إن النفس الحرة المؤمنة تتفاعل مع ما يدور حولها من أحداث، فالإنسان خليفة الله في الأرض، مسئول عن تعمير هذا الكون وتنظيم أموره وإصلاحه، ولا يتم ذلك إلا من خلال تفاعل بين الأفراح وتعاون لإعمار الكون.
كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو (الإيجابي الأول) كان أشجع الناس، فحينما فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله راجعًا قد سبقهم إلى الصوت، واستبدأ الخبر والسيف في عنقه وهو يقول: "لن تراعوا".
* إيجابية بنت بائعة اللبن
ما كانت تحلم أن تكون زوجة لابن خليفة المسلمين عمر بن الخطاب ولا جدة لخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز، ولكن ارتفعت لهذه المكانة العالية لموقفها الإيجابي، حينما رأت أمها تخلط اللبن بالماء، فرفضت ذلك الغش، وقالت لأمها "إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا"، فرفعها الله لهذه المكانة العالية، وخلد ذكرها لرفضها السكوت عن قول الحق.
* الإيجابية في قصة ذي القرنين
وجد قومًا سلبت أموالهم وانتهكت حرماتهم ولا يأمنون في نهارهم ولا ليلهم، فلما رأوا ذا القرنين أدركوا أنه المخلص لهم من الظالمين، فعرضوا عليه المال مقابل أن يخلصهم مما يعانوا ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (الكهف: من الآية 94)، ولكن القائد الحكيم أدرك أنه لا إصلاح ولا تغيير ولا قضاء على الفساد إلا بيد الشعب.. فقام بإنقاذهم يده بأيديهم وبإمكاناتهم، بحديدهم، بنحاسهم، بنفخهم في النار بأنفسهم فقال لهم ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)﴾ (الكهف).
فلا يكفي الحديث عن الفساد والفصاحة فيه، فالجميع يرى ويسمع ويشاهد قصص الظلم والفساد والمحسوبية والرشوة في جميع وسائل الإعلام؛ فهل هذا يكفي لإصلاح أحوالنا؟ ففي قصة أصحاب الجنة بعد أن مات الأب الصالح الذي كان يؤدي زكاة حصاده للفقراء، والمساكين يوم الحصاد، اتفق الأبناء على أن يحرموا الفقراء من نصيبهم إلا أوسطهم، وقف لهم ناصحًا يحذِّرهم من عاقبة فعلهم فلم ينتهوا، ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)﴾ (القلم).
احترقت الأرض والزرع فأصبح رمادًا، ولم يستثن الله نصيب الأخ الأوسط الذي نصحهم، لماذا؟! لأنه سار معهم وأكمل معهم فناله من الجزاء، فلا يكفي أن تنكر الفساد بل واجب عليك أن تسعى وتبذل الجهد من أجل الإصلاح لذلك الفساد.
بوسعