إلى المشتاقين إلى بيت الله الحرام.. إلى مَن ملكت عليهم الرغبة مشاعرهم وغمرهم الحنين.. نعيش هذه اللحظات، بين دوافع الشوق والحنين حتى نصل إلى محطاتِ المشتاقين.. وهي لحظات يشعر فيه المرء برفرفة القلب وولَه الشوق وزفرات الحنين إلى ملامسة سبحات نور رب العالمين وفيوضات أكرم الأكرمين.. وتجليات قيوم السموات والأرضين عند بيته العتيق.. وقد طرحت النفس عنها إليه الهموم؛ حيث لا ملجأَ لها ولا ملاذ.. إلا إلى مَن يلجأ المرء إليه ويلوذ.

 

فوقفت على الأعتاب تطرق الأبواب لعل أن يفتح لها رب الأرباب فتحظى بالرضا والرضوان، فلبست ثوبي الخوف والرجاء، وزرفت عبرات الحسرة والأنين على ما فرطتُ في حقِّ رب العالمين، وبذلت دموع الشوق والحنين إلى تحصيل عفو الكريم.. فيالها من لحظاتٍ خالدة تكون النفس فيها هائمة في ملكوت ربها سابحة، لا تحط عنها الرحال حتى تصل إلى أفضل حال بحدوث الوصال مع الكبير المتعال.. فاللهمَّ لا تحرمنا لذة الوصال بك ولا خشوع الخائفين منك ولا رجاء الطامعين فيك.

 

دوافع الشوق والحنين

ما إن تهل نسائم الحج حتى تهفو القلوب إليها، وتجيش الصدور بها، حنينًا إلى زيارة بيت الله العتيق، وشوقًا إلى رضوان رب العالمين، وقد يتبادر إلى الذهن لماذا هذه الرغبة الدافقة الملحة من قِبل الراغبين إلى الحج؟.. إلا أنه ليس هناك ثمة مشقة في استنباط دوافع هذه الرغبة وبيان أسبابها كالتالي.

 

أولاً: لأن في ذلك استجابة لأوامر الله العلي الكبير الذي أمر المستطيعين من الناس بذلك:

فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 97)، فإذا أمر مالك الملك فما على العباد إلا الطاعة تمام الطاعة.. والإذعان كل الإذعان؛ رغبةً وطمعًا في عفوه وعطائه، ورهبةً وخوفًا من منعه وعذابه.. ولسان حالهم يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: من الآية 285)، وأُذن الطاعة مصغية إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾ (الأنفال)، فتتحرك القلوب قُربى إليه بأحبِّ شيءٍ إليه، أملاً في بلوغ حبه والوصال به؛ حيث أخبر بذلك سبحانه في الحديث القدسي الذي رواه البخاري "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه".

 

ثانيًا: لأن الحجيج يسعون بتأدية هذه الفريضة إلى تحقيق واحد من أفضل الأعمال:

ففي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال: سئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم جهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم حج مبرور".. ما أعظمك ربنا! تعرفنا مواطن الخير.. ما أكرمك رسولنا وشفيعنا! تدلنا علي دروب التجارة الرابحة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)﴾ (الصف).. أولسنا أحوج ما نكون إلى أعمال نثقِّل بها الميزان، ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 8)، وننال بها من الله الرضوان ونرث بها الدرجات العلا في فردوس ذي المنة والإكرام: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: من الآية 100).

 

ثالثًا: لأن الحج يعدل درجة الجهاد:

فعن الحسن بن علي- رضي الله عنهما- أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني جبان، وإني ضعيف، فقال: "هلمَّ إلى جهادٍ لا شوكة فيه: الحج" (رواه الطبراني).. فإذا كان هذا شأن الضعيف والعاجز والمعذور من الرجال عن الجهاد.. فما شأن المرأة؟، نجد الإجابة على ذلك في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم.. عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، ترى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: "لكن أفضل الجهاد: حج مبرور".

 

ما أكرمك وأعطفك علينا ربنا.. فلعلمُك بحالنا وقلة حيلتنا وضعف قدرتنا على الجهاد، أو أنه قد يُحال بيننا وبين الجهاد فلم تحرمنا أجر الجهاد فجعلت ذلك في الحج.

 

رابعًا: لأن البيت يحمل عبق تاريخ الرسالات:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ (96)﴾ (آل عمران) إنه البيت الذي وضعت قواعده الملائكة، وبناه آدم عليه السلام، ثم رفع القواعد منه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وحج إليه النبيون عليهم السلام في الحديث الذي رواه أبو يعلي والطبراني عن أنس.. قال: "مرَّ بالروحاء سبعون نبيًّا.. فيهم نبي الله موسى، يؤمون هذا البيت العتيق".

