يبدو أن صنَّاع السينما افتقدوا ما هو جيد من سيناريوهات، فاتجهوا إلى الرواية؛ ليأخذوا منها ما يمكن أن يساعدهم في تقديم سينما قد نتفق معها أحيانًَا، ونختلف معها كثيرًا، فمنذ أن نجحت رواية عمارة يعقوبيان للروائي علاء الأسواني؛ حيث تم تقديم عدة أعمال تحمل نفس الخطاب السياسي، وكان من آخرها "عصافير النيل" للمخرج مجدي أحمد علي، ومن بعده يبدأ المخرج الشاب أحمد غانم مشواره الفني بإخراج فيلم عن رواية والده الروائي فتحي غانم تلك الأيام، والذي شارك علا عز الدين في كتابة السيناريو والحوار لها؛ لتتحول الرواية من العصر التي كُتبت فيه في ستينيات القرن الماضي إلى الوقت الحالي، ولتتشابك مع واقعنا الذي نعيش فيه.

 

تدور أحداث الفيلم في إطارٍ لثالوث، كثيرًا ما قدَّم من قبل على شاشات السينما هو الزوج والزوجة والدخيل على الأسرة، ولكن هنا نجد ثلاث دوائر متقاطعة من الشخصيات مرسومة بعيدًا عن المعتاد في السينما، ومناقشاتها السطحية الساذجة التي تحصر العلاقة بين هذا الثالوث في الأمر الجنسي فقط.

 

تبدأ الأحداث بالدكتور سالم عبيد الصحفي الكبير والأستاذ الجامعي الذي جاء من إحدى قرى مصر؛ ليلتحق بالجامعة، وكان شابًّا متحمسًا، واشترك في المظاهرات، ولكن مع أول صفعة أفشى أسرار زملائه، وتغيَّر أسلوب تفكيره فأصبح وصوليًّا، فعندما عرف أن أمريكا هي الآن المتحكمة في الأمور ذهب إلى هناك؛ للحصول على درجة الدكتوراه، وعند عودته أصبح أداةً من أدوات تلميع النظام والدفاع عنه والتسويق له، وبثَّ سمومه بين الطلبة، فهو يلعب دور المعارض السياسي للنظام، ويروِّج أفكاره بطرق أخرى، وهذا الأستاذ الجامعي عندما تزوج اختار إحدى طالباته الفقراء، فقام بمساعدة عائلتها؛ ليرتفع بمستواهم المادي؛ لتصبح الابنة أسيرة هذا الفضل، وتعيش معه مجرد ديكور أو قطعة من الإكسسوار المكمل لصورته الاجتماعية، وعندما يبدأ في كتابة كتاب عن الإرهاب ترشح له وزارة الداخلية أحد ضباطها السابقين، الذين عملوا وتفوقوا في هذا المجال، ولكنه قدَّم استقالته من الخدمة لقتله أحد الإرهابيين انتقامًا لقتله زميله الضابط، وعندما يتعرف الضابط على زوجة الأستاذ الجامعي تتذكره، فهو قد أنقذها من أحد الاعتداءات الإرهابية، وعندما يعلم الأستاذ الجامعي بترشحه لنيل منصب وزير يبدأ في عمل شخصية بطولية لنفسه؛ ليحصل على هذا المنصب الرفيع، فيحاول عقد صفقة مع الضابط ليقتل زوجته، ويقوم بإعلان عن أنه من كان مستهدفًا من هذا الاغتيال، ويحاول إقناع الضابط بالمهمة معتبرًا أنها مهمة وطنية لا تستوجب الندم لكن الضابط يرفض.

 

وفي إحدى البرامج التليفزيونية يتم استضافة الأستاذ الجامعي، ويتحدث في أثناء الفاصل في تليفونه، ويكمل حديثه ولا يعلم أن ما يقوله يبث على الهواء، فيتحدث عن فساد السلطة ويسيء لكل من يتملقهم، وحتى زوجته ويصرح بخيانتها له، وعندما يعلم أن كل ما قاله قد سمعه الجميع يتأكد أن حلم الوزارة لن يتحقق، فيعود إلى بلدته وتنتهي أحداث الفيلم بانتحار الأستاذ الجامعي.

 

اعتمد المخرج كثيرًا على تذكر الماضي من خلال الفلاش باك الذي أربك العمل كثيرًا، وتم استخدامه بمبرر وبدون، فأفقد العمل حيويته، وأدَّى إلى رتابة شديدة في الإيقاع، ولكن الموسيقى كانت تمثِّل حوارًا منفردًا في الأوقات التي يصمت فيها الممثلون، مبرزة الحالة الداخلية للشخصيات، ومدى التوتر في العلاقات بينها، كما نجحت الإضاءة كثيرًا عندما استخدم المخرج تقنية نصف الوجه المضاء؛ ليدلل على أنصاف الحقائق، وأن لكل شخصية بُعدين؛ بُعد من الممكن أن نراه أمامنا، وبُعد آخر خفي لا يمكن رؤيته رأي العين، ومع ذلك تبقى نهاية الفيلم غير منطقية؛ لأن الانتهازيين والوصوليين والمتملقين لا ينتحرون أبدًا؛ لأنهم ببساطة يلهثون خلف أملِ أَنْ يصلوا إلى مبتغاهم في يوم من الأيام.

 

ضم هذا الفيلم مجموعة من الممثلين الضيوف، ولكن أبطاله الأساسيون هم: محمود حميدة في دور سالم عبيد الأستاذ الجامعي، وأحمد الفيشاوي في دور علي النجار ضابط الشرطة، وليلى سامي في دور أميرة زوجة الأستاذ الجامعي التي كانت في غاية التكلف، وبطيئة جدًّا في الكلام، ربما لأنها المرة الأولى التي تقف فيها أمام كاميرا السينما.

 

أما أحمد الفيشاوي قد حاول إظهار ما بداخل شخصية الضابط من انفعالات وعذابات تأرِّقه مما فعل، من قتل أحد الإرهابيين بعد أن جرَّده من سلاحه انتقامًا لمقتل زميله، ولكن في بعض الأحيان كانت تبوء محاولاته بالفشل.

 

أما محمود حميدة، فكان أداؤه التمثيلي عال جدًّا، فهو من أعطى قبلة الحياة لهذا الفيلم؛ حيث أمسك بخيوط هذه الشخصية؛ ليجعلها من لحم ودم على الشاشة، وكأننا نرى أحد ساسة هذا الزمان، وهم يتلونون بألف لون، ويلعب على كل الحبال؛ ليصل إلى مبتغاه، مثل ما نراه كل يوم بين رجالات السلطة الحاليين، الذين بدءوا مؤمنين بالأفكار الاشتراكية، وانتقلوا إلى تبني الفكرة الرأسمالية، ثم يدافعون الآن باستماتة عن الوضع الحالي غير المحدد الملامح، ونجح حميدة في نقل إحساس هذا الانتهازي الذي من الممكن أن يضحي بكل من حوله في سبيل أن يصل إلى مبتغاه، رغم إيمانه الداخلي بمدى فساد السلطة التي يحاول دائمًا أن يقدم إليها فروض الولاء والطاعة.