د. حلمي محمد القاعود

 

إذا كان رمضان المبارك ربيع القلوب على المستوى الشخصي أو الفردي، فإنه أيضًا ربيع الشعوب المسلمة، يستنهض همَّتها الروحية، ويستخرج أنقى ما فيها من عطاء وجود وكرم وتواصل، وقد كانت الغاية التي أشارت إليها الآية الكريمة التي شرَّعت للصيام متمثلةً في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 183) دليلاً للمسلمين على أن تكون التقوى أكثر اتساعًا وحضورًا في السياق الاجتماعي.

 

إن التقوى تخرج في رمضان من الدائرة الخاصة أو الشخصية إلى الدائرة الاجتماعية، ولعل أول معالم هذا الخروج تتمثل في أداء التراويح في جماعة؛ حيث يتلاقى أبناء الحارة وأبناء القرية وأبناء الحي في صلاةٍ جامعة، فيقابل بعضهم بعضًا، ويتزايد الرباط الاجتماعي، من خلال زيادة التواصل ومعرفة الأخبار، والمشاركة الإنسانية في المناسبات السارَّة وغير السارَّة.

 

ولعل أهم تواصل اجتماعي بعد الصلاة الجامعة في التراويح هو التكافل العام لأهل القرية أو المنطقة؛ حيث يستحضرون نعمة ربهم عليهم، فيعطفون على إخوانهم من الفقراء والمساكين والمحتاجين، ويكون العطاء والجود التزامًا بتوجيهات الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، وتنفيذًا لغايات الإسلام الكبرى في إعطاء السائل والمحروم، ونحمد الله سبحانه أن العطاء امتدَّ ليشمل صورًا متعددة، يتحقَّق من خلالها تكريم المحتاجين دون إهدار كرامتهم، أو إشعارهم بالحرج؛ حيث يقوم أهل الخير وما أكثرهم بتوصيل حقائب رمضان المعبَّأة ببعض العطاء إلى أصحابها في بيوتهم ومقارِّ إقامتهم، دون أن يذهبوا أو يطلبوا أو يسألوا الناس إلحافًا.

 

وهو الأمر الذي دفع السلطة عن طريق المنافسة إلى أن تقدم حقائب مماثلة من أموال الشعب وبكميات كبيرة، عن طريق مندوبيها من النواب أو أعضاء الحزب، ولكنها للأسف فشلت في التوزيع بطريقةٍ كريمةٍ تحفظ للناس كرامتهم وحياءهم، فرأيناها توزّع في الأماكن العامة، وملاعب الكرة، ويتقاتل الناس للحصول على بعض ما يوزَّع، وهنا يكون الأقدر على الوصول إلى الموزع هو مَن يأخذ، ولو كان لا يستحق، ولعل السبب في هذا يرجع إلى عدم الإخلاص، وعدم التوجه إلى الله، خاصةً أن القصد من العطاء الحكومي هو المنافسة مع أهل الخير الطيبين البسطاء، ومراءاة الناس.

 

ثم إن هناك ظاهرةً طيبةً ازدهرت في العقود الأخيرة، وهي إقامة الموائد العامة عند المساجد، وفي الشوارع والحارات؛ لتقديم الإفطار إلى الصائمين العابرين والمحتاجين، وقد امتدَّت الظاهرة من المدن الكبرى إلى المدن الصغرى، بل إن بعض القرى تقيم هذه الموائد في بعض أيام رمضان، أو في رمضان كله، وهذا يعني أن الخير مركوز في الفطرة الشعبية، وأن المسلمين لديهم استعداد للتكافل العام في صورته الأبعد والأشمل.

 

وما أكثر الخير حين نرى شبابًا يقفون في إشارات المرور وعلى الطرقات العامة، يحملون الماء وبعض التمور ونحوها؛ لإطعام الصائمين المسافرين في السيارات الذين لا يتمكَّنون من تحضير إفطار لسبب أو آخر.

 

وفي الحرمين الشريفين يغدق كثير من الفضلاء على المعتمرين وزوَّار البيت الحرام والمسجد النبوي، من الطعام والشراب، ما يكفي الألوف المؤلفة قربةً إلى الله سبحانه.

