المتابع لمسار العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والمجتمع، سيجد أن الجماعة منذ تأسيسها في مصر، وهي تنتشر في مختلف قطاعات المجتمع، وتقدِّم نفسها كتعبير جماعي عن الأمة، وتحاول ضمَّ كل شرائح وفئات المجتمع لها، من هنا كان الانتشار الرأسي في المجتمع، من أهم مصادر قوة الجماعة، فهي لا تعبِّر عن فئة أو شريحة، ولا تعبِّر عن منطقة جغرافية أو فئة وظيفية، ولكنها تعبِّر عن مختلف الفئات والشرائح، ورغم أن الوزن النسبي لتلك الشرائح والفئات، لا يتوازن دائمًا، ولكن تواجد مختلف الفئات، يظل دليلاً عمليًّا عن تعبير الجماعة عن المجتمع بمعظم مكوناته.

 

وانتشار الجماعة بهذه الصورة في المجتمع المصري، وغيره من المجتمعات، جعل الجماعة تتحول إلى جزء من بنية المجتمعات التي تعمل فيها، وتلك حقيقة مهمة، لها علاقة بإستراتيجية الجماعة في الإصلاح، فالجماعة تريد تحقيق الإصلاح عن طريق قوة الأمة وجماهيرها، لذا تحاول أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من الأمة بكل فئاتها وقومياتها ومذاهبها، حتى تنتشر الفكرة التي تحملها الجماعة في كل أرجاء الأمة.

 

الجماعة والمجتمع

تُقدِّم الجماعة نفسها للمجتمع بوصفها تحمل مشروعًا إصلاحيًّا، وتحمل رؤية إسلامية تعبِّر عن صحيح الإسلام، والملاحظ أن الجماعة لم تُغْرِق نفسها في خلافات المذاهب، بل حاولت صياغة رؤيتها لتعبِّر عن المتفق عليه في الفكر الإسلامي، وتمثل السائد والمجمع عليه في معظم روافد الفكرة الإسلامية، حتى تصبح بالفعل نابعة من التيار السائد في التاريخ الإسلامي، ومعبرة عن الرؤى التي سادت الجماعة المسلمة، وبهذا تُقدِّم الجماعة رؤيتها من خلال ما هو متفق عليه، ولا تحاول أن تكون مذهبًا من المذاهب، بل إطار جامع لما هو متفق عليه بين المذاهب. ولهذا تركز الجماعة على الثوابت الأساسية التي تُمثِّل المشروع الإسلامي، حتى تصبح معبرة عن جوهر الفكرة، أكثر من الفروع التي تتنوع فيها الآراء، ولا تحاول الجماعة تحديد موقفها في الفروع، إلا في القضايا المهمة، والتي تؤثر على منهجها في العمل، ويلزم أن تحدد فيها موقفًا.

 

فالجماعة لا تفترض أنها تعبِّر عن كلِّ المجتمع، أو تفرض نفسها بوصفها المعبرة عن كلِّ المجتمع، ولكنها ألزمت نفسها بجوهر الرؤية الإسلامية، حتى تكون بالفعل معبرة عن الفكرة التي غالبًا ما تتوافق عليها الأمة؛ ما يجعل الجماعة مؤهلة أساسًا كي تنتشر في المجتمع، دون أن تكون ممثلة لرؤية خاصة بها أو رؤية ليس لها انتشار واسع بين الناس أو رؤية يصعب أن تنتشر بين الناس.

 

فكلما ربطت الجماعة نفسها بالرؤية والموقف السائد في الفكر والعالم الإسلامي، أصبحت مؤهلة للانتشار بين الناس.

