نشرت جريدة (الشروق) ردَّ الدكتور حمادة حسني على مقالات الدكتور إبراهيم البيومي غانم في عددها رقم (620) الصادر يوم الأربعاء 13 أكتوبر، وقد حمل هذا الرد بعض المغالطات التاريخية، بل وتضمَّن سقطةً علميةً، فضلاً عن أنها تظهر وتوضِّح بعض السقطات التي وقع فيها وحيد حامد بأن نسب بعض الوقائع للإخوان هم منها براء.

 

وليس موضوعنا الآن الرد على المسلسل، ولا عن كل ما جاء في مقال الدكتور حمادة من مغالطات حول علاقة الوفد بالإخوان، وعلاقة الإخوان بالاغتيالات السياسية، لكننا نتوقف أمام بعض ما نسبه للإخوان من أحداث، منها مقتل اللواء سليم زكي، وذكر أن الإخوان اعترفوا بقتله في كتبهم، وقد راجعت كل الكتب التي استشهد بها الدكتور فلم أجد اعترافًا من أحد بمسئولية الإخوان عن مقتل سليم زكي، وأن ما ذكر عن هذه الحادثة مجرد وصف للحادثة، وهو أن اللواء سليم زكي قُتل في مظاهرة للطلاب وهو جالسٌ على مقدمة إحدى سيارات الشرطة، فوقعت قنبلة صوت مما كان يلقيها الطلاب على البوليس وقعت بين فخذيه فقتلته.

 

أما حادث محكمة الاستئناف الذي اتهم فيه أنس شفيق؛ فقد ذكر الدكتور حمادة حسني أن القتلى من الأبرياء بلغ (15) قتيلاً، وهو يخالف ما ذكره وحيد حامد في المسلسل من أن عدد القتلى بلغ (25) قتيلاً، رغم أن الدكتور حمادة هو المراجع، ولا أدري من أيهما جاءت الزيادة.

 

والحقيقة أن هذا الحادث لم يُقتل فيه أحدٌ على الإطلاق، ولا أدري من أين استقى الدكتور معلوماته، فقد ذكرت جريدة "المصري" في عددها الصادر في 15 يناير عام 1949م في صفحتها الثالثة- أي بعد الحادث بيومين- وتحت عنوان: (الجديد في حادث محاولة نسف محكمة الاستئناف)، وتحت هذا العنوان عنوان آخر: (لم يُقتل أحد من جرَّاء الحادث- المتهم يرفض ذكر اسمه)، وتحت هذا العنوان بيَّنت كيف تمَّ الحادث، وأن المصابين من جرَّاء الحادث هم 22 شخصًا؛ أغلبهم من الباعة الجائلين وحرَّاس المحكمة، وذكرت أسماءهم، وأنهم نُقلوا جميعًا إلى مستشفى القصر العيني، فأُسعفوا وخرجوا جميعًا في نفس يوم الحادث، وبقي ستة تحت العلاج.

 

كما نفت الجريدة ما ذكرته بعض الصحف عن مقتل شخصين، وذكرت أن أحدهما، وهو بائع السجائر ويُدعى أمين، ثم عقَّبت على ذلك بأن الصحيح أنه لم يُقتل أحد، وأن غاية الأمر أن بائع السجائر إصابته أخطر من غيره.

 

ولو طالع الدكتور المؤرِّخ الجرائد الصادرة في تلك الفترة واعتمد عليها بدلاً من اعتماده على كتابات رفعت السعيد وعبد العظيم رمضان؛ لعلم الحقيقة ولما وقع في هذا الخطأ.

 

ثم نقف أمام سقطة أكبر تبيِّن منهج الدكتور المؤرِّخ، وكيف يتعامل مع التاريخ، وكيف يقرؤه، فيقول الدكتور حمادة حسني ما نصُّه: "أما عن مسألة اللعب في المذكرات- وهو شيء مؤلم لأمثالي من دارسي التاريخ- فهناك أمثلة كثيرة، فعندما ذكر البنا في مذكراته أن بعض الأشخاص ممن ينتمون إلى الجماعة اعترضوا عليه؛ لأنه أخذ (500) جنيه من هيئة قناة السويس، وقال في مذكراته: إنهم يشكِّكون في الجماعة، وأن مَن خرج من الجماعة فلا بدَّ أن يقابل بحدِّ السيف، وقال بالحرف الواحد: "فأمرت بهم فضربوا علقة ساخنة"، وعندما أعاد الإخوان طبع مذكرات البنا حذفوا هذه الجملة".. انتهى كلام الدكتور أو بالأحرى انتهى افتراء الدكتور على البنا.

 

وعلى الحقيقة وحينما أقول ذلك يعتصرني الألم وأرثي للأمانة العلمية، وأعجب من الجرأة على الإخوان وعلى الإمام البنا، فقد رجعت للمصدر الأول الذي كتب فيه الإمام البنا مذكراته، وهو جريدة "الإخوان المسلمون" اليومية، والتي نشرت هذه المذكرات عبر عدة مقالات، كان أولها في العدد (374) الصادر في يوم الإثنين 3 رمضان 1366هـ الموافق 21 يونيه 1947م، ونشر آخر مقال في العدد (637) من نفس الجريدة والصادر في يوم الثلاثاء غرة شعبان 1367هـ الموافق 8 يونيه 1948م.

 

وكانت المذكرات تنشر على حلقات تحت عنوان: (مذكرات عن الدعوة والداعية)، وهو العنوان الصحيح للكتاب، ولم تنشر هذه المذكرات في كتاب في حياة الإمام البنا، بل كانت الطبعة الأولى بعد وفاته بسنتين، وذلك في عام 1951م، وبالرجوع للمصدر الأصلي لهذه المذكرات، وهو جريدة الإخوان اليومية في العدد (419)، السنة الثانية، 29 شوال 1366هـ = 14 سبتمبر 1947م، صفحة (4) نجد أن ما قاله الإمام البنا لا علاقة له بافتراءات الدكتور الذي يتألَّم بتلاعب الإخوان بالتاريخ، واللعب في المذكرات، ولا يرثى لحاله وهو يؤلف التاريخ، ويتقوَّل على الناس بغير الحق، فيقول الإمام البنا تحت عنوان (فقه أعوج) ما نصه:

"وثارت ثائرة المغرضين حين علموا هذا النبأ، وانطلقت الإشاعات تملأ الجو: (الإخوان المسلمون يبنون المساجد بمال الخواجات)، وآزرتها الفتوى الباطلة ممن يعلم وممن لا يعلم: كيف تصح الصلاة في هذا المسجد، وهو سيُبنَى بهذا المال؟ وأخذنا نقنع الجمهور بأن هذه خرافة؛ فهذا مالنا لا مال الخواجات، والقناة قناتنا، والبحر بحرنا، والأرض أرضنا، وهؤلاء غاصبون في غفلة من الزمن، وأراد الله أن يكون المسجد قد تمَّ والحمد لله، فلم توضع فيه أموال الخواجات، ووضعت في دار الإخوان المسلمين بالذات، وكان الله على كل شيء قديرًا، وبذلك سكنت الثائرة وانطفأت الفائرة، وهكذا يكون الفقه الأعوج، ولله في خلقه شئون".

 

 الصورة غير متاحة

 صورة لمقال البنا في جريدة "الإخوان المسلمون"

وحتى لا يتهمنا الدكتور بأننا نتلاعب أرفق مع هذا المقال صورة ضوئية لهذا المقال ليعلم الجميع نفسية وعقلية ومنهج الكتابة والمراجعة عند وحيد حامد، وعند المراجع التاريخي.

 

ولما كانت كثرة الافتراءات ستكشف الأمر، فقد استشهد في مقاله بأمر آخر، وهو كتاب (من معالم الحق) للشيخ الغزالي الذي صدرت طبعته الأولى عام 1954م، وقد انساق فيه الشيخ الغزالي وراء انفعالاته وغضبه من قرار فصله من الجماعة لانحيازه وانخداعه بعبد الناصر، ووقوفه في صفه ضد المرشد الإمام الصابر المحتسب، حسن الهضيبي، وقد ردَّد فيها كلامًا يقوله الناس عن انتماء المرشد حسن الهضيبي والمرحوم سيد قطب إلى الماسونية، وكان الغزالي في غضبه وانفعاله أمينًا في النقل، فقال: "وقد سمعنا كلامًا كثيرًا عن انتساب عدد من الماسون، بينهم الأستاذ حسن الهضيبي نفسه، لجماعة الإخوان، ولكني لا أعرف بالضبط كيف استطاعت هذه الهيئات الكافرة بالإسلام أن تخترق جماعةً كبيرةً على النحو الذي فعلته، وربما يكشف المستقبل أسرار هذه المأساة".

 

ولما كشف المستقبل للغزالي من كافح للإسلام وعمل له وضحَّى في سبيله بروحه ودمه، ومن دسَّته الصهيونية والماسونية على الإسلام تراجع عن هذه الأقوال، وقام بحذفها من كتابه، واعتذر عنها، ويريد المؤرخ أن يلصق هذا التراجع بالإخوان، ويدلل به على اللعب في المذكرات، وهذا الدليل شأنه شأن الدليل الأول الذي افتراه، ولكن هنا يظهر فساد استدلاله ومجافاة منطقه للحق وافتراؤه أن الإخوان ضغطوا على الشيخ الغزالي ليحذف هذه الكلمات!.

 

وكل مَن يعرف الشيخ الغزالي يعرف أنه غير قابل للضغط عليه من أحد، ولكن الرجل كان يملك فضيلة الاعتراف بالخطأ والأوبة إلى الصواب متى تبيَّن له وجه الحق، فرفع في حياته هذه النصوص الخاطئة، وصحَّح خطأه في هذا الشأن.

 

وقد اعتمدنا في نقلنا للنصوص في هذا الشأن على ما أورده الدكتور، ونتمنَّى ألا تكون مثل سابقتها من بنات أفكار الدكتور، وليست من كلام الغزالي.

-----------

* مدير البصائر للبحوث والدراسات.