في رمضان وكعادة كثيرين من أبناء الشعب المصري الطيب المتدين عدت لأمسك بالمصحف بعد غياب عام كامل، وحرصت على الصلوات الخمس، وذهبت إلى المسجد لصلاة التراويح، واستمعت للشيخ وهو يتحدث عن شهر البطولات والانتصارات، وذلك للارتباط الوثيق بين الجهاد والصيام الذي هو إعداد للنفس والجسد بل والأمة كلها، ما جعلني أحسُّ بتغيير داخلي، شعور مختلف تملَّكني طوال الطريق إلى البيت.
قررت أن أشبع فضولي، بحثت في (جوجل) عن "رمضان شهر الانتصارات"، وجدت كنزًا من المعلومات، ما كل هذه الانتصارات؟!.. ما كل هذه البطولات في شهر رمضان؟!.. وجدتني أسرح بخيالي.. نحَّيتُ شخصيتي التافهة الخاملة الجبانة الكسولة جانبًا، وتقمصت شخصية بطل.
- في غزوة بدر (رمضان/2هـ)، رأيت حمزة سيد الشهداء يصول ويجول، ويطيح برءوس الشرك، وأنا أيضًا سأكون سيدًا للشهداء، ألم يقل حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"، وأخبرنا أن "أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر"، من اليوم سأجهر بكلمة الحق في وجه رءوس الفساد، سأقول للظالم: يا ظالم، ولن أقول له: يا باشا.
- وفي فتح مكة (رمضان/8هـ)، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحطِّم الأصنام حول الكعبة، وأنا أيضًا سأحطم أصنام الخوف والذل والجبن والحرص في نفوس الناس، سأدعوهم إلى عبادة الله وحده لا عبادة المأمور.
- وفي موقعة البويب (رمضان/13هـ)، رأيت البطل المثنى بن حارثة يقود 8 آلاف مسلم في مقابل مائة ألف من الفرس بقيادة مهران، وتنتصر القلة المؤمنة، وأنا أيضًا لن أرهب عُصي جحافل الأمن المركزي وقنابله المسيلة للدموع بعد اليوم، لن أخشى فرق الكاراتيه، لن أحزن لقلة النشطاء العاملين للإصلاح.
- وفي فتح جزيرة رودس (رمضان/53هـ)، رأيت جنادة بن أبي أمية الأَزْدِيّ والمسلمين يستخدمون السفن في القتال، وهم لا خبرة لهم بركوب البحر، وأنا أيضًا سأعمل على ابتكار وسائل جديدة لتشجيع الناس على مقاومة الفساد والإفساد.
- وفي معركة وادي برباط (رمضان/92هـ)، رأيت طارق بن زياد في أول انتصار للمسلمين في الأندلس على رودريك في عقر داره، وأنا أيضًا سأقتحم على المفسدين معاقل الفساد، سأطاردهم بكشف الحقائق، سأوعِّي الغافلين بثروات وخيرات بلدنا المنهوبة كما في "الصناديق الخاصة" وعقد "مدينتي".
- وفي موقعة عين جالوت (رمضان/658هـ)، رأيت سيف الدين قطز حين وجد المسلمين يتراجعون أمام التتار، يترجل من فوق فرسه، ويلقي خوذته، ويصيح بأعلى صوته: وا إسلاماه، فيسارع الأبطال لنصرة الإسلام، وأنا أيضًا سألقي كمامة الخوف التي تكمِّم فمي، وأصيح في الناس بأعلى صوتي: وا حريتاه، وا عدلاه، وا كرامتاه، وا مصراه.
- وفي معركة العبور (10 رمضان/1393 هـ)، رأيت العميد أركان حرب أحمد حمدي، نائب مدير سلاح المهندسين وقائد أحد ألوية الكباري، يضرب المثل في التضحية والفداء، إذ استشهد بشظية أصابته، بينما كان يشارك أفراد أحد الكباري في عملية إصلاحه، وأنا أيضًا سأسهم في إصلاح هذا الوطن الذي نعيش فيه، ويعيش فينا، ولن أهتم بالشظايا التي من المؤكد أنها ستصيبني من جرَّاء هذا الإصلاح، كما لم يهتم الشهيد أحمد حمدي.