 

فالناس يستشرفون التاريخ في مشارق الأرض ومغاربها سياحةً في الأرض.. فجعل الله لنا سياحتنا نحن- المسلمين- أن نؤمَّ البيت العتيق.. وجعل تاريخنا هو تاريخ الرسل والنبيين.. تاريخ الوحدانية والعبودية الخالصة له وحده سبحانه.. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) (البقرة).

 

خامسًا: لأن البيت قبلتهم التي يتوجهون إليها في صلاتهم:

القبلة التي كانت أمنية الحبيب صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إليها المسلمون في صلاتهم ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (144)﴾ (البقرة)، فلما أُمروا بذلك رفعوا لواء الطاعة والتسليم.. فتوجهوا إليها أثناء صلاتهم في مسجد القبلتين؛ إذعانًا ورغبةً إلى الله ربِّ العالمين.. إنها القبلة.. حيث تتجلى الفيوضات الإلهية.. وتتنزل البركات السماوية وتغشى الوفود السكينة العلوية.. فيا لهناء مَن ينال النظرة المحظية.. ويفوز هنالك من الله بالعطية.. ويحظى بالرضوان من رب البرية.

 

سادسًا: لأنهم يبتغون بذلك الأنس والأمان من الله:

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (البقرة: من الآية 125)، ويرجون دعاء مستجابًا وعفوًا وغفرانًا.. لقول أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحجاج، والعمَّار، وفد الله، إنْ دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم"، رواه النسائي، وابن ماجة.. فإذا دعاك الملك ليؤنس وحشتك.. ويعطيك الأمان مخبرًا إياك.. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 82)، ويلبي حاجاتك.. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: من الآية 60).. ويغفر لك.. ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الحجر: 49).. فهل ترد مثل هذه الدعوة وتدفع هذا الفضل.. أم أنك ستجيبه مسارعًا فيه فارًّا إليه؟ ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الذاريات: 50).

 

سابعًا: لأنهم يسعون إلى تطهير نفوسهم من أدرانها وأرجاسها:

فيصبح رصيد السيئات عندهم صفرًا كيوم ولدتهم أمهاتهم؛ ففي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي حازم أنه قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ- رضي اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".. فقد بذلوا التوبة.. وزرفوا دموع الندم.. وأصروا العزم.. مصغين آذان القلوب إلى قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التحريم: من الآية 8).

 

ثامنًا: لأنهم يرجون نفي الفقر والذنوب:

للحديث الذي رواه النسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة"؛ لأن الفقرَ قد أرهقهم والذنوب قد أثقلتهم.. فلما سمعوا الداعي ينادي هلموا إلى الغني ليعطيكم وينفي عنكم فقركم.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: من الآية 15)، هلموا إلى العفو ليعفو عنكم ويغفر لكم ذنبكم... كم ذا توَدوا أن تنزاح عن نفوسكم جبال الذنوب وأن تطلِّقوا الفقر الكئود.. فلن تجدوا ذلك إلا عند العفو الغفور الغني الودود: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مدرارًا (11) ويمددكم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾ (نوح 10-12).

 

تاسعًا: ولأنهم يريدون الأجر والمثوبة من الله:

روى ابن جرير- بإسناد حسن- عن جابر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هذا البيت دعامة الإسلام، فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر، كان مضمونًا على الله، إن قبضه أن يدخله الجنة وإن رده، رده بأجر وغنيمة".. كم ذا تودُّ القلوب المبصرة أن تكون الخاتمة هناك؛ حيث الطهر الذي لا ذنبَ بعده والعطاء الذي لا مَنع بعده.. والمنة التي لا حجبَ لها.. اللهم إن لم تقبضنا إليك في ساحات الجهاد في سبيلك فنقسم عليك إلا قبضتنا ونحن ضيوف عليك في بيتك؛ حيث فضلك ورضوانك وقد عفوت عنا وأدخلتنا دار سعادتك.

 

عاشرًا: كما أنهم ينتظرون الأجر من الله على نفقتهم:

فقد وعدهم حبيبهم المصطفى بذلك في الحديث الذي "رواه ابن أبي شيبة، وأحمد، والطبراني، والبيهقي، وإسناده حسن، فعن بريدة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله: الدرهم بسبعمائة ضعف"، وأخبر عن ربِّ العزة قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272)﴾ (البقرة)، أفلا تطمئن بأنَّ الذي سيوفي هو رب العالمين.. ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).. وإلى لقاء آخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

------------

* الأستاذ بجامعة بني سويف