قد يصمت الإخوان، ويطيلون حبال الصبر، على أذى يصيبهم، أو محنة يتعرضون لها.. خشية أن ينشغلوا عن أهدافهم الكبرى بالدفاع عن أنفسهم.. هذا واجبهم.. أما أن يتعايش المجتمع السياسي مع "هدر" منظم لحقوقهم فمرفوض.. والأشد رفضًا؛ أن تشارك قيادات فكرية وسياسية في خلق "حالة التباس" حول حقوق "المواطنة" لأبناء الجماعة.

 

من ذلك.. سكوت الكافة عن هذه الجريمة الكبرى التي نعيشها كل عام في هذا الوقت، وتحدث في جامعات مصر تحت سمع وبصر الجميع- مستقلين ومعارضة- وهي جريمة التزوير الفاضح في الانتخابات، والتي يديرها مجالس الكليات وعمداؤها.. أي قادة العلم ومصابيح التنوير!.. يتم الانقضاض على شباب الإخوان اعتقالاً وفصلاً وتشريدًا، وتهديدًا لمستقبلهم، ولم نرَ عينًا تطرف أو قلمًا يصخب، إلا "مانشيتات" صحفية تزيد من توزيع الصحف.. أما قيادات المجتمع السياسية والفكرية والتي ينبغي عليها أن تقيم الدنيا ولا تقعدها على الجرم المفظع الجاري في محاريب العلم، والتدمير المنظم لطاقات الشباب، وإشاعة اليأس وعدم الانتماء، هذه القيادات غابت عن الفعل السياسي، واعتادوا مسلسل سحق عظام الشباب الغض.. ولو تحركوا لتحركت من أماكنها الجبال، ولارتج النظام هلعًا وراجع نفسه.. وتأدب.

 

ومن ذلك.. سكوت الكافة عن حقِّ الإخوان في وسائط إعلامية يعبِّرون فيها عن مناهجهم، ويتواصلون مع جمهورهم، ويناقشون معارضيهم، ويُجلون الغبار عن تاريخهم.. لقد وقف المجتمع الإعلامي والسياسي وقفة رائعة، وأظهروا المؤامرة الشيطانية التي حيكت ضد جريدة "الدستور" وصحفييها، وأيًّا كانت النتائج، فلقد أدخلوا "الدستور" تاريخ المجد الصحفي، وأصبح رئيس تحريرها المفصول رمزًا صحفيًّا، واعتبر صحفيوها شهداء كلمة ورأي.. والكل يحيطهم برعايته وعطفه.. وهذا عظيم.

 

ولكن المفارقة أن جريدة "آفاق عربية" المعبرة عن لسان الإخوان، صودرت تعسفيًّا، وشرد صحفيوها السبعون بين عشية وضحاها، فلا اعترض إعلاميون ولا تدخلت النقابة، ولا أحد يعرف مصير هؤلاء المناضلين.. وقس على ذلك صحف ومجلات الإخوان وصولاً إلى مجلة (الدعوة).

 

ومن ذلك: حقُّ الإخوان في إعلان شعارهم الانتخابي (الإسلام هو الحل) الذي اختلف فيه معنا البعض واتفق آخرون، ولجأ الإخوان إلى المحاكم أكثر من مرة، فقضت بتوافق الشعار مع القانون والدستور، وأعلن رئيس مجلس الدولة السابق (المستشار الجمل) والرئيس الحالي (المستشار اللمعي) هذا التوافق، بل إن المستشار طارق البشري أعلن- في حكمه الشهير- أن أي شعار لا يلتزم بالشريعة الإسلامية هو المخالف؛ لأن النشاط الإنساني بالوطن ينبغي أن يكون مستمدًّا من الدستور ومُفعِّلاً لبنوده... وبعد كل ذلك تأتي لجنة الانتخابات المسيسة والمدارة بالحزب الحاكم وتعلن بتحريم الشعار، والتهديد بشطب حامليه من المرشحين.. فإذا اتفقنا على نبذ الفوضى والاحتكام للقانون، فالأحرى بالمجتمع السياسي أن يبادر- فورًا- لحماية حق الإخوان (القانوني)، وألا يكون الخلاف (الفكري) مبررًا لسلب الإخوان (حقًّا)، أخذوه بإصرارهم ووعيهم ومنحتهم إياه (سلطة القضاء).. الفارق واضح بين أن تختلف معي على الشعار وبين أن تدافع عن (تطبيق القانون).. أما إذا قال قائل، إن شعاركم مرجعيته دينية ويخشى أن يؤدي إلى فتنة طائفية تهدد وحدة الوطن، فإنه بنفس المنطق نقول: إن الإخوان قد يرون أن السفارات العلمانية والاشتراكية والليبرالية تهدم الوطن (كله)، فهل نحارب حقكم في الوجود والتعبير، أم ندافع عن حقكم القانوني باعتباركم مواطنين لكم كل الحقوق.. ثم نختلف معًا في ميادين التنافس السياسي، كأبناء وطن واحد.. إذن: نستطيع- كلنا- أن نحمي حقوق بعضنا البعض، ونستطيع أيضًا.. أن نهدر حقوق بعضنا البعض.