انتهيت من القراءة، لكنني لم أنتهِ من الحلم، حلم أن أصبح بطلاً، تُرى هل أتمكن من تحويل هذا الحلم إلى حقيقة واقعة؟! وإن لم أستطع أنا.. هل تستطيع أنت؟!.. هل يمكنك أن تصبح بطلاً كهؤلاء الأبطال الذين تحدثنا عنهم؟!.. وللحديث بقية..
- من الذي سيصبح بطلاً؟!.. استيقظ من حلمك يا أستاذ.. أنا إنسان واقعي.. الحمد لله عملتُ ما طلبوه مني.. أنا وقَّعت.. وكفى.
أولاً: من الذي طلب منك؟
- دعاة التغيير.
وأنت.. ألستَ من دعاة التغيير؟!
- أنا مع التغيير قلبًا وقالبًا، ووقَّعت على بيان التغيير، لكنني لست بطلاً، أنا أعرف قدراتي، ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، لم أكن قائدًا في يوم من الأيام، ولا أحلم بأن أكون زعيمًا في يوم من الأيام، أنا إنسان متواضع.
ما تقول عنه تواضعًا، هو ما أوصلنا إلى ما نحن فيه من تخلِّف في جميع المجالات، صرنا نقنع بالدون في كل شيء، خير أمة صارت أذَلَّ أمة.
- أرجوك قبل أن تتهمني أنا مجرد..
لا تكمل.. مهما كان عملك.. أردوغان رئيس وزراء تركيا كان بائعًا للسميط، لولا داسيلفا رئيس البرازيل كان ماسح أحذية.
- يا سيدي هؤلاء عاشوا في بلاد حرة تحترم كرامة الإنسان، ولا تُزَوَّر فيها الانتخابات.
وأنت، لقد جاءتك الفرصة كي تفعل شيئًا، لتصنع الأحداث، لتحوِّل بلادك إلى بلاد حرة، تُجرى فيها انتخابات حرة، يأتي فيها الشعب بمن يخدمه لا أن يكون الشعب خادمًا لحاكمه وعصابة حاكمه، وساعتها تستطيع أن تحلم بالترشح لرئاسة الدولة، أو البرلمان، أو المحليات، أو العمودية، أو الاتحاد الطلابي، أو على الأقل تعيش حياة كريمة.
- ماذا تقصد بهذه الفرصة؟!
حملة جمع التوقيعات على بيان الإصلاح، اجعلها ميدانًا لإبراز قدراتك، احمل أوراقك، وانطلق في الشوارع والمقاهي والشواطئ والبيوت والمؤسسات الحكومية والخاصة والقطارات، اشرح للناس أهمية الإصلاح وفائدة التغيير، واطلب منهم التوقيع، تسابق مع زملائك وأقاربك وجيرانك في جمع أكبر عدد من التوقيعات.
- الموضوع ليس بهذه السهولة، أخشى أن..
لا تخش السجن، فالسجن للرجالة، وكم من سجين كان سجنه سببًا في أن يكون وزيرًا أو إمبراطورًا أو رئيسًا!.. يوسف الصديق سُجن، ونابليون سُجن، والسادات سُجن.
لا تخش الإهانة والضرب، فأنبياء الله تعالى وهم أكرم البشر، منهم من شُتم، ومنهم من ضُرب، ومنهم من قُتل.
لا تخش فقدان الوظيفة، فالرازق هو الله تعالى، وكم من أناس طُردوا من وظائف متواضعة فصاروا مليونيرات!.
- ولكن ما علاقة جمعي للتوقيعات بالبطولة الوطنية؟
هي خطوة أولى مهمة جدًّا.. حيث ستكتشف نفسك، وسيكتشف الجميع مواهبك الدفينة، ويعرفون قدراتك، وستصبح بطلاً في محيطك، ثم ستتطور الأمور، وقد أراك يومًا ما بطلاً وطنيًّا، ومن ثم رئيسًا للجمهورية.. قل آمين.
- معذرةً لا أستطيع أن أقول "آمين" فالحائط له آذان.
إذا لم تقل أنت آمين، فهناك كثيرون غيرك ممن يقرءون حوارنا ويحلمون بأن يصبحوا أبطالاً و.. ولا بد أن أحدهم سيقول: آمين.