كان النبي عليه الصلاة والسلام في بداية البعثة وهو وحيد مطارد يُعرِّض نفسه على القبائل، ويجهد نفسه حتى يبحث عن أرضٍ تخلِّي بينه وبين الناس.

 

قالت له إحدى القبائل نؤمن بك ونتبعك حتى إذ أظهرك الله فالأمر لنا من بعدك، فقال لهم: "إن الأمر لله يورثه لمن يشاء من عباده".

 

قالت أخرى نحميك مما يعي العرب فقط، ولكننا بيننا وبين كسرى عهود ومواثيق، ولا نقدر عليهم قال لهم: "إن الأمر لا ينبغي إلا لمَن أحاطه من جميع جوانبه".

 

هكذا بين المعصوم صلى الله عليه وسلم شمولية الرسالة وبهاؤها وجمالها، وسموُّها على أنصاف الحلول، وأنني أريد أن يسمعني الجمهور.

 

فليسمع الجمهور.. فليسمع ملايين البشر وكم سمعوا! وكم شاهدوا.. منك ومن غيرك، ومن هو أفصح منك، ومن هو أفقه منك، ومن هو أعلم منك، فالسماع مهم، وشيء جميل، ولكن أين التطبيق ومدى استمراريته؟

 

لقد سمعوا وماذا كانت النتيجة؟ في اللحظة التي كنت تتحدث فيها من على أحد منابر الحزب الوطني، وعن التسامح كانت جحافل الحزب وميليشياته تسحل المتوضئين.. تمزقهم.. تحصدهم..

 

في اللحظة التي كانت تدمع عيونهم من التأثر من كلماتك كانت جنودهم تبكينا وتدمينا وتذبحنا بغير رحمة.

 

في اللحظة التي كانوا يوزعون دعايتهم الرخيصه بعد سنين من الظلم والزور والبهتان، وقفت أنت في بيته على منبره؛ لتقول للناس ليس لي في السياسة.. إنها لكلمة عظيمة.

 

نفس منطقهم يقولون لا دينَ في السياسة، وللأسف ليتهم يلتزمون بذلك بل يستخدمون الدين مطيةً للسياسة، ويستخدمون كثيرًا من العلماء لأغراضهم السياسية..

 

ميكافيليون هم حتى النخاع، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة.

 

نعم استخدموك سياسيًّا ونفوك وأرهقوك وأتعبوك حتى إذا وصلت إلى أحضانهم كتموا أنفاسك.. فإنه لا دينَ في السياسة عندهم: أي لا حرامَ فيها، لا طهرَ فيها، لا نقاءَ فيها، لا رجولةَ فيها، لا عهود ومواثيق تحترم فيها.

 

فكل شيء مباح والكل مستباح.

 

أنت تعلم أن الـ(سي أي أيه)، والموساد يعطون أجورًا ورواتب مجزية لمَن يُخرج الدين من السياسة مباشرةً، أو عن طريق السماسرة من الحكام.

 

إنهم ينفقون ببذخٍ على الدراويش.. وعلى الطرابيش، إنهم يريدون أممًا مستأنسةً لا دينَ شامل لها ولا دين في سياستها، فقط طقوس في المعابد والمساجد والزوايا والحنايا لا يتعداها، وأنت تعلم أن الرسول وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم حكموا الناس بالدين.

 

الرسول لم يقل لا تتحدثوا في السياسة بل نادى في كل حدب وصوب للقاصي والداني للرجل والمرأة للكبير والصغير حتى عمير صاحب النغير.. نادى أشيروا عليَّ أيها الناس.

 

لم يقل للحباب بن المنذر في بدر ليس لك دخل في السياسة تحدث فقط في أحكام الجنائز والموتى!.

 

لم يقل لسليمان الفارسي في الخندق لا تتكلم في السياسة بل تكلم عن الطهارة والحيض والنفساء!.

 

لم يقل للفاروق عمر في "الأسرى" و"الحديبية" لا تتحدث في السياسة تحدث فقط عن الارتقاء إلى الله!.

 

بل في مرحلة الاستضعاف وسط كفار مكة، وليس وسط أساطين الحزب الوطني قال قولوها تملكون بها العرب والعجم..

 

قال قولوا كلمة واحدة..

قالوا: ألف كلمة.

قال: قولوا لا إله إلا الله.. قولوها تحكمون بها العرب والعجم

قالوا: أما هذه فلا.

لماذا.. لأنهم كانوا يعرفون معناها؟

إن من أهم معاني لا إله إلا الله أن الدين يحكمنا..

أن نتكلم في الحكم أو ما يسمى السياسة.

 

ولما أراد أحد أساطين قريش منع أبَي بكر من الخروج من الصومعة، وعدم الكلام عن الآلهة أيًّا كانت هذه الآلهة؛ سواء أصنام تُعبد أم أشخاص تشرِّع بغير ما أنزل الله، ردَّ عليه جواره.

 

لما مات ابن عباس قالوا: مات رباني هذه الآمة، قالوا: كيف هو رباني؟ قالوا: كان يسوس الناس بالقرآن.

 

وهل جاء إلا لذلك؟ هل القرآن جاء ليوضع على الرفوف، وتحت الدفوف، ويُقرأ في المآتم والمصائب أم جاء ليحكم الناس.

 

وينظم شئونهم وحياتهم كلها..

نحن كم أجبناك من أجل الحق وما زلنا..

نحن كم دافعنا عنك في الحق ولا زلنا..

نحن كم التمسنا لك الأعذار في الحق ولا زلنا..

نحن كم اتهمونا بسببك وحمَّلونا أوزارك ولا زالوا..

ونحن لا نشك في مجهودك ولا إخلاصك..

لكننا تعلمنا في مدرسة الصحابة أن الحق أولى بالاتباع.

 

تعلَّم موقف أحمد بن حنبل، وتعلم موقف صاحب الظلال.. مواقف عملية لا تريد أنصاف الحلول..

 

فليتحدث الدعاة، وليخطب الخطباء، ولتنشر المواعظ تصم الآذان، وتسد الآفاق، لكن المواقف العملية تختلف..

 

وقالها صاحب الظلال ستظل كلماتنا عرائس من الشموع، فإذا متنا في سبيلها دبت فيها الحياة
نعم، إن صناع الحياة لا بد أن يفقهوا لغة الموت من أجل الحياة، ورحم الله الإمام بن تيمية رضي الله عنه: ماذا يفعل أعدائي بي؟ "سجني خلوه.. نفي سياحة.. وقتلي شهادة".

 

هؤلاء هم السلف الصالح، استلهموا الحق والثوابت من المعصوم صلى الله عليه وسلم، وسلَّموه جولةً بعد جولة وطائفةً بعد طائفة، حتى وصل إلينا صافيًا شاملاً شافيًا.. نتمتع بالعيش تحت ظلاله الوارفة، ونتمنَّى الموت في أحضانه الدافئة.

 

هو الحق فلا نحيد عنه، وليس العيب أن نخطئ، فكل ابن أدم خطَّاء، لكنَّ العيب أن نصرُّ على الخطأ، ونكرر الخطأ، وندافع عنه في وسائل الإعلام، ونكتب على مواقعنا لا نتكلم في السياسة.