يُحكى أن ملكًا أقام سوقًا في مدينته، وأوصى التجار ألا يبيعوا في السوق إلا كل بضاعة نافعة صالحة، وأمرهم بعدم بيع أي سلعة تضر بأهل المدينة، واستجاب التجار، وبدأت عملية البيع والشراء كما كانت رغبة الملك، ودارت الأيام وجاء إلى السوق تاجرٌ يريد أن يبيع سلعةً من السلع التي تضرُّ بالناس، وتلحق بهم الأذى.

 

ورفض التجار أن يكون لذلك التاجر بينهم مكان، إلا أنه استطاع أن يُزين سلعته، ويظهرها في ثوبٍ جميل، وأبان لهم أنها ليست من السلع الضارة كما ظنوا، لكنها مفيدة، ورخيصة الثمن، وقد استوردها، وليس لها مثيل في مدينتهم، وتمكَّن التاجر أن يوجد لسلعته مكانًا في السوق، ورضي به التجار، ثم ما لبث أن جاء تُجَّار آخرون بأنواع وألوان مختلفة من تلك السلع الضارة، وبذات الحيل استطاعوا أن يروجوا بضاعتهم.

 

وهكذا كثُر التجار الفاسدون المفسدون، وراجت بضاعتهم، وامتلأ السوق بهم، وفرضوا سيطرتهم على السوق، وأصبح الإقبال على تجار السوق الأصليون ضعيفًا، كما أصبحوا قلةً في السوق، فمن المسئول عن سطو تجار الفساد على السوق؟ هل هم التجار الأصليون؟ أم الذين انخدعوا واشتروا هذه البضاعة وداوموا على شرائها، وقد ظهرت عليهم مظاهر ضرره؟ أم المسئول الإثنان معًا؟ تلك هي قصة شهر رمضان.

 

قالوا عن رمضان: إنه سوق الصالحين، ومتجر الطائعين؛ لأن الأجر فيه مضاعف، والعمل فيه مبارك، فرمضان سوق الخير، سوق الفضائل، سوق الرحمة، سوق الجنة، لكن.. من ذا الذي سطا على السوق فجعله موسم الخلاعة، وسوق المعصية، وتجارة اللهو والغفلة؟ إنهم في الظاهر أولياء الشيطان الذين وقعوا ضحايا في شباكه، لكن في حقيقة الأمر أن الصالحين هم الذين تسببوا في سطوهم! لا تتعجب ولا تفزع! نعم إنهم الصالحون، وذلك حينما رأوا جريمة هؤلاء الأشرار فتركوهم، حتى نفذوا جريمتهم، وملكوا سوقًا ليست لهم.

 

نعم إنهم الصالحون في أنفسهم، أولئك الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث.. فعن زينب بنت جحش- رضي الله عنها-: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم استيقظَ يومًا من نومه فزِعًا وهو يقول: "لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلَّق بين أصبعيه السبابة والإبهام". فقالت له زينب- رضي الله عنها-: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كَثُر الخَبَث". (رواه البخاري ومسلم).

 

فكيف يكثُرُ الخَبَث؟!

إنَّ المنكَر إذا أُعلن في مجتمع، ولم يجد مَن يقف في وجهه؛ فإن سوقه تقوم، وعوده يشتد، ورواقَه يمتد، وثماره تزداد خبثًا، ويصبح دليلاً على تمكُّن أهل المنكر وقوَّتهم، وذريعةً لاقتداء الناس بهم، وتقليدهم إيَّاهم، فما أحرصَ أهلَ المنكر على ذلك! وهل يظل الصالحون صامتون حتى يهلكوا مع الهالكين؟!