 

ويلاحظ أن جماعة الإخوان المسلمين لم تحاول استرضاء الجماهير، ولم تحاول اتباع هوى الجماهير، ولم تتبع عواطفهم أيضًا. ومن هنا حددت العلاقة بين الجماعة والمجتمع، في أن الجماعة تدعو الناس لما تراه صحيحًا، وتطور رؤيتها بتفاعلها مع الناس، ولكنها لا تُقدِّم تنازلات عن رؤيتها لتنال جماهيرية أكبر، حتى مع ظهور مدى التحديات التي تواجهها الجماعة ظلَّت تقدم رؤيتها للناس، وهي تعرف صعوبة تأييد الناس لها، فلم يكن توسع الجماهير المؤيدة للجماعة هدفًا في حدِّ ذاته، بل كان توسع القاعدة الجماهيرية المؤمنة بالمشروع الإصلاحي الحضاري الشامل والقائم على المرجعية الإسلامية هو الغاية التي تحاول الجماعة الوصول لها، كما أن الجماعة لا تريد التخفيف على الناس؛ لأنها تُدرك أن مشروعها يحتاج للتضحيات، وهي تؤمن أن مشروعها هو المشروع الذي تحتاجه الأمة، لذا يلزم تقديم التضحيات من أجل تحقيق هذا المشروع، والذي لن يتحقق بدون تضحيات جسام.

 

وفي نفس الوقت، قدمت الجماعة نفسها بوصفها طليعة للمجتمع، تعمل من أجله وتدفع الأذى عنه، وحاولت بذلك تقديم النموذج حتى يتبلور النموذج أمام الناس، ويجذبهم لتقديم المزيد من التضحيات والعطاء، وتصبح الجماعة الفعل يسبق القول، ويقدم النموذج، ويحفز الناس على اتباع مسار المصلحين، وهذا المنهج يؤدي إلى تشجيع الجماهير على العطاء، وتحفيز قدرتهم على المواجهة، خاصة مع قدرة الجماعة على الاستمرار في نهج التضحية، لعقود طويلة، حتى أصبحت تمثل النموذج المهم للتضحية المستمرة عبر الأجيال، وبهذا أصبحت الجماعة تملك تاريخًا من النضال والجهاد يساعد على التأثير على جماهير الأمة، حتى وإن كانت أغلب تلك الجماهير غير مستعدة بعد لتقديم التضحيات، ولكن وجود النموذج، يظل مهمًّا تاريخيًّا؛ لأنه يمهد لتوسع النموذج جماهيريًّا، بما يحقق الغاية التي تحاول الجماعة تحقيقها، وهي تحفيز القدرة النضالية للأمة بالصورة التي تمكنها من مواجهة التحديات التي تقف في طريق وحدتها ونهضتها.

 

الجماعة والأمة

الملاحظ انتشار الجماعة في كلِّ فئات المجتمع، ثم انتشارها في كلِّ أوطان الأمة، بما يجعلها تعبر عن شريحة واسعة من الأمة، تمثل مختلف الفئات المتنوعة فيها، بما فيها التنوع القومي والعرقي والمذهبي والجغرافي، وتلك الحقيقة، تمثِّل منهجًا مهمًّا لجماعة الإخوان، فالجماعة توجد في بعض البلدان، دون أن يكون لها حضور واسع، ومع ذلك تحرص على التواجد في مختلف بلاد الأمة العربية والإسلامية، بل ومختلف بلاد العالم، بما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من كلِّ مجتمع عربي أو إسلامي، وأيضًا جزءًا لا يتجزأ من كلِّ جالية إسلامية في البلاد الغربية أو غيرها من البلاد، وأهمية هذا التواجد هو أن الجماعة أصبحت أحد المكونات الأساسية لكلِّ تجمعات الأمة الإسلامية، وأصبحت توجد حيثما وجدت شريحة أو فئة من الأمة، وتوجد حيثما وجد وطن من أوطان الأمة.

