حين يعيش الناس في كنف أخلاق الإسلام، ويمارسون فضائل الأخوة بأرفع وأعلى معانيها؛ تتحول الحياة من صحراء جرداء إلى جنة خضراء، أما حينما يتنافس الناس على الدنيا الفانية بصورة مذمومة وبمادية بعيدة عن رباط الأخوة ومدارس التربية وجفاء النواحي الروحية؛ فإن الدنيا تتحول إلى سجن معنوي كبير، وتصبح الحياة جافةً، ويذهب معين التراحم والتكافل وتنسد شرايين الحب والإخاء.
وتعلَّمنا من الإسلام الحنيف ابتداءً من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم والصحابة الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أرقى وأعلى درجات الأخوة بصورة عملية وبقدوة تربوية.
ونعود بالذاكرة لنعيش في واحة القرآن، حينما تنزَّل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان قرآنًا يمشي بين الناس، ويضرب لهم أعظم القدوة عبر التاريخ في كل معاني الأخوة، وعلى رأسها الإيثار، وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: من الآية 9)، والإيثار هو أعلى درجات السخاء، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه، والأخلاق عطايا يضعها الله عزَّ وجلَّ حيث يشاء.
وتعالوا نقلِّب صفحات التاريخ لنرى النور المشرق ينبعث من مشكاة الإيثار في حياة الأمة.. ففي معركة اليرموك استشهد عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وجماعة من بني المغيرة، فأتوا بماء وهم صرعى، فتدافعوه حتى ماتوا ولم يذوقوه.
أتي عكرمة بالماء، فنظر إلى سهيل بن عمرو ينظر إليه، فقال: ابدءوا بذا، فنظر سهيل إلى الحارث بن هشام ينظر إليه، فقال: ابدءوا بذا، فماتوا كلهم قبل أن يشربوا، فمر بهم خالد، فقال: بنفسي أنتم.
وأًهدي إلى رجل من الصحابة برأس شاة، فقال "إن أخي أحوج إليه مني فبعث به إلى رجل، فبعث ذلك إلى آخر حتى تداولتها سبعة بيوت فرجع إلى الأول".
وخرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له، فنزل على نخل لقوم فيها غلام أسود يعمل فيها، إذ أتى بقوته فدخل الحائط كلب فدنا من الغلام، فرمى إليه قرصًا فأكله، ثم رمى إليه قرصًا فأكله ثم ثالثًا، وعبد الله ينظر، فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت، قال فلمَ آثرت به هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب، جاء من مسافة بعيدة جائعًا فكرهت رده، قال: فما أنت صانع؟ قال أطوي يومي هذا، فقال عبد الله بن جعفر: ألامُ على السخاءِ وهذا أسخى مني، فاشترى الحائط وما فيه من آلات، واشترى الغلام وأعتقه ووهبه له.
واجتمع جماعة من الفقراء في موضع لهم وبين أيديهم أرغفة معدودة لا تكفيهم، فكسروا الرغفان، وأطفئوا السراج وجلسوا للأكل، فلما رفع الطعام إذا هو بحاله لم يأكل أحد منهم شيئًا إيثارًا لأصحابه.
وينحني التاريخ ونحن معه إجلالاً وتعظيمًا لموقف سعد بن الربيع مع أخيه عبد الرحمن بن عوف "لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالاً فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ، فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ؛ أَيْنَ سُوقُكُمْ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَهْيَمْ" قَالَ: تَزَوَّجْتُ، قَالَ: "كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟" قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ" (رواه البخاري).
ولقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار والأمة إلى يوم الدين إلى ما سيحدث لأخلاق البشر، فقال عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ: "إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي وَمَوْعِدُكُمْ الْحَوْضُ" (رواه البخاري)، والأثرة: هي الشح والبخل.
واعلم أخي الحبيب وأختي الفاضلة أن أعلى مدارج الإيثار أن تؤثر رضا الله على غيره، ولا تخشى في ذلك لومة لائم، وهي درجة الأنبياء، فقد تجردوا لدعوة الله تبارك وتعالى، واحتملوا عداوة الخلق كلهم، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم بلَّغ، وجاهد، وأقام الحجة، وتمَّت النعمة، وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك حتى أتاه اليقين ورضي لنا الدين.
ولا بد من توالي المحن على صاحب هذه الدرجة ليتأخر من ليس أهله، فإذا احتملها وتقدَّم؛ انقلبت هذه المحن منحًا بقدر ما تحمل، وتحولت المخاوف أمنًا.. فيا خيبة المتخلفين.. ويا ذلة الخائفين.
ومرضاة الخلق درجة لا تُدرك، فلا بد من سخطهم عليك، ويتجلى هذا بصورة أكبر في صراع المصلحين مع المفسدين؛ فلأن يسخطوا عليك وتفوز برضا الله عنك أحب إليك وأنفع ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ (66)﴾ (الزمر)، ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (القصص: من الآية 60).
وخطوات الحصول على الميدالية الذهبية للإيثار تشمل التدريب الشاق للنفس، بكبح جماحها، والتمرين المستمر في ساحات الإيمان، ومصاحبة أصحاب الهمم العالية، والقدوة الطيبة بالأخلاق العالية، ومعرفة حقيقة الدنيا، وترك التنافس المذموم فيها والإنابة إلى دار الخلود، واليقين فيما عند الله من الثواب العظيم للمؤمنين، والاستعداد ليوم الرحيل.
تلك هي سريعًا خطة التحلي بخلق الإيثار لإحراز الأهداف في مرمى الدنيا والفوز بالميدالية، أما عن الأثرة فلنا حديث آخر في شأنها للوقاية والعلاج.