن يكون قادرًا عليه ليست القدرة المادية فقط بل القدرة على رعاية بيت جديد لا يكون سببًا في هدم البيت الأول بطلاق الزوجة وضياع الأبناء.

 

ومن ينظر إلى مجتمع الإخوان على مدار العشرين سنة الماضية يجد ندرةً في التعدد، ومن يتزوج أكثر من زوجة تكون علامة مميزة له رغم كونه أمرًا شرعيًّا ولا نقاش فيه إلا أنه لم تصل نسبته بين الإخوان إلى 5%، وهذا لا يرجع إلى تحريمه بل إلى طبيعة المجتمع الإخواني وفهم وتربية الإخوان ونظرتهم للمرأة ومكانتها في المجتمع.

 

ومن شدة اعتزاز المجتمع الإخواني بالمرأة رفعوا بينهم شعار (الإخوان لا يعددون ولا يطلقون)، وذلك حرصًا على نفسية الزوجة ومراعاة لمشاعرها وتأثرها بالزواج الثاني؛ وذلك لاعتبارها زميلةً في طريق الدعوة بل هي الجناح الثاني لها، والإخوان يرون أنهم أهل المرأة في المقام الأول يحافظون عليها ولا يظلمونها ويحرصون على حقوقها أكثر من والديها.

 

الدور المأمول

* ما الذي ينقص البيوت المسلمة حاليًّا كي تستطيع الموازنة بين الدور المأمول ومجاراة العصر دون انفتاح زائد أو انغلاق يؤدي إلى الكبت؟

** طاعة الله عز وجل قبل كل شيء هي الطريق إلى السعادة، وكذلك فهم كل طرف لواجباته وحقوق الطرف الآخر، وعلى المرأة خاصةً ألا تصغي السمع إلى دعاة التحريض في وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المنادين بالحرية والمساواة والتمكين لها على حساب الشرع والعرف ودورها الطبيعي الذي خلقها الله له.

 

ومن المهم كذلك أن ينشغل الرجل والمرأة بالعمل النافع المنتج والمفيد (فنفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل)، وعلى الرغم من توغل تكنولوجيا العصر الحديثة داخل بيوتنا إلا أنها لم تجعلنا أكثر سعادةَ أو راحة بال على عكس حياة أمهاتنا وجداتنا اللاتي لم يعرفن هذه الأجهزة المتطورة، وعلى الرغم من ذلك قدموا للمجتمع نماذج عظيمة لرجال ونساء قدَّروا المسئولية وعرفوا قيمة الحياة الزوجية وتربية الأجيال.

 

والآن تغيرت الأمور، وتخلت الأم عن دورها في التربية وتفرغت للثرثرة وتوافه الأمور فنتج عن ذلك أبناء اتكاليون لا يتحملون أي مسئولية ويطلبون الطلاق بعد الشهر الأول من الزواج، ولو ملأنا الفراغ في حياتنا بجهدٍ دعوي وتربوي ورياضي وفكري وثقافي لانتهت مشاكل الأطفال والشباب والفتيات والرجال والنساء.

 

والدعاة عليهم أن يفطنوا إلى هذا الأمر ويخرجوا أجيالاً مميزة منفتحة على المجتمع تسير برؤية واضحة وعقيدة ثابتة لتحقيق أهدافها الإسلامية الفطرية الوسطية الراقية التي لو ترك الناس جميع المناهج الأخرى واتبعوها لكفتهم.