د. أحمد دراج

 

المقصود بتدوير التوريث هنا هو إعادة إنتاج الفكرة- بعد استهلاك كل مكوناتها- بطريقة أخرى تستهدف توظيف ما تبقَّى من الفكرة، واستغلاله في تحقيق أقصى المكاسب لأصحابها من إعادة بيع البضاعة القديمة في صورتها الجديدة.

 

ويلاحظ المراقب للأحداث الجارية على الساحة السياسية- مؤخرًا- بوضوح تكثيف عمليات إعادة طرح ملف التوريث بطرق متوازية؛ لإرباك المستهلك بين بدائل مختلفة لمحتوى واحد، وما عرض على يد رجل مغمور يترأس ائتلافًا شعبويًّا مجهولاً؛ للترويج لفكرة التوريث ليس إلا طبعة شعبية من طبعات ربما تأتي متعاقبة أو متوازية لفرض توريث الحكم بالتزوير لمبارك الابن كأمر واقع.

 

والملاحظات الأولية على عملية إعادة تعبئة وتغليف عملية التوريث أنها تمت وفق الطريقة الكردية بأسلوب بدائي يعبر- حقيقةً- عن حالة إفلاس سياسي وأزمة حقيقية دفعت مخططي الحملة إلى منح توكيل التسويق- على عجل- إلى رجل يحمل تاريخه السياسي المضطرب، وملامح وجهه وصفاته علامات فشل لا تخطئها العين، انطلقت من السعي والتنقل بين أحزاب وقوى المعارضة، أولها حزب العمل مرورًا بكفاية، ثم استقر به الحال إلى التجمد في حزب رفعت السعيد، ليقفز منه مؤخرًا إلى مغارة الحزب الوطني (وما أدراك ما مغارة حزب بابا!!!؟).

 

والتساؤلات التي تبدو أكثر إلحاحًا هي: هل يمكن أن ينجح إضافة مساحيق شعبية مزيفة في تغيير حقيقة طعم ولون بضاعة فشلت بيوت تسويق دولية (دوائر أمريكية- صهيونية) إخفاء عيوبها ومخاطرها؟ وهل يمكن لمسوق فاشل كذاب فاقد المصداقية ممارسة لعبة الثلاث ورقات واستغفال شعب فطن بالفطرة قوامه 80 مليونًا؟ مستحيل.

 

إنه لمِن السخرية أن يقع اختيار أصحاب مخطط إعادة تغليف التوريث على مسوق يتمتع بغباء وجهل نادرين للتغلب على الظروف المحبطة للفكرة بعد استنفادها كل الفرص المتاحة، وما هو أسوأ من ذلك، توقيت بالغ السوء والظروف التي يحاصرها صعود مطالب التغيير من كل اتجاه، فالمسوِّق الذي عرض بضاعة التوريث الجيني بدا جاهلاً بقواعد إعادة تصنيع الفكرة وآليات خطاب الجمهور المستهدف، وكيفية خلق وهم الحاجة الماسة لبضاعة ثبت فسادها وركود الطلب عليها عدة مرات.

 

والأرجح أن مصممي التسويق الكردي اضطروا إلى سلق الفكرة نتيجة ظروف ضاغطة وارتباك نتيجة متغيرات- أظن أن بعضها صحي وبعضها الآخر متغير موضوعي- أخذتهم على حين غِرة فلم ينتبهوا إلى أن ألف باء تسويق تقول إن بيع الفكرة أكثر صعوبةً من تسويق بضاعة حاضرة وجذابة ومطلوبة، وأن إعادة تسويق فكرة قديمة في غلاف برَّاق سيكون أكثر صعوبة إن لم يكن مستحيلاً، وفي رأيي أنه لو اجتهد معارضو فكرة التوريث واجتمعوا- مع أنهم لم يفعلوا- على قلب رجل واحد لاختيار أفضل سيناريو لوأد فكرة التوريث وإرسالها إلى مثواها الأخير ما نجحوا في الاتفاق على اختيار من هو أكثر مناسبة لهذا الدور الهزلي من منسق الائتلاف الكردي، وتلكم أسباب ترجيح فشله:

 

1- اختيار أسوأ توقيت، تزامن فيه عرض بضاعة التوريث مع تصريح علي الدين هلال أمين إعلام الحزب الوطني بأن الحديث عن مرشح للحزب في انتخابات الرئاسة القادمة 2011م يعد "قلة أدب"؛ لأن الرئيس لم يترك منصبه حتى الآن!!! ترى من المقصود بقلة الأدب تلك أهو أحد أعضاء لجنة السياسات أم اللجنة بكاملها؟

 

2- اختيار منسق حملة الائتلاف الشعبي يدل على إفلاس فريق مروجي التوريث ووصولهم إلى نهاية الطريق المسدود، فهنيئًا للشعب وقواه الوطنية بغباء منظري الحزب منقطع النظير.

 

3- تصريح منسق الحملة بأن ملصقات الدعاية للسيد جمال مبارك والتي نشرت في بعض الأحياء الشعبية تكلفت 50 مليون جنيه جمعها الرجل من الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم، لتأييد ترشيح مبارك الابن لا تدل على الكذب والتدليس، ولا تدعو إلى الدهشة فحسب، بل تدعو إلى الاحتقار والنفور.

 

4- ادعاء منسق الائتلاف الوهمي أنه بصدد جمع 5 ملايين توقيع من المحتاجين والفقراء كلام لا يدل على مستوى الهطل والاستهبال والغباء في مراكز صنع القرار فحسب، بل يؤكد مدى الاضطراب النفسي الذي يعانيه النظام وانعدام مشروعيته، إذ كيف يطالب من يملك الفرصة الوحيدة للترشيح بلا منافس جدي بمنحه فرصة لجمع توقيعات ليس في حاجة إليها؟

 

5- أكثر الأسباب أهمية زيادة الطلب على التغيير بصورة غير مسبوقة، وتلك الزيادة مرشحة لأن تتحول إلى طوفان يقتلع جذور الفساد إن أحسن استغلال قوة دفعها في الاتجاه الصحيح. 

 

وبعد ألا يوحي تضارب حرب التصريحات بين كلٍّ من سرور وهلال وشهاب بشيء؟ ألا يكشف تصريح منسق تسويق حملة التوريث الذي يحاصره الفشل بأنه سيتصل بالحركات الاحتجاجية مثل 6 أبريل وكفاية للانضمام إلى حملته الشعبوية؛ للمطالبة بترشيح السيد جمال مبارك رئيسًا بشيء آخر؟ ألا يدل إصرار منسق الائتلاف الظني على استجداء ترشيح السيد جمال مبارك حتى لو كان ذلك ضد رغبة مبارك الأب ومنافسته في الانتخابات القادمة 2011م، على أن الفرج قريب!!!؟ افعلوا ثم قولوا يا رب.

----------  

* darrag11 @yahoo.com