 

وهنا تظهر أهمية وتأثير هذا الانتشار، رغم أن الجماعة تمثل جماعة صغيرة في بعض البلدان، وتمثل جماعة مؤثرة في بلدان أخرى، كما تمثل الجماعة الأكبر في بعض البلدان، والملاحظ أن هذا التواجد يقوم بدور مهم في نشر رؤية الإخوان في كلِّ أرجاء الأمة، حتى أصبحت الجماعة تمثل التيار الأكثر تنظيمًا واستقرارًا واستمرارًا في التاريخ المعاصر للأمة الإسلامية، وهذا الوضع يُكسب الجماعة فرصة حقيقية للتأثير على وضع الأمة؛ ما يسمح لها بتحفيز الأمة ونشر الوعي بين أبنائها، والجماعة لا تهدف من ذلك أن تصبح تيار الأغلبية في كلِّ البلدان، قدر ما تهدف لتكوين تيار مركزي داخل الأمة، ووظيفة هذا التيار تتمثل في قدرته على نشر رؤية، ونشر الرغبة في الإصلاح، كما أن من وظائفه خلق حالة نموذجية لوحدة الأمة، تتمثل في توحد الأمة داخل إطار تيارات فكرية معبرة عنها؛ ليصبح تيار الإخوان ممثلاً لواحد من التيارات المعبرة عن وحدة الأمة واقعيًّا.

 

ويبدو أن فكرة النموذج لها موضع مهم في منهج الجماعة؛ حيث إنها قدمت من خلال تنظيمها أكبر شبكة علاقات اجتماعية مترامية الأطراف، وتصل لكلِّ مكان وموضع داخل أوطان الأمة، وداخل جمهورها، فأصبحت الجماعة تمثل الرابطة التاريخية الحضارية بصورة عملية، فهي جماعة مترابطة، متعاونة، تساند بعضها، وتتعاون بشكل إيجابي وإنساني، يجعلها نموذجًا اجتماعيًّا يمثل الأمة الواحدة، وهي بهذا تُقدِّم نموذجًا لقدرة التنظيم على تحقيق قوته من قوة الأمة نفسها، بما يقدم نموذجًا للأمة، على مدى القوة والقدرة التي يمكن أن تحققها من خلال توحدها، وبهذا يصبح تنظيم جماعة الإخوان المسلمين ممرًّا لتحقيق وحدة الأمة، ونموذجًا لتلك الوحدة، ويمثل شبكة علاقات اجتماعية واسعة، قادرة على تحقيق إنجازات، معتمدة على القدرات المتنوعة للأمة.

 

يضاف لهذا ما تقوم به الجماعة كتجسيد لوحدة الأمة من عمل يعبر عن ثوابت الأمة وقضاياها الأساسية، لذا ظلت الجماعة تعتبر أن قضية فلسطين هي قضية الأمة المركزية؛ لأنها أدركت منذ وقت مبكر أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين يمثل ركيزة الاستعمار في المنطقة، فحاولت جمع الأمة حول قضية مركزية، ترتبط ارتباطًا مباشرًا باستقلال الأمة، وهو الشرط اللازم لتحقيق وحدتها ونهضتها، وبهذا أصبحت القضايا المركزية مثل وحدة الأمة وتحرير فلسطين وتطبيق الشريعة الإسلامية، تمثل منهج الجماعة في ربط الأمة بما هو متفق عليه، وبما يمثل ثوابت المشروع الإسلامي، القادرة على تحقيق توافق الأمة، حتى يتحقق توافق حركة الأمة في اتجاه الإصلاح، وبناء المشروع الحضاري الإسلامي.

 

منهج الجماعة الحركي

اعتمدت الجماعة على منهج حركي يقوم على تأصيل وجودها الاجتماعي، ووجودها بين الناس، واستخدمت هذا المنهج في مواجهة كلِّ عمليات التشويه التي تتعرض لها، حتى تصبح كيانًا منتشرًا في المجتمع، ومتفاعلاً معه، بصورة تمنع من انتشار أي صورة سلبية عن الجماعة بين الناس.

 

