ما زا ل الإمام حسن البنا يستدعي التاريخ لخدمة فكرته ودعوته، ويأتي بالإشارات التاريخية لتدعم المعنى الذي يريده، فقد سعى البنا إلى تحرير البلاد والعباد، ففي رسالة "قضيتنا الوطنية في ضوء التوجيه الإسلامي" أوضح أن الإسلام الحنيف يعلن الحرية ويزكِّيها، ويقرها للأفراد والأمم والجماعات بأفضل معانيها، ويدعوهم إلى الاعتزاز بها والمحافظة عليها.

 

إن الحرية للجميع

أورد كلمة عمر الفاروق- رضي الله عنه- حين قال لعامله عمرو بن العاص: "متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"، وذلك في إشارة واضحة إلى قصة ضرب ابن عمرو بن العاص أحد المصريين.

 

حب الوطن

وفي رسالة دعوتنا أعلن حبه كمواطن لوطنه مصر، التي هي جزء من الوطن الإسلامي الكبير، قائلاً: "إن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب هذه الأرض، وألفتها والحنين إليها، والانعطاف حولها، فذلك أمر مركوز في فطر النفوس من جهة، مأمور به في الإسلام من جهة أخرى، وإن بلالاً الذي ضحَّى بكلِّ شيء في سبيل عقيدته، ودينه هو بلال الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة في أبيات تسيل رقة وتقطر حلاوة:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً       بوادٍ وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يومًا مياه مجنة       وهل يبدون لي شامة وطفيل

 

ولقد سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصف مكة من أصيل، فجرى دمعه حنينًا إليها، وقال: "يا أصيل دع القلوب تقر".

 

وفي رسالة "دعوتنا في طور جديد" طالب بالاهتمام بتاريخ مصر القديم، وبما سبق إليه قدماء المصريين الناس من المعارف والعلوم، فنحن نرحِّب بمصر القديمة كتاريخ فيه مجد وفيه علم ومعرفة، ولكنه رفض الدعوة أن تعود مصر فرعونية بعد أن هداها الله بتعاليم الإسلام، وشرح لها صدرها، وأنار به بصيرتها، وزادها به شرفًًا ومجدًا فوق مجدها، وخلَّصها بذلك مما لاحق هذا التاريخ من أوضار الوثنية وأدران الشرك وعادات الجاهلية".

 

قناة السويس مصرية وإلى الأبد

وفي حديثه في اجتماع رؤساء المناطق المنعقد بالقاهرة في 3 شوال سنة 1364ه الموافق 8 سبتمبر سنة 1945م قال: "إن قناة السويس أرض مصرية، حُفرت بدماء مصرية، وجهود أبنائها، فيجب أن يكون لمصر حق الإشراف عليها وحمايتها وتنظيم شأنها، ولقد قارب أمد امتيازها الانتهاء، وتفكر بعض الدول في التدخل في شأنها، إنها قد اشترت عددًا كبيرًا من أسهمها، إن مصير هذه القناة إلينا بعد عدد قليل من السنين، ومن واجبنا أن نتنبَّه لذلك من الآن، وأن نطالب بزيادة عدد الموظفين من المصريين في الأقسام المختلفة، وبخاصة الأقسام الفنية التي تحتاج إلى دراية ومران، يجب أن نستعد للمستقبل وألا ننتظر الحوادث حتى تفاجئنا، ونحن على غير استعداد، ويجب أن تعترف لنا الدول بهذا الحقِّ الثابت وتقرنا عليه.

 

وحدة وادي النيل

دعا البنا إلى وحدة مصر والسودان واستقلالهما، وقال: نحن نطلب لوادي النيل أن تجلو عنه الجنود الأجنبية، وأن تُرفَع هذه القيود والأغلال التي فُرضت على تجارتنا وزراعتنا وصناعتنا.."، وأُعلن: "لا نقول إننا نطالب بحقِّ مصر فيه، فليس لمصر حقوق في السودان، ولكنَّ السودان جزء من الوطن، فهو مصر الجنوبية، ومصر هي السودان الشمالي، وكلاهما وادي النيل".

