"كل واحد في الثمانين مليون عاوز له رئيس يتدخله" جملة أنهى بها المؤلف محمود الطوخي أحد فصول مسرحيته "دستور يا أسيادنا" على لسان البطل محمود، بعد أن قرر الترشح في الانتخابات الرئاسية، وتطوع الجميع لإظهار ولائهم للرئيس، فتخلَّى عنه كل من حوله، ونكل به مديره في العمل، وتبرأ منه أقرب المقربين له، وعندما حضر مندوب الرياسة ليرحب به كمنافس للرئيس في الانتخابات، كان كمن تم إنقاذه من الموت المحقق، تذكرت هذا المشهد، وأنا أتابع احتفاء الصحف القومية وبعضًا من الصحف التي تُطلق على نفسها مستقلة بلقاء الرئيس وفدًا من الفنانين المصريين وعلى رأسهم نقيب الممثلين د. أشرف ذكي، وبصحبته عدد من الممثلين والممثلات، وكعادة أغلب من يخرجون من مقابلات الرئيس يصرحون للصحف أن الرئيس في غاية الظرف، وأنه كان يداعبهم و"ينكت" معهم، ولكن هذه المرة زاد هذا التصريح عن سابقه، بأن الرئيس يتمتع بصحة جيدة وذاكرة حاضرة ومعرفة "دبة النملة" في البلد، فهي رسالة واضحة الدلالة عن مدى قدرة الرئيس على السيطرة على مقاليد الحكم، وإمكانية استمراره في منصب الرئاسة.

 

وجاء هذا اللقاء بعد أن التقى الرئيس الممثل طلعت زكريا الذي شكر الرئيس على تدخله في آخر لحظة، وأمر بعلاجه على نفقة الدولة في الخارج، واتصاله به تلفونيًّا للاطمئنان عليه، ويبدو أن الرئيس قد نسي أو تناسى العديد من النجوم الذين غابوا عن الأضواء والشهرة، ولا يلقون رعاية أو اهتمامًا بهم، فأغلبهم الآن يعانون الوحدة، ويتألمون من ابتعاد الناس عنهم، ويخجلون من التسول أو طلب المساعدة من أحد، فمساعدة طلعت زكريا جاءت؛ لأنه ما زال ملء السمع والبصر، ومساعدته سوف تستخدم لتلميع صورة النظام، أما النجوم الآخرون فقد ذهبت نجوميتهم، وبالتالي لا يتدخل لهم الرئيس في شيء كجورج سيدهم، وفؤاد خليل، ومحمود القلعاوي، والمنتصر بالله، وغيرهم الكثير من الممثلين، وكان آخرهم الممثل الشاب محمد علي الذي تنبأ له الكثيرون بمستقبل كبير في "الكوميديا"، ولكنه أُصيب بالسرطان، ولم يمد له أحد يد العون، فمات لعدم قدرته على مواصلة رحلة العلاج.

 

ومن المعروف للجميع أن هؤلاء لا يستطيعون طلب المساعدة من نقابة الممثلين، التي هي أيضًا تعاني الإهمال وعدم وجود أي اهتمام بها من قِبَل الدولة، فعلى الرغم من أن هناك مجموعةً من أعضاء النقابة يعدُّون على أصابع اليد يحصلون على الملايين، والتي سوف تتضاعف الموسم القادم؛ لتصل إلى أكثر من الثلاثين مليونًا، إلا أن بقية أعضاء النقابة البالغ عددهم 3500 عضو يعانون أشد المعاناة من البطالة وتدني مستوى المعيشة، فالنقابة لا تستطيع توفير أي شيء لهم؛ لأنها لا تملك شيئًا تعطيه لهم، فالنقابة ما هي إلا شقة متواضعة في منطقة وسط البلد، ولا يوجد أي رافد من روافد التمويل للنقابة، كما أن العضو عندما كان يخرج على المعاش كان يتقاضى 250 جنيهًا، رفعها د. أشرف زكي إلى 375 جنيهًا بعد معارك رهيبة، ومنذ أن تولَّى النقابة وهو يقاتل من أجل إصدار قانون حق الأداء العلني للممثلين؛ ليكون رافدًا من روافد النقابة، ودخلاً للعاملين بالأعمال الفنية لا ينقطع بمجرد إنهائهم العمل، ولكن لا يوجد أحد من رجالات النظام يريد أن يسمع منه أو يحاول مساعدته في رفع مستوى أعضاء النقابة، أو مساعدتها في مشروعاتها، فللأسف لا يوجد تأمين صحي لأعضاء النقابة، كبقية النقابات الأخرى، ويعاني أعضاؤها من البطالة، ولا يوجد أي نوع من أنواع الدعم لأي نشاط من الممكن أن تمارسه النقابة، ولا يوجد حتى مقرٌّ لائق بأعضاء النقابة، من الممكن أن يجتمعوا فيه أو يجروا فيه انتخاباتهم، التي تُجرى عادة في مسرح السلام بشارع القصر العيني؛ لأنه لا يوجد مكان يمكن أن تجري فيه انتخابات النقابة غيره.

