في رمضان الماضي قدَّم مسرح الشباب العرض المسرحي "الجبل" عن رواية الكاتب المغربي الطاهر بن جلون، تحمل عنوان "ليلة القدر"، ويُعاد عرضها هذا العام على المسرح العائم، ويبدو أن إدارة مسرح الشباب لم تجد في عروضها التي أنتجتها طوال العام أفضل من هذا العرض؛ لتقدمه بعد مضي عام من انتهاء عرضه.

 

والرواية تحكي عن فتاة اسمها زينب عاشت طوال عمرها، وهي تعتقد أنها رجل، فهي الابنة الرابعة لأب لم ينجب سوى البنات، وفي ليلة القدر وقبل لحظات من موت والدها، يخبرها أنها امرأة، فتهرب من واقعها، وتنزل على مدينة أخرى لتعمل في خدمة متصوف أعمى، يتقرَّب منها، ويحرِّك داخلها مشاعر الأنوثة، فتقع في حبه؛ لكونهما يملكان سرًّا خفيًّا، وعندما تبدأ الحياة في الاستقرار لها يأتي عمها للبحث عنها، ويخبر أخت هذا المتصوف بأنها قد هربت من أهلها بعد أن سرقت ميراثها.

 

العرض كله لم يكن سوى لحظة في ذهن زينب التي اصطدمت بمشاعرها كأنثى، عندما أخبرها والدها قبل موته بأنها امرأة، فبدأت تتكشف لها الحقائق، فكل شيء في هذا العالم له وجهان متناقضان؛ فالمسبحة من الممكن أن تكون مسبحةً أو عقدًا لراقصة، والصورة من الممكن أن نرى أجزاءً منها بوضوح ولا نرى أشياء منها.

 

وتحلم زينب بالانطلاق والانتقال من مكانها حاملةً سرها، فيظل سرها يطاردها حتى عندما ترغب في العيش في سلام في خدمة متصوف أعمى، والاستمتاع بأحلامه، والوقوع في حبه، فيأتي العم ليهدم كل أحلامها، ويخبرهم بحقيقتها، فتفيق من هذا الحلم على حمل جثمان الوالد إلى مثواه الأخير.

 

قام بعمل الإعداد لهذه الرواية حاتم حافظ الذي استطاع وباقتدار أن يكثِّف أحداث الرواية الكبيرة تكثيفًا، لا يخل ببنيانها الدرامي، أو يعظِّم حدثًا على حساب حدث آخر، كما قام بوضع بعض الأشعار التي اختارها بعناية لابن عربي وأبي نواس وأبو العلاء المعري والسهرودي ونازك الملائكة، والتي عكست بعض الحالات النفسية للممثلين.

 

كما استطاع عامر التوني وفرقة "المولوية" إضفاء حالة من الصوفية على العرض بإلقاء هذه الأشعار، من خلال موسيقى حية على المسرح، وبوجود الراقصين في حالة دوران دائم، وهي حالة الإنسان في محاولة بحثه الدائم عن كينونة نفسه، فالعرض كله يحاول أن يقول إننا كلنا زينب نبحث دائمًا عن ذواتنا حتى تأتي اللحظة الصادمة؛ لتتكشف فيها حقيقتنا، وللأسف زينب لم تستطع أن تحيا حقيقتها كأنثى سوى لبضع لحظات في خيالها فقط.

 

قام بإخراج العرض المخرج عادل حسان، وهو مخرج شاب مقل في أعماله؛ ولكنه يختار أعماله جيدًا، فكل عمل يقدمه يترك بصمة ويصّعب على نفسه مهمة إخراج العرض الذي يليه؛ لكنه يستطيع في كل مرة أن يكسب التحدي، ويقدِّم عرضًا يفوق عرضه الذي يسبقه؛ فهو يحضِّر لكل عمل تحضيرًا جيدًا، كما أنه يركِّز في كل تفاصيل العمل؛ ليخرج في أفضل صورة ممكنة، فقد جمع مجموعة جيدة من الممثلين، على رأسهم أمل عبد الله التي قامت بأداء دور زينب، والتي أقنعت الجميع في بداية العرض بأنها رجل لا امرأة، وخدعت البعض بحركاتها وملابسها وإيماءاتها بأن من يمثِّل أمامهم رجل، كما قدَّم أحمد مختار دور العابد الصوفي الذي تقع في حبه زينب وقد تقمص دور الأعمى جيدًا، وبالرغم من صعوبة الدور لأن الشخصية التي رسم لها الحركة المخرج تصعد وتهبط من على سلالم حديدية طوال العرض؛ لكنه أدَّى دور الأعمى دون تكلف أو مبالغة أو خوف، أما عامر التوني الذي أمتع الجمهور بإلقائه للأشعار، فقد كان يجذب إليه الآذان والقلوب عندما يلقي الأشعار الصوفية في حب الله والرسول صلى الله عليه وسلم، فقد صهر المخرج كل هذا في بوتقة إبداعه، وأخرج لنا عرضًا رائعًا؛ قلما نجد مثله من عروض يقدِّمها البيت الفني للمسرح.

-------------

* ناقد فني ومخرج مسرحي