وهذا المنهج الحركي، يرتبط بالعمل أكثر من الدعاية والإعلام، وهو منهج يعتمد على الاحتكاك المباشر بين الجماعة والمجتمعات التي تعمل بها، حتى تصبح العلاقة بين الناس والجماعة علاقة مباشرة، وليست علاقة قائمة على الدعاية غير المباشرة، ورغم أهمية الدعاية والإعلام، إلا أن المنهج الحركي الرئيس للجماعة يعتمد سياسة الفعل قبل القول، بما يجعل حضور الجماعة، ليس حضورًا إعلاميًّا أو سياسيًّا، ولكنه في الأساس حضور اجتماعي واقعي، يحدث على أرض الواقع بين الناس، ويعتمد سياسة التفاعل المباشر، بما يجعل الجماعة جزءًا رئيسًا من حياة الملايين من أبناء الأمة، ومن حياتهم اليومية، وتصبح الجماعة بذلك حاضرة بالفعل والعمل والمثال، وجزءًا من واقع حياتي يومي مشاهد وملاحظ من قبل الملايين، وهذا ما يجعلها مرة أخرى تعتمد منهج تقديم النموذج العملي أكثر من تقديم الصورة الإعلامية رغم أهميتها، ولكن الجماعة اعتمدت أكثر على تقديم النموذج الذي يراه الناس، ويحكمون عليه بأنفسهم، فيعايشونه أكثر من سماعهم عنه، فأصبحت المعرفة بالمعايشة هي منهج جماعة الإخوان الأول؛ لنشر رؤيتها بين الناس، وتقديم النموذج الذي تدعو الناس له.

 

وبهذا يصبح النموذج مجسدًا على أرض الواقع، بكل ما فيه من صعوبات، وتصبح الجماعة حالة معيشة بين الناس، يرى الناس حقيقتها في حياتهم؛ ما يحول دون تشويه صورتها، وإن كانت حملات تشويه صورة الجماعة تنجح نسبيًّا في المساحات التي لا تتواجد فيها الجماعة، ولا يتعرف فيها الناس على الجماعة مباشرة، ولكن منهج الانتشار المعرفي العملي، يحمل الجماعة مسئوليات عديدة، حيث يتطلب منها هذا المنهج التواجد بين الناس بصورة مكثفة، ودعوتهم بصورة مباشرة، ومساعدتهم بصورة مباشرة أيضًا، وهذا النهج يحتاج لكثير من الجهد، ولكنه يمثل أداةً فاعلةً في مواجهة التشويه الإعلامي الذي تتعرض له الجماعة، وفي نفس الوقت تواجه الجماعة تحديًا مهمًّا، يتمثل في الفئات التي لا تتمكن من الوصول لها، والتي تتأثر بالتشويه الإعلامي؛ ما يزيد من التحديات التي تواجهها الجماعة.

 

الجذور الممتدة

يمكن قول الكثير عن منهج جماعة الإخوان المسلمين في حماية التنظيم وحماية الجماعة، وبالتالي في قدرتها على الاستمرار والبقاء، ولكن جزءًا مهمًّا من منهجها الذي تشكل عبر خبرتها الطويلة، تمثل في تمدد الجذور الاجتماعية للجماعة داخل المجتمعات التي تعمل وتنشط فيها، فالجماعة توجد في كلِّ مجتمعات الأمة الإسلامية، وأيضًا توجد في معظم التجمعات الإسلامية، لذا أصبح تمدد جذورها داخل بنية تلك المجتمعات والتجمعات من أهم العوامل التي تحمي الجماعة، وتوفر لها سبل البقاء والاستمرار، فقد أصبحت الجماعة بنية قوية داخل بنية المجتمع، ولا يمكن فصلها عن المجتمع أو عزلها عنه، ولا يمكن انتزاعها من المجتمع، فقد تشعبت جذور الجماعة داخل جذور المجتمع نفسه، بحيث أصبحت جزءًا لا يتجزأ منه، وقطاعًا لا ينفصل عنه، فلم تعد الجماعة نموذجًا لمشروع يقدم للمجتمع، بل أصبحت نموذجًا لمشروع بني داخل المجتمع، فأصبح النموذج نفسه داخل بنية المجتمعات التي يعمل بها، وبهذا تأصل بصورة تجعله داخل إطار الحاضن الاجتماعي للأمة ومحمي به.

 

لقد وفَّر الانتشار والشعبية التي تحققت لجماعة الإخوان المسلمين محمية اجتماعية مترامية الأطراف، تحفظ الجماعة وتحتضنها وتحافظ عليها، بحيث أصبحت قادرة على الاستمرار، بما توفر لها من دعم من جماهير من الأمة.