تمر بنا هذه الأيام المباركة، العشر الأوائل من ذي الحجة، تذكِّرنا برمز من رموز التضحية والفداء.. إنه إبراهيم عليه السلام نبي كريم، وهو رمز عظيم من رموز التضحية في تاريخ الدين وفي تاريخ البشر أجمعين؛ ذلكم هو الخليل إبراهيم عليه الصلوات والتسليم، فحياة هذا النبي الكريم تضحية متصلة مذ كان فتى يحطِّم الأصنام، لا من أجل تحطيمها؛ ولكن من أجل تحريك العقول وتفهيمها، واجه المجتمع وحده، واجهه من أجل الإصلاح، بدأت سلسلة التضحيات منذ تلك السنوات المبكرة من حياة هذا النبي الكريم؛ حيث أُلقي في نار هائلة سمّاها أهلها (الجحيم) ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)﴾ (الصافات)، وتستمر التضحية بهجرة الوطن في سبيل العقيدة والدين، وهي تضحية من أجلِّ التضحيات، ولا يعلم قيمتها إلا من ذاق مثل مرارتها ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (العنكبوت)، وتأمل وتذوّق ﴿مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾.
ثم كانت تضحية جليلة أخرى: أن يهاجر بامرأته ورضيعها ليسكنهما ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ (إبراهيم: من الآية 37)، وما كان ثمة بيت ولا ساكن ولا زرع ولا ماء بذلك المكان، وتخيل حجم التضحية؛ إذ تتخيل الصحراء وقد أظلم المساء، وقد نفد الزاد واستنزف الماء ولا أنيس، إن الوحشة كفيلة لقتل تلك المرأة ووليدها؛ فما بالك بخطر قُطَّاع الطرق، وما بالك بعقارب الصحراء وثعابينها، فما بالك بنفاد الزاد؟.. إنها تضحية لا تحدٍّ ولا يقدر قدرها، ويشارك الأب في التضحية تلك الأم الصابرة المؤمنة المحتسبة المتوكلة على الله "إذن لن يضيعنا الله أبدًا"، وتمر الأيام عليهما شديدة أشد ما تكون.. ولكن رعاية الله للعبد الذي يضحِّي من أجل الله أن يحرِّك له الكون، وتتفجر المياه ليس لهم فقط؛ ولكن للبشرية جمعاء، فالخير الذي يأتي بعد التضحية يعمُّ البشرية جميعًا، إن التضحية تأتي بالخير ليس فقط على الفرد الذي يضحِّي بل الخير للبشرية جميعًا.
ثم جاءت التضحية التي توّجت مسلسل التضحيات، والتي من أجلها كان أضحانا، وعلى سنتها قمنا نضحِّي بالأضاحي في سبيل الله.. ذلك أن هذا النبي الكريم جاءه ولد هو إسماعيل على حين يأس من الذرية، وعلى كبر وشيخوخة فكان التعلق به عظيمًا؛ وهذه خبرة إنسانية بديهية معروفة، فلما بلغ الولد مبلغ النفع والاعتماد عليه، وصار التعلق به أشد، وكان بارًّا بوالديه والحاجة إليه أشد، وتعلَّق القلب بالولد، جاء البلاء جاء الاختبار العظيم؛ ليظهر كيف تكون التضحية بأغلى ما يملك الإنسان وأعز ما يدخر الإنسان، واقرأ واستمتع: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)﴾ (الصافات).
هذا هو الاستسلام الحقيقي والتضحية الحقيقية في أعلى صورها، وقد صاحب تلك التضحية طاعة من الابن ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)﴾ (الصافات)، والتضحية من الأم بالصبر والاحتساب.. إنه النموذج العملي لكل من يسير على الدرب، لا بد من التضحية، لا بد من بذل كل ما نملك من أجل الله، لإصلاح الفساد لمواجهة الظالمين؛ إن الذي يريد أن يحيا حياة كريمة لا بد أن يضحِّي؛ لن ننال الحرية بدون تضحية لن تُرفع الأيادي الظالمة بدون تضحية.
لا بد لكل منا أن يعلم أننا مقبلون على اختبار مهم لمواجهة الظلم، نحن مقبلون على الانتخابات، فلا بد أن نكون صادقين مع الله، ونضحِّي لله أولى درجات التضحية؛ القيام بشهادة الحق، والوقوف في وجه أصحاب شهادات الزور، لا بد من الوقوف مع المصلحين الذين نذروا أنفسهم لله ثم خدمة هذا الوطن.
إن التضحية الحقة لا تكون مجرد كلام، يُقال إنما هي وقفة صادقة لله عز وجل، لا يكفي أن نرى بعض الأفراد يقفون، لا بد أن نتحرَّك جميعًا، نتحرك لإنقاذ الوطن، نتحرك لإصلاح البلد، علينا أن نرى الله عز وجل منا خيرًا، يرى فينا التضحية الصادقة عند ذلك، يتنزل نصر الله عز وجل ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت).
------------
* أستاذ مساعد- كلية طب الأسنان- جامعة المنصورة.