أخشى أن يُسهم بعضنا من خلال ممارساته السياسية وخطابه الإعلامي- دون قصد- في تكريس الفهم الجزئي للإسلام، والذي أدَّى إلى كارثة تفريط الأمة في بعض أو معظم إسلامها، تلك التي ألمَّت بالجسم الإسلامي من المحيط إلى المحيط، وأصابته بهزال شديد وقصور فادح أدَّى إلى تداعي الأمم عليه من كل جانب.
إن كل خطاب سياسي صادر عن داعية إسلامي لا يُطرح من خلال المنظور الإسلامي هو إسهام في ذلك التكريس، ربما على عكس ما يريد صاحبه، ومن ذلك مطالبة الجماهير بالسعي لإصلاح الحكومة أو تغييرها دون تأسيس ذلك على مسئولية الجميع- حكامًا ومحكومين- أمام الله عن تعطيل أحكام الشريعة في كثير من مناحي الحكم، أو دون انطلاق من التكليف الشرعي الموجِب لمقاومة الظلم والناهي عن السكوت عنه، أو دون تبيان العلاقة بين حال الحكام وحال الشعوب، وأن الأولى نتيجة للثانية، وبالتالي تبيان معنى الإصلاح الشامل فردًا ومجتمعًا وحكومةً كما أراد الإسلام.
أعلم أن واقع مرحلة ما قد يملي علينا إبراز جانب على غيره من جوانب الدعوة، لكنَّ طرح ذلك الجانب بشكل مجرد ومستقل دون دمجه في الدعوة للعودة إلى الإسلام إجمالاً؛ يعدُّ وقوعًا فيما أخذناه على من جزَّءوا الإسلام بتجريده من أحد جوانبه وتشويه فهمه، رغم اتجاهنا المعاكس لهم وخصومتنا معهم.
إن حشد وتعبئة جمهور الأمة حول الإسلام- الإسلام كله وليس جزءٌ منه- هو بمثابة العمود الفقري لدعوتنا ومشروعنا وإن شئت فقل هو مشروعنا ذاته.. إنه الإسلام الشامل الذي ينبغي لنا حراسته والثبات عليه والحذر من التفريط في جزء ولو كان يسيرًا منه أو الانخداع بغيره.. إنه الإسلام الذي لا نجرِّده من السياسة ولا نمارس السياسة دون انطلاق منه كما يريد المتآمرون.. إنه الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الإمام البنا السياسة جزءٌ منه والحرية فريضة من فرائضه، وهي كلمات واضحات كالحق الأبلج لا لبس فيه ولا غموض.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)﴾ (البقرة).