 

وعندما علم النقيب د. أشرف زكي بذهاب زميل دراسته ودفعته بالمعهد العالي للفنون المسرحية الممثل طلعت زكريا لمقابلة الرئيس، طلب منه النقيب- بما عُرف عنه من ذكاءٍ في اقتناص الفرص- أن يطلب مقابلة الرئيس له ومجموعة من الممثلين؛ ليطمئنوا على صحة الرئيس، ولكن في الحقيقة فإنه كان يريد العديد من الطلبات؛ ليأخذ بها وعدًا رئاسيًّا بالتنفيذ، فلم يعد أمام النقيب سوى الرئيس ليجد له مخرجًا لما يعانيه أعضاء النقابة من إهمال، وتهميش، وغياب أي نوع من أنواع الرعاية، وكالعادة صرَّح الرئيس بعودة عيد الفن وأن النقابة سوف تجد كل رعاية من قبل الدولة، ولكن لم يشر الرئيس- راعي الفن والفنانين كما وصفته الصحف- إلى تدهور حال الإنتاج الفني في مصر في كلِّ القطاعات دون استثناء، فمدينة الإنتاج الإعلامي التي تكلَّفت مبالغ باهظة لا أحد في مصر يعرف مقدارها؛ لأنها تعتبر من الأسرار التي تعشش فيها العناكب؛ لعدم وجود أي إنتاجات تخرج منها، ولم يعد سوى بعض "الإستديوهات" التي تؤجرها بعض القنوات الفضائية هي ما يشغل إدارة المدينة، فعند افتتاحها "صدعنا" المسئولون بمدى أهميتها، وكيف ستجذب الإنتاج العالمي لتصبح القاهرة "هوليود" الشرق، وقِبْلة الإنتاج العالمي، ومن يومها لم نسمع عن تصوير أي شيء عالمي أو إنتاج محلي ضخم، فعندما حاول المخرج العالمي "ريدلي سكت" تصوير فيلمه مملكة الجنة عن الحروب الصليبية وتحرير صلاح الدين مدينة القدس، الذي استخدم فيه المخرج الآلاف من المجاميع والعشرات من الفنيين، وكان سيساعد في إتاحة فرص عمل كثيرة للكثير من الشباب في المجال الفني وقدرتهم على الاحتكاك بصناعة السينما العالمية، طُلب منه أن يقدم نص الفيلم للإطلاع عليه فرفض المخرج، وقال: إنه لا يوجد أحد من الممكن أن يكون رقيبًا عليه، وبحث عن دولة عربية أخرى لإنتاج هذا الفيلم، فرحبت به المغرب، وقام المخرج بتصوير العمل هناك، وقد أمده سلاح الفرسان المغربي بكل ما يلزمه من خيول للتصوير، وجنود لقيادة هذه الخيول في المعارك، والذي أعطى فرصة للمغرب لتظهر في العالم بمظهر حضاري، وجعلها مكانًا مفضلاً للمخرجين العالميين؛ لتصوير أعمالهم التي تتناول أحداثًا تقع في العالم العربي، ولم يعد أحد منهم يذكر مصر أو التصوير في مصر، وإذا تكلمنا عن إنتاجنا الفني المحلي فباسل الخطيب السوري الجنسية مخرج مسلسل "الأدهم" المصري الإنتاج، عندما أراد تصوير مشهد تحطم القطار وجد الإنتاج أن هذا المشهد سوف يتكلف مبالغ طائلة، فمدينة الإنتاج الإعلامي طلبت منهم ثمن قطار جديد، بالإضافة إلى تحمل الجهة المنتجة تكاليف تأمين التصوير الذي جعل الإنتاج يحاول إقناع المخرج بالعدول عن تصوير هذا المشهد، فرفض المخرج ونقل تصوير المشهد إلى سوريا، وهناك أمدَّته الحكومة السورية بأحد القطارات القديمة، وأمرت قوات الجيش بتأمين تصوير المشهد، كما أمدته بالخيول اللازمة لهذا المشهد، وقد علق المنتج بعدها على هذا المشهد، بعد أن تم تصويره بأنه خرج على نحو أفضل، ما كان لو تم تصويره في مصر، وبتكلفة تقترب من نصف تكلفته لو كان تم تصويره في القاهرة.

 

وإذا نظرنا إلى حال العاملين بالإذاعة والتليفزيون، فإننا نجد أنه يشبه حالة إخوانهم في نقابة الممثلين، فالعاملون يعانون من بطالة غير عادية، وتدني الأجور، كما أن الاتحاد يقوم بتسريح أعداد منهم على فترات؛ وذلك لأن الاتحاد أصبح يعتمد على المنتج المنفِّذ في إنتاج برامجه ومسلسلاته، ولا يستعين بفنانيه وعماله، وإذا سأل المسئولون عن السبب يقولون أن الفنيين والعمال في الاتحاد أدنى في المستوى الفني والإنتاجي من فناني الشركات الأخرى وعمالهم، وينسى المسئولون أنهم سبب هذا التدني، فهم لا يقومون بإعداد دورات تدريبية لهم، أو يحاولون رفع كفاءة العاملين داخل الاتحاد؛ ما أدَّى إلى توقف في مستواهم الفكري والعملي والمادي.

 

فإذا كان نقيب الممثلين استطاع أن يصل إلى الرئيس لتلبية مطالبه المشروعة لنقابته، فمن إذًا لبقية النقابات والمواطنين؛ ليعيشوا بأقل القليل من الحياة الكريمة؟ فكل واحد في الشعب بحاجة إلى رئيس "يتدخله".

-----------

* ناقد فني، ومخرج مسرحي