الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد،،
فإني قد تشرَّفت بالاطلاع على تعليقات بعض الأحبة المشاهدين والمتصفحين لموقع (إخوان أون لاين) على ما كتبته تحت عنوان "إيضاحات حول زكاة الفطر"، ويطيب لي أن أُجيب على بعض ما ورد.
1- الأخ الفاضل د. مصطفى شلبي
الذي أراه حسب التقدير- والله أعلم- أن أقل قيمة لزكاة الفطر 10 جنيهات، وتختلف حسب المستوى المعيشي للإنسان، فليس التمر كالزبيب ولذا فهي تزداد، فقد تصل للبعض إلى 25 أو إلى 50 عن كلِّ فرد, وعمومًا من وسَّع.. وسَّع الله عليه, هذا والله أعلم.
2- الأخت: مي، من المحلة
لا علاقة لزكاة الفطر بالنسبة للراتب؛ لأنها زكاة على الشخص تجب على من يعوله، حتى الصغير الذي وُلد قبل نهاية رمضان تجب على وليه الزكاة "زكاة الفطر", وبالنسبة لزكاة المال فهي واجبة على من ملك النصاب "أي قيمة 85 جرامًا ذهبًا"، وحال عليها الحول "أي سنة قمرية"، وكانت الملكية لهذا المال ملكية تامة "أي خالية من الدين", زائدة عن حاجاته الأصلية.
وقيمة زكاة المال ربع العشر "2.5%", وتعطى للفقراء والمساكين غير المكلف الغني بالنفقة عليهم؛ لذا لا تجوز للوالد والوالدة أو الزوجة أو الأولاد, وإخراجها لأهل فلسطين جائزة.
هذه إشارات، وفي الأمر تفاصيل أكثر، هذا والله أعلم.
3- الأخ عادل
قول النبي صلى الله عليه وسلم:"افعل ولا حرج" كان في موسم الحج، وبالتالي لا يصلح كدليل في أمر الزكاة، ولكن الشريعة تدعو إلى التيسير ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية 78)؛ ولكن النصوص واجبة الاتباع, أما عن نقل الزكاة لبلدة أخرى ففيه خلاف، ويجوز للقريب، والأشد حاجةً، هذا والله أعلم.
4- الأخ عبد الحكيم الحجاز
طبعًا لا نُحب التعصب للرأي, وأيضًا لا نتهم أحدًا بالتعصب بالرأي, كل الذي علينا أن نوضح الحقائق, ومن أخلاقيات المؤمنين أن لا نتهجم على أحد، خاصة السادة العلماء والأئمة العظام مثل الأئمة الأربع: أبو حنيفة, ومالك, والشافعي, وأحمد.
وأن المتتبع لأقوال العلماء مثلاً نجد البخاري يؤيد الإمام أبو حنيفة فيما ذهب إليه مع أنه كثيرًا ما يخالفه (فتح الباري 3/311-312), وسنجد أن من الصحابة والتابعين من أرشد إلى ما أرشد إليه الإمام أبو حنيفة, وهذا ابن تيمية يقول: "وأما إذا أعطاه القيمة ففيه نزاع: هل يجوز مطلقًا؟ أو لا يجوز مطلقًا؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة، أو المصلحة الراجحة؟
على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، وهذا القول-أي الأخير- أعدل الأقوال.
فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة، فاشترى رب المال له بها كسوة، وأعطاه فقد أحسن إليه، وأما إذا قوم هو الثياب التي عنده وأعطاها، فقد يقومها بأكثر من السعر.." المجلد 25(79/80).
وفي واقع الأمر نتساءل هل التزم جميع الأئمة بالنص؟
الإجابة لم يلتزموا بظاهر النص, فمنهم من فهم أن المراد الإغناء للفقراء بالطعام, ومنهم من فهم الإغناء بما يكال ويدخر؛ ولذا جعلوا الأرز وغيره مما يجوز إخراجه, فهل من الممكن القول بأن هؤلاء لم يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أخي الفاضل..
الأمر ليس مخالفة أبو حنيفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنا نستبعد هذا على عالم جليل، ولكن هو خلاف فهم الإمام أبو حنيفة لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما فهمه لبعض العلماء لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا.