 

العروبة والجامعة العربية

وأكد إيمانه بالعروبة في حديثه عن العروبة والجامعة العربية، فأوضح أنَّ: "لها في دعوتنا كذلك مكانها البارز وحظها الوافر، فالعرب هم أمة الإسلام الأولى وشعبة المتخير، وبحقِّ ما قاله صلى الله عليه وسلم: "إذا ذلَّ العرب ذلَّ الإسلام"، ولن ينهض الإسلام بغير اجتماع كلمة الشعوب العربية ونهضتها، وأن كل شبر أرض في وطن عربي نعتبره من صميم أرضنا، ومن لباب وطننا، ثم قال: "إننا نتحرى بدعوتنا نهج الدعوة الأولى، ونحاول أن تكون لهذه الدعوة الحديثة صدى حقيقيٌ لتلك الدعوة السابقة التي هتف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطحاء مكة قبل ألف ومئات من السنين، فما أولانا بالرجوع بأذهاننا وتصوراتنا إلى ذلك العصر المشرق بنور النبوة، الزاهي بجلال الوحي؛ لنقف بين يدي الأستاذ الأول، وهو سيد المربين، وفخر المرسلين الهادين، لنتلقَّى عنه الإصلاح من جديد، وندرس خطوات الدعوة من جديد.. ولكنَّ الوسيلة في تركيز كل دعوة وثباتها معروفة ومعلومة ومقروءة لكلِّ من له إلمام بتاريخ الجماعات.

 

وخلاصة ذلك جملتان: إيمان، وعمل، ومحبة، وإخاء، فماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركيز دعوته في نفوس الرعيل الأول من أصحابه أكثر من أنه دعاهم إلى الإيمان، ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء، فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة، وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لا بدَّ أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها، وإن ناوأها أهل الأرض جميعًا، وماذا فعل الدعاة من قبل ومن بعد أكثر من هذا؟ ينادون بالفكرة ويوضحونها، ويدعون الناس إليها، فيؤمنون بها ويعملون لتحقيقها، ويجتمعون عليها، ويزدادون عددًا فتزداد الفكرة بهم ظهورًا، حتى تبلغ مداها وتبتلع ما سواها، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً، وليست دعوة الإخوان بدعًا في الدعوات، فهي صدى من الدعوة الأولى يدوِّي في قلوب هؤلاء المؤمنين، ويزداد على ألسنتهم.

 

ويحاولون أن يقذفوا به إيمانًا في قلوب الأمة المسلمة؛ ليظهر عملاً في تصرفاتها، ولتجتمع قلوبها عليه، فإذا فعلوا ذلك فأيدهم الله ونصرهم وهداهم سواء السبيل.. ثم يختم حديثه إلى الإخوان "فإلى الإيمان والعمل وإلى الحب والإخاء أيها الإخوان والله معكم وتلك هي وسيلتكم والله غالب على أمره..".

 

الأمة الإسلامية

وعبَّر عن حال الأمة الإسلامية وتاريخها، فأشار إلى ما وصلت إليه الحال في بلاد العروبة، وأمم الإسلام، وفصل ذلك مستشهدًا بالتاريخ المعاصر:

 

فلسطين: مهددة بهذا الاجتياح الذي انتهت إليه هذه المؤامرة الدولية من الأمريكان والروس والإنجليز على السواء، بفعل الصهيونية العالمية التي سخَّرت الحكومات والشعوب الغربية بالمال، مع استعدادها السابق، بكلِّ تعصب ذميم على العرب والمسلمين أينما كانوا.

 

وباكستان الناشئة: تقاسي الأمرين من هذا العدوان الوثني المسلَّح، المؤبد بدسائس الاستعمار وأسلحة الاستعمار على اختلاف دوله، حتى روسيا التي تتظاهر باحترام إرادة وأمم الشعوب تتآمر هي الأخرى على الدولة الناشئة إن صح ما ولفتنا به اليوم البرقيات والأخبار.

 

وإندونيسيا: التي تبلغ سبعين مليونًا أكثرهم من المسلمين، تضغط عليها هولندا التي لم تكسر قيد الاحتلال الألماني إلا بيد غيرها من جنود الحلفاء، وتريد أن تحول بين الشعب المسالم الباسل وما هو حق طبيعي له من حرية واستقلال.

 

وطرابلس الغرب وبرقة: تُجهَّز لها حبائل الاستفتاء، ولا يدري عواقب هذه اللعنة السياسية إلا الله، وإن غدًا لناظره قريب.

 

وشمال إفريقيا بأقسامه: تونس والجزائر ومراكش، يستغيث ولا مُغيث، ويجاهد ما استطاع؛ ليكسر القيود والأغلال التي ضربتها من حوله فرنسا، وحرمته بها حقه في العيش الحر الكريم، ومن الاستقلال التام.