 

ومن ذلك: حقُّ الإخوان في تأسيس حزب والمنافسة على الحكم:

فمن المضحكات المبكيات أن قادة الفكر والسياسة منقسمون على أنفسهم: هل (نمنح) الإخوان حزبًا أم لا؟.. وهذه من غرائب عالم السياسة والتي استقرت على قاعدة "الكل" أي أن لكل مواطن كافة الحقوق، كما أن عليه كافة الواجبات.. والمؤلم هو في تزييف المصطلحات؛ فالذين يهدرون حق الإخوان في تأسيس حزب يعبر عنهم، يطلقون مخاوف قد يراها البعض معقولة أو مشروعة وهي ليست كذلك:

 

- منها: خشيتهم أن يؤسس الأقباط حزبًا قبطيًّا... فتثور الفتنة.

- ومنها: خشيتهم من خداع الناس بكلام الدين.. فتضيع السياسة.

- ومنها: خشيتهم من الحصار والضغط الأمريكي.. فيضيع الوطن.

- ومنها: خشيتهم من الاستبداد باسم الدين وقطع الرقاب.. حال الحكم بالإسلام.

 

أما عن التخوف الأول، فأكذوبة كبرى؛ لأن الفارق واضح بين حزب (مدني)، أبوابه مفتوحة (لكل) أبناء الوطن بغير تمييز في العرق أو الجنس أو الدين، وبرنامجه (لإصلاح عموم الوطن)، وواضعو البرنامج بشر ومتخصصون، راعوا (توجيهات الشريعة) الإسلامية في مسائله الكبرى، ويضمن الإخوان اشتراك أعداد غفيرة من غير المسلمين في تأسيسه وحمل مبادئه.

 

أما الحزب الطائفي، فأعضاؤه أبناء "طائفة" واحدة، وبرنامجه (مكاسب أبناء الطائفة)، وجهاده من أجل زيادة حقوق الطائفة انتقاصًا من حقوق الطوائف الأخرى.. أين هذا من ذلك؟!

 

وعليه فإذا أعلنت مجموعة من النصارى عن حزب مرجعيته (الإنجيل)، وقدموا برنامجًا اقتنع به الناس وقبلوا الانضمام لعضويته مسلمين ومسيحيين، فأهلاً بهم.. ومهما كانت الممارسات فإن الممارسات السياسية- في الدولة الديمقراطية المحترمة- تصوب مسارها وتطور آلياتها، ما دام المعيار القانوني والدستوري هو الذي يحكم ويتحكم.

 

أما إذا أعلن أحد عن حزب "مسلم" لا يشترك فيه إلا "مسلم"، ولا يخدم إلا "المسلمين"؛ فسنكون نحن أول الرافضين له.. تمامًا كأي حزب "طائفي" مسيحي أو خلافه.

 

إن إصرارنا القاطع على حقِّ الجميع في طرح أفكاره وأخذ التأييد الشعبي عليها، لا يدانيه.. إلا رفضنا القاطع للطائفية السياسية التي تمزق الأوطان ولا تبنيها؛ فأين المشكلة إذن؟!.

 

وأما الجماهير التي يخشون عليها من الانخداع باسم الدين، فهي التي ستختار.. ثم هي التي ستختبر.. ثم تكتشف مدى الخديعة.. أو الحقيقة، ممن اختارتهم... إن دهاقنة الحزب الحاكم، وإعلامه الجبار يعلنون صباح مساء عن نجاح جهود التنمية، والاقتراب من الرخاء، وتحسن الأحوال المعيشية.. فهل صدقهم أحد؟ وهل دافع عنهم أحد؟ ... وهل انتخبهم أحد؟.