وهذا أيضًا نص آخر لفتوى للإمام ابن تيمية - رحمه الله..
وسُئل -رَحمه الله- عمن أخرج القيمة في الزكاة, فإنه كثيرًا ما يكون أنفع للفقير:
هل هو جائز؟ أم لا؟
فأجاب: وأما إخراج القيمة في الزكاة, والكفارة, ونحو ذلك.
فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد- رحمه الله- قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقرَّ النص، ومنهم من جعلها على روايتين.
والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة, ولا مصلحة راجحة، ممنوع منه, ولهذا قَدَّر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين، أو عشرين درهمًا، ولم يعدل إلى القيمة, ولأنه متى جوَّز إخراج القيمة مطلقًا، فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر, ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة, أو العدل، فلا بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه، أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا، أو حنطة، إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك.
ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كافٍ، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة, لكونها أنفع، فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء، كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن: ائتوني بخميص، أو لبيس أسهل عليكم، وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار.
وهذا قد قيل إنه قاله في الزكاة، وقيل: في الجزية.(مجلد صـ 82/83)
كما يسعدني أن أُبَيِّن رأي الشيخ الألباني- رحمه الله تعالى..
الجواب التاسع: فتوى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله
سُئل الشيخ الألباني رحمه الله: هل يجوز إخراج قيمة صدقة الفطر بدلاً من عينها؟
فأجاب فضيلته:
هذا لا شك يجاب عنه بحسب الظروف والبيئة, فهناك بيئات متأثرة بالمدينة والحضارة, الناس لا يطحنون بأيديهم, فإذا أعطى أحدَ الفقراء المتصدقُ قمحًا أو شعيرًا فإنه لا يحتاجه وسيلجأ إلى بيعه، ثم بعد ذلك يأخذ المال ويشتري ما يحتاجه من طعام وشراب يوم العيد.. فحينذاك نقول إذا تمسكت بإخراج الأعيان التي ورد النص بزكاة الفطر منها نكون قد آذينا الفقير، وسبَّبنا له الضرر مرتين، مرة حين باع هذه الأنواع فإنه سيخسر فيها.. ثم إذا أراد أن يشتري مرة ثانية شيئًا آخر المهم يتأذى.
وهذه المسألة بالنسبة لزكاة الفطر ليست مسألة من العبادات التي لا يدري الحكمة منها ولا يعرف وجه المصلحة التي رمى الشارع إليها، فنقول هكذا ورد الشرع فليس علينا إلا التسليم كسائر العبادات.. بينما هنا أمور مفهومة الحكمة والمعنى.. فلا شك أن الشارع أراد بها مصلحة الفقير, ومصلحة الفقير هنا في مثل هذه البيئات تتضرر إذا تمسكت بإخراج أعيان.
الصواب ما عليه الأحناف من جواز إخراج القيمة في مثل هذه البيئة (الحاوي لفتاوى الشيخ الألباني).
هذا من كتاب كيف تُقَدَّر وتُؤَدَّى زكاة الفطر للأستاذ/أحمد عبد التواب سلطان، طبعة مكتبة وهبة 1425هـ- 2004م.
ولعلني اقتصرت على رأي الإمام ابن تيمية والشيخ الألباني؛ لأن الكثير ممن لا يقبلون الرأي الآخر يعتمدون على آرائهم- وهم بلا شك أئمة وأعلام, ولكن علينا أن نُدرك أن الأئمة في الأمة أكثر من هذا بكثير, وعلينا حبهم جميعًا, والسعي لفهم الآراء الصادرة عنهم.
5- أما الفاضل الذي أسمى نفسه "أُحب الإخوان" فإن بسط الأدلة يحوّل الحديث العابر إلى بحث طويل، وأهل الانترنت- أكثرهم- لا يقبل ذلك، بل يُحِب البحث السريع, وأهل التخصص يدركون مصدر البحوث, وهذه نقطة سريعة كم أخذت من البحث عند عالمين فما بالك لو استعرضت معك كل الأدلة؟!.
6- شكرًا لكم، ولباقي الإخوة السيد المصري, وحسن.. وجزاكم الله خيرًا.