جزاكم الله خيرًا أخي عصام على هذه التزكية التي لا أستحقها، ولا أقول إلا ما يرضي الله، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون.

 

ولكن الحقيقة الواضحة الناطقة الصادقة هي في شخصكم الكريم أخي الحبيب؛ حيث إني لم أتعرف عليك رغم كوننا جيران طفولة ونشأة، ورغم كوننا أصدقاء رحلة طويلة في الحياة لأكثر من 40 عامًا، ورغم كون والدينا رحمهما الله أصدقاء في الطريق إلى الله تعالى لكني اكتشفتُ بعد اعتقالي معك أني لم أعرفك حقَّ المعرفة بل لم أكن أوفيك قدرك، لقد كنتُ أتساءل قبل اعتقالي معك: ما سر تفوق عصام العريان الديني والدنيوي؟ لماذا بوَّأك الله هذه المكانة والمنزلة على الصعيد الديني والسياسي؟ لماذا صار وجهك وبسمتك وإشراقة وجهك محل قبول من كلِّ الفصائل الوطنية والدينية حتى المخالفين معك؟ لماذا اختصك الله بهذه المزية رغم كونك مقارنة برعيل الإخوان من أصغرهم سنًّا ولست صاحب مال أو عزوة أو سلطان؟ أقول: كنتُ أتساءل ما سر هذا كله حتى منَّ الله علي وأهداني ضابط أمن الدولة سامحه الله أعظم هدية لم أكن أحلم بها حين أصدر أمرًا باعتقالي، ووجدت نفسي في سجن جابر بن حيان ثم نُقلت إلى سجن مزرعة طرة معكم، وأنا أترنم بأبيات أستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي:

قالوا: إلى السجن، قلنا: شعبةٌ فُتِحت   ليجمعونا بها في الله إخوانا

قالوا: إلى الطور، قلنا: ذاك مؤتمرٌ   فيه نقرِّر ما يخشاه أعدانا!

فهو المصلَّى نزكِّي فيه أنفسنا        وهو المصيف نقوي فيه أبدانا

معسكر صاغنا جندًا لمعركة           ومعهد زادنا للحق تبيانا

من حرَّموا الجمع منا فوقَ أربعةٍ   ضموا الألوف بغاب الطور أُسدانا!

راموه منفًى وتضييقًا، فكان لنا     بنعمة الحب والإيمان بستانا!

هذا هو الطور شاءوا أن نذوب به      وشاء ربك أن نزداد إيمانا

 

وكانت المنة العظيمة من الله أن ألقاك بل وأن أكون رفيقك في نفس الزنزانة، بل وأن نكون وحدنا والله ثالثنا في زنزانة لمدة شهر ونصف الشهر، يسر الله لي فيها أن أعرف عصام العريان على حقيقته بلا رتوش ولا تزويق ولا دعاية، رأيتك يا أخي عصام صوّامًا قوّامًا مرتلاً للقرآن كالحال المرتحل، كنت أكرر ختمات القرآن في الصلاة منذ 30 سنة وظننت أني وحدي في هذه الهبة لكني وجدتك على نفس الدرب، وحين سألتك عن ذلك قلت لي: لقد تعلمت ذلك من فضيلة الشيخ الغزالي رحمه الله، ووجدتك فوق حفظك لكتاب الله الكريم تقوم به الليل في صمت وهدوء وخلوة بلا تجمل ولا مراءاة ولا تسميع، فلم يكن غيري وغيرك وقبلنا رب العالمين يصحبنا، ولم أنس ذاك اليوم الذي جئتُ فيه من نيابة أمن الدولة بعد يوم طويل في حر رمضان تنتظر أمرًا مكررًا معروفًا بإعادة اعتقالك أو مد فترة الحبس، وحين جئت بنفس النتيجة ضاحكًا مستبشرًا رغم استمرار حبسك قلت في نفسي: لا يقوم بورده الليلة ولا يصلي قيام الليل، لكنك أخي وحبيبي كنت عند ظن ربك بك فنصبت وجهك وقمت كعادتك تناجي ربك الذي ألقى محبتك في قلوب الناس بكلامه، وتتملق إليه بإنعامه.

 

أذكر أني كنت أفتقدك قبل أن يؤذن للصلاة، وكنت أصلي السنن في الزنزانة قبل أن ألحق بكم في مسجد السجن، وكنت أتساءل أين يذهب فكنت أمني نفسي بأنك تنهي بعض الإجراءات الإدارية مع إدارة السجن، والتي كانت تحترمك وتستشيرك فيما يتعلق بأمور إخوانك المعتقلين، كنت أظن ذلك حتى تبعتك يومًا واكتشفت أنك تكون في المسجد قبل الأذان، وقبل أن يحضر كل إخوانك للصلاة، وقلت في نفسي ثكلتك أمك يا إمام أعورات عصام تتتبع؟.

 

أخي عصام لقد مكثت معك مدة شهرين كاملين لم أكن أستطيع أن أرفع عيني في عينك أو أناديك باسمك رغم تقاربنا في العمر لكنها الحقيقة، ولطالما حدثت الناس عنك وحكيت لهم كيف صار عصام العريان عصام العريان، أتذكر يوم سألتك كيف بدأت فذكرت لي قصتك وأنت في سنِّ الفتوة حينما صعقك التيار الكهربي، وكدت تشرف على الهلاك لولا عناية الله، وحينها قررت بعدها الالتزام والتوجه إلى عزَّ وجلَّ الذي نجاك، لقد قلت في نفسي: إن الله نجاه؛ لأنه يدخره لمهمة عظيمة جليلة، وقررت بإذن الله أن أكتب قصتها في كتابي القادم "بدايات ناجحة"، ولأعنونها بهذا العنوان: "يا لها من صعقة كانت بعدها الإفاقة".

 

أخي عصام أحس التراب في وجهي إن شئت فالله حسيبك ولا أزكيك على الله تعالى، لكنها الحقيقة التي يعلمها رب العالمين، لقد رأيت مما أنعم الله عليك من حميد الخصال وجميل السجايا ما يجعلني أفكر أن أكتب فيك كتابًا، لكني الآن أعكف على كتابي الثاني "منزلة التوبة".

 

أخي العريان كساك الله ثوب التقوى، لقد حباك الله قدرةً على القيام بعدة أعمال في وقت واحد كنت تقرأ الجريدة وتسمع المذياع وتقزقز اللب وتجيب على محدثك وتفكر وما أعظمها نعمة، نعمة التفكير والعقل الراجح الذي حباك الله به، ما كنت أختلف معك في رأي إلا وأعود بعد مراجعته إلى رأيك.

 

هذا أخي الحبيب بعض ما أسعفتني به الذاكرة التي هيجتموها بمقالتكم؛ حيث كنت أحاول أن أتناسى ما جرى معي، خاصةً مع قدوم شهر رمضان أتدري لماذا؟ لأنني قررت أن أسامح ضابط أمن الدولة الذي أصدر الأمر باعتقالي وحرماني من مسجدي ومن جمهوري، نعم أخي قررت أن أسامحه بل وأدعو له ولإخوانه الضباط بدعاء حبيبنا- صلى الله عليه وسلم-: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"، نعم يا أخي هم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، والعجب أن منهم المصلي الصائم والقارئ للقرآن، فلا نقول إلا ما يرضي رب العالمين، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.