 

بل إن بعض الأفراد والجهات التي لا تعبأ بالعبادات أو تشريعات الإسلام تجد نفسها في رمضان داخلةً في السياق العام للشهر الكريم؛ فتقيم الموائد الرمضانية لإطعام الناس ساعة الإفطار وخدمتهم؛ لعل الله يغفر لهم، ويهديهم إلى الطريق الصواب.

 

وفي رمضان بدأ الوعي بإخراج الزكاة المفروضة، وخاصةً زكاة المال على مستحقيها، وهي ظاهرة لم تكن واضحةً في عقودٍ مضت، وإخراج الزكاة المفروضة مع زكاة الفطر في آخر رمضان له تأثيره الكبير في حياة الفقراء والمحتاجين، في ظل الغلاء وصعوبة الحياة، وهو ما يعني أن الشعوب الإسلامية تعيش في هذا الشهر الكريم ربيعًا غير مسبوق، أو لا تعرفه في الشهور الأخرى.

 

ولا يؤثر في هذا الربيع ما يقوم به بعض أصحاب النفوس الضعيفة، من شياطين الإنس؛ الذين يسعون إلى الكسب الحرام في هذا الشهر الكريم، أو محاولة تسويد الصفحة البيضاء، التي ينعم بها المسلمون بحكم ما يتفضَّل به المولى الكريم على عباده.

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حرم" (رواه النسائي والبيهقي، وصححه الألباني).

 

إن شياطين الإنس من الساعين إلى الكسب وكثير منه حرام، وبعضهم يتحرك بالعداوة والخصومة للإسلام، لإفساد صوم الناس، بل إفساد عقولهم وأفئدتهم، وربط رمضان الكريم بما يخالف غاية هذا الشهر الكريم، وهي التقوى.

 

أينما تلفَّت حولك تجد حصارًا إعلاميًّا وثقافيًّا، بالمسلسلات الهابطة، والبرامج التي تنتهك أخلاق المجتمع وقيمه وحرمته، وتسيل فيها الألفاظ العارية، والحكايات التي لا تليق بمنابر يفترض أن تكون راقيةً وساميةً، وبعيدةً عن الإسفاف والابتذال.

 

ولا ريب أن تجَّار المسلسلات والبرامج وأصحاب القنوات يهدرون كل قيمة طيبة من أجل الإعلانات وأموالها التي تدخل إلى جيوبهم، فلا يبالون بقيمة، ولا خلق، ولا فضيلة.

 

ثم إن هناك بعض تجَّار المسلسلات اكتفوا بالأموال الكثيرة التي تدفعها إليهم السلطة البوليسية الفاشية، بطريقة غير مباشرة؛ من عرق الشعب البائس المسكين؛ وذلك لتشويه التاريخ الإسلامي، أو إلغائه، أو خدمة مخططات إجرامية، تصنعها دول الشر الكبرى المتربصة بالإسلام والمسلمين.

 

ومن شياطين الإنس من يروِّجون للسهرات والحفلات الماجنة في الفنادق الكبرى، والذين يفتحون المقاهي والمطاعم في نهار رمضان، دون مراعاةٍ لشعور، أو خوفًا من الله، بالإضافة إلى ما يطلقون عليه اسم "الخيام الرمضانية"، واستمرار المصايف على شواطئ العراة، والذين يكسبون بلا جهدٍ ولا عرق، وبالطبع لا تنتظر من هذه السهرات أو تلك الحفلات والسلوكيات أثرًا لشهر رمضان، أو تتوقع أن يتذكَّر أحدهم صومًا أو صلاةً أو قيامًا أو زكاةً أو تكافلاً.. إنهم مردة الإنس الذين لم تغل فيه جوارحهم وشهواتهم.

 

والحمد لله رب العالمين فإن التيار الاجتماعي العام يرفض هذه الممارسات الشيطانية، ويكرهها، ويحاصرها، ولا شك أن هذا التيار سيقضي عليها في يوم ما بإذنه تعالى.

 

إن النفس البشرية تعشق الطهارة والنضارة، وهي إلى ربها أقرب، وإلى الخير أميل، وإلى الصالحات أسرع؛ ولذا فإن رمضان هو ربيع الشعوب، وهو الحصن الذي يجمعها في الصيام والقيام، ويدفعها إلى التكافل والتراحم، ومطاردة شياطين الإنس.

----------

* (المجد) في 17/8/2010م.