 

إن الثورة خدعت الجماهير "بالمبادئ الستة" التي لم تنفذ منها حرفًا، والسادات خدع الناس يوم وعدهم (بالرخاء سنة 80)، وخدعهم النظام الحالي (في كل شيء).. دعوا الجماهير- إذن- تجرب "الإخوان" ليحكموا عليهم.. حتى يعلم الشعب من الخادع ومن المخدوع؟.

 

وأما أن وصول حزب إخواني قد يجلب الضغط الأمريكي والصهيوني، فهذه حقيقة.. لكنها ستكون مع أي نظام "يؤثِر مصلحة الوطن".. فالنتيجة واحدة.. الضغط على أي نظام وطني بسبب محورية مصر وأهميتها إقليميًّا ودوليًّا.. وتأثيرها المباشر على وجود الدولة العبرية والمصالح الاستعمارية للأمريكان، فإذا كان النظام الحالي قد استجاب لكلَِّ الضغوط واستسلم لها، وسلم مفاتيح الوطن للأمريكان، وأفقر الشعب وأذله، فإن الشعب لن يخرج من هذه الهوة السحيقة بغير تضحية، وبغير قيادة صلبة خبيرة تتعامل مع كافة الدول بالندية التي تضمن لشعبها حقوقه.

 

فإذا كانت القيادة على مبادئ الإخوان، فلقد جرب الشعب تضحياتهم وإخلاصهم، وسينتفض فورًا وراءهم، وسيتحمل تبعات النهضة.. أما إذا أراد الشعب الاستكانة- ولا نظن- فلن تجد الإخوان إلا في الشوارع والبيوت والمساجد والكنائس، يستنهضون الناس لنيل حقوقهم.. فالقضية قضية شعب.. وليست قضية حزب مغامر لا يدري مواقع أقدامه.

 

أما الذين يخشون قطع الرقاب والعودة الى الاستبداد.. فهذه ملهاة في زمن المأساة.. إذ حري بالجميع أن يبحث عن خلاص من الرقاب التي تقطع (الآن)، والكرامة التي تداس (الآن)، والحرية المسلوبة (الآن).. والضياع والهزيمة، والفقر والبطالة، والتخلف وتدمير التعليم والصحة، والتبعية والانهيار أمام الأعداء، وبيع فلسطين والعراق وأفغانستان... يا ربي هل نصادر على مستقبل أناس لم نجربهم.. ونترك الجحيم المستعر يأكل لحومنا.. أم أنه هدر لحقوق الإخوان عمدًا.

 

لعل ذلك- أخيرًا- يقودنا إلى سؤال مباشر يتصاعد أيام الانتخابات: هل يريد الإخوان الوصول للحكم؟.

 

لا تجعلوا الكلمات تقف في حلوقكم أو ترتج عليكم... السؤال "غلط" أصلاً.. لأنه ليس من حقِّ أحد أن يصادر على أحد (أي) حق في هذا الوطن.. فارق كبير أن نقول إنها ليست مرحلة المنافسة على الحكم.. وبين أن يتصور أحد أن الحكم ميدان قاصر على فئة بعينها.. إن الأمة هي صاحبة (الحق)، والأصل في عملنا الآن هو استعادة (الحق) لصاحبه، الذي ستكون له بعد ذلك حريته الكاملة في أن يولّى عليه من يشاء، استمعوا معي إلى صوت الامام البنا الصادح قائلاً:

 

"قد يكون مفهومًا أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله، وتنفيذًا لأحكامه، وإيصالاً لآياته، وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم، وأما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في وادٍ والتشريع العقلي والتنفيذي في وادٍ آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين يدينون بأحكام الإسلام".

 

ولكن الإمام لما راجع أحوال الأمة قال في الفقرة التي بعدها:

"وعلى هذا فالإخوان أعقل من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلا بد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة" (رسالة المؤتمر الخامس).

 

هذه- إذن- مرحلة جهادنا.

إن 15 ألف سنة هي مجموع السنوات التي قضاها ثلاثون ألف معتقل من أبناء الإخوان في 10 سنوات (طبقًا لإعلان فضيلة المرشد) في سبيل دينهم ووطنهم، كفيلة بأن تمنحهم ثقة شعبهم.. وتجبر الخصوم على احترامهم فكيف بالأصدقاء؟!.