 

وقل مثل ذلك في كل شعب عربي إسلامي، فإنك لن تجد واحدًا منها قد سلم من مناورات الغصب ودسائس الاستعمار.. هذا في أوضاعه السياسية، وكلها من حيث الأوضاع الاجتماعية ليست أحسن حالاً مما تقدَّم ذكره في وادي النيل.. وكلنا في الهم شرق.

 

حدود الوطن الإسلامي

كما أوضح أن الإسلام وسع حدود الوطن الإسلامي، فالوطن في عرف الإسلام يشمل:

1 – القطر الخاص أولاً.

 

2 – ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى فكلها للمسلم وطن ودار.

 

3 – ثم يرقى إلى الإمبراطورية الإسلامية الأولى التي شادها الأسلاف بدمائهم الغالية العزيزة؛ فرفعوا عليها راية الله، ولا تزال آثارهم فيها تنطق بما كان لهم من فضلٍ ومجدٍِ، فكل هذه الأقاليم يُسأل المسلم بين يدي الله تبارك وتعالى، لماذا لم يعمل على استعادتها؟

 

4 - ثم يسمو وطن المسلم بعد ذلك كله حتى يشمل الدنيا جميعًا.

 

وطالب البنا في سبيل الإصلاح الاجتماعي بالعناية بالتاريخ الإسلامي والتاريخ الوطني والتربية الوطنية وتاريخ حضارة الإسلام.

 

الدعوة للوحدة ونبذ الفرقة

وفي حديثه عن "وحدتنا في ضوء التوجيه" أوضح درسًا هامًّا من دروس التاريخ، أن النصر والعزة مع الوحدة والهزيمة والذلة مع الفرقة والانقسام "فيوم واجه المسلمون العالم كله صفًا واحدًا وقلبًا واحدًا في ظلِّ هذه الأخوة الصادقة الحقة، لم تلبث أمامهم ممالك الروابط الإدارية أو السياسية المجرِّدة ساعة من نهار، وانهزم أمامهم- بغير نظام– الروم والفرس على السواء، وكوَّنوا إمبراطوريةً ضخمةً تمتد من المحيط إلى المحيط، ذات علم وحضارة، وقوة وإشراق.. ويوم غفلوا عن سر قوتهم، ودب إليهم داء الأمم من قبلهم من تغليب المصالح المادية الزائلة على الأخوة الإيمانية الباقية.. تمزقت هذه الإمبراطورية على أيدي ابن سبأ، ولعبت بها المطامع الخارجية والداخلية، وانتهى أمرها مؤخرًا بعد الحرب العالمية الأولى إلى الانهيار، والوقوع في أسر خصومها من غير المسلمين، الذين احتلوا أرضها، وملكوا أمرها، وتقاسموها فيما بينهم".

 

خطورة الصراع السياسي على الأمة الإسلامية

وحذَّر الإمام البنا من خطورة الصراع السياسي على الأمة الإسلامية؛ حيث أخذت الصراعات تعمل في كيان الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية عملها، وظنت الأمم الموتورة أن قد سنحت الفرصة لتأخذ بثأرها وتقضي على هذه الدولة الإسلامية التي فتحت بلادها من قبل وغيَّرت معالم أوضاعها في كل شئون الحياة، فانحدر التتار كالسيل الدافق على الدولة الإسلامية، وأخذوا يقطِّعون أشلاءها جزءًا جزءًا حتى وصلوا إلى بغداد قلب الخلافة العباسية، ووطئوها بنعالهم في شخص الخليفة المستعصم، وبذلك تبدَّد شمل الدولة وانتثر عقد الخلافة لأول مرة، وتفرقت الأمم إلى دويلات صغيرة، فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر، وتنبهت المسيحية في أوربا وجمعت جموعها وقذفت الشرق المسلم في آسيا وإفريقيا بكتائبها في تسع حملات صليبية اشتملت على خير ما فيها من فرسان و ملوك وعتاد، وتمكَّنت هذه القوات الزاحفة من إقامة دولة صليبية في بيت المقدس، وتهديد أمم الإسلام في الشرق والغرب ومهاجمة مصر أقوى هذه الدول إذ ذاك.

 

ولكنَّ الله تبارك وتعالى لم يأذن بعد بانتصار الباطل على الحق، فاستطاعت مصر أن تجمع حولها فلول بعض هذه الدويلات وتقذف بهم في نحر الصليبيين بقيادة صلاح الدين، فتستعيد منهم بيت المقدس وتريهم كيف تكون الهزيمة في حطين، ثم تقف في وجه التتار بقيادة سيف الدين قطز وتردهم على أعقابهم خاسئين في عين جالوت، ثم تعيد رسم الخلافة من جديد، ويريد الله بعد ذلك أن تقوم للإسلام دولة وارفة الظلال قوية البأس شديدة المراس، تجمع كلمة أهله وتضم تحت لوائها معظم أممه وشعوبه، ويأبى لها علو الهمة إلا أن تغزو المسيحية في عقر دارها، فتفتح القسطنطينية ويمتد سلطانها في قلب أوربا حتى يصل إلى فيينا، تلك هي دولة الأتراك العثمانية.

 

الدعوة للجهاد

ثم دعا البنا إلى الجهاد، ففي رسالة الإخوان تحت راية القرآن. دلَّل على أهمية الجهاد وبيَّن أن الصحابة قد عُلِّموا أصدق العلم وأوثقه، وأن دعوتهم هذه لا تنتصر إلا بالجهاد، والتضحية والبذل وتقديم النفس والمال، فقدَّموا النفوس وبذلوا الأرواح، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده، ثم بيَّن مواقفهم بقوله: يعانق أحدهم الموت وهو يهتف "ركضًا إلى الله بغير زاد.. ويبذل أحدهم المال كله قائلاً: تركت لعيالي الله ورسوله، ويخطر أحدهم والسيف على عنقه:

ولست أبالي حين أُقتَل مسلمًا        على أي جنب كان في الله مصرعي

 

كذلك كانوا: صدق جهاد، وعظيم تضحية، وكبير بذل، وكذلك نحاول أن نكون.. فالجهاد من عدتنا كذلك.

 

ثُمَّ أَفْرَدَ رسالةً للجهاد أوضح فيها أن الله فرض الجهاد على كل مسلم، ورغَّب فيه أعظم الترغيب، وأجزلَ ثواب المجاهدين والشهداء وبعد أن ذكر آيات القرآن، وأحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم التي ورد فيها ذكر الجهاد. قال: "ولعل من تمام هذا البحث أن أذكر لك أن المسلمين في أي عصر من عصورهم، قبل هذا العصر المظلم الذي ماتت فيه نخوتهم، لم يتركوا الجهاد ولم يفرِّطوا فيه، حتى علماؤهم والمتصوفة منهم والمحترفون وغيرهم، فكانوا جميعًا على أهبة الاستعداد"، ثم ذكر تاريخ السلف الناصع؛ ليقتدي بهم كل من يقرأ رسالته: " كان عبد الله بن المبارك الفقيه الزاهد متطوعًا في أكثر أوقاته بالجهاد، وكان عبد الواحد بن زيد الصوفي الزاهد كذلك، وكان شقيق البلاخي شيخ الصوفية في وقتها يحمل نفسه وتلامذته على الجهاد، وكان البدر العيني شارح البخاري الفقيه المحدِّث يغزو ويدرِّس العالم سنة ويحجّ سنة، وكان القاضي أسد بن الفراط المالكي أميرًا للبحر في وقته، وكان الإمام الشافعي يرمي عشرة ولا يخطئ، كذلك كان السلف رضوان الله عليهم، فأين نحن من هذا التاريخ؟!

 

ثم سأل: لماذا يقاتل المسلم؟- وهدفه جذب الانتباه والأسماع إليه-.. ثم أجاب "كان المسلم يخرج للقتال وفي نفسه أمر واحد.. أن يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا" وأكد المعنى بقصة تعبِّر عن الصدق مع الله في الجهاد رواها شداد بن الهادي رضي الله عنه: أن رجلاً من الأعراب جاء فآمن بالنبي- صلى الله عليه وسلم، فكانت غزاة غنم فيها النبي صلى الله علية وسلم شيئًا فقسم وقسم له. فقال: ما هذا: فقال-صلى الله عليه وسلم-: "قسمته لك"، فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أُرمَى إلى ههنا- وأشار بيده إلى حلقه- بسهم فأموت فأدخل الجنة، قال- صلى الله عليه وسلم-: "إن تصدق الله يصدقك"، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو فأُتي به النبي محمولاً قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال "صدق الله فصدقه"، ثم كُفِن في جُبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه، فكان مما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا وأنا شهيد على ذلك" أخرجه أبو داود.

 

ولما كانت الغاية من الجهاد الإسلامي أنبل الغايات، كانت وسيلته كذلك أفضل الوسائل فقد حرَّم الله العدوان، وأرشد المسلمين إلى منتهى الرحمة، فوصف البنا صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم- "فهم حينما يقاتلون لا يعتدون ولا يفجرون ولا يمثِّلون ولا يسرقون ولا ينتهبون الأموال، ولا ينتهكون الحرمات ولا يتقدَّمون بالأذى، فهم في حربهم خير محاربين، كما أنهم في سلمهم أفضل مسالمين، كما ورد النهي عن قتل النساء والصبيان والشيوخ والإجهاز عن الجرحى وإهاجة الرهبان والمنعزلين ومن لا يقاتل من الآمنين" بعد ذلك قال: "فأين هذه الرحمة من غارات المتمدينين الخانقة وفظائعهم الشنيعة؟! وأين قانونهم الدولي من هذا العدل الرباني الشامل؟!".

 

السياسة الخارجية

وعند الحديث عن السياسة الخارجية أوضح أن السلف، كانوا رضوان الله عليهم يسيحون في الأرض، وكانوا لا يقنعون باستقلال بلادهم، ولا بعزة قومهم، ولا بتحرير شعوبهم، ولكنهم ينسابون في آفاق البلاد فاتحين معلِّمين، يحرِّرون الأمم كما تحرَّروا، ويهدونها بنور الله الذي اهتدوا به، ويرشدونها إلى سعادة الدنيا والآخرة، لا يغلون ولا يغدرون، ولا يظلمون ولا يعتدون، ولا يستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، فعقبة بن نافع يخوض الأطلسي بلبَّة جواده قائلاً: "اللهم لو علمت وراء هذا البحر أرضًا لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك"، في الوقت الذي يكون فيه أبناء العباس الأشقاء قد دفُن أحدهم بالطائف إلى جوار مكة، والثاني بأرض الترك من أقصى الشرق، والثالث بإفريقيا من أقصى المغرب، جهادًا في سبيل الله وابتغاء لمرضاته، وهكذا فهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان أن السياسة الخارجية من صميم الإسلام.

 

الحقوق الدولية

وفي أثناء حديثه عن الحقوق الدولية قارن بين سلوك الغزو الاستعماري والفتح الإسلامي وقال: "لئن كانت إيطاليا المتمدنة قد غزت الحبشة حتى استولت عليها، ولم تعلن عليها حربًا ولم تسبق إلى ذلك بإنذار، وحذت حذوها اليابان الراقية، فهي تحارب الصين ولم تخطرها ولم تعلنها، فإن التاريخ لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن صحابته أنهم قاتلوا قومًا أو غزوا قبيلاً دون أن يوجهوا الدعوة ويتقدَّموا بالإنذار وينبذوا إليه على سواء، وقد كان- صلى الله عليه وسلم- يشاور أصحابه وينزل على رأي الفرد منهم متى وضح له صوابه، كما فعل ذلك مع الحباب بن المنذر في غزوة بدر، ويقول لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعتما ما خالفتكما"، وكذلك ترك عمر الأمر شورى بين المسلمين، وما زال المسلمون بخير ما كان أمرهم شورى بينهم.

 

زرع الأمل

وردَّ الإمام البنا على اليائسين في رسالة الإخوان تحت راية القرآن، فقال: "سيقول الذين يسمعون هذا إنه الخيال بعينه وإنه الوهم، وإنه الغرور، وأنّى لهؤلاء الذين لا يملكون إلا الإيمان والجهاد أن يقاوموا هذه القوى المتآلبة المجتمعة، والأسلحة المتنوعة المختلفة، وأن يصلوا إلى حقهم، وهم بين ذراعي وجبهة الأسد؟

 

سيقول كثيرون هذا، ولعل لهم بعض العذر، فهم قد يئسوا من أنفسهم، ويئسوا من صلتهم بالقوي القادر، أمَّا نحن فنقول إنها الحقيقة التي نؤمن بها ونعمل لها.. وإن الذين فتحوا أقطار الدنيا، ومكَّن الله لهم في الأرض من أسلافنا لم يكونوا أكثر عددًا، ولا أعظم عدة، ولكنهم مؤمنون مجاهدون، ونحن سنعتَدُ اليوم بما اعتد به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم قال يبشر خبابًا: "والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه"، وكانوا إذ ذاك يستترون، ويوم وعد سراقة بن مالك سوار كسرى، وكان مهاجرًا بدينه ليس معه إلا الله وصاحبه، ويوم هتف مطَّلعًا على قصور الروم البيضاء، وقد حاصره المشركون في مدينته بجنود من فوقهم ومن أسفل منهم، إنها ثقة كاملة بالله العلي القدير".

---------------

* باحث في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.

Dr_kamelabdelfattah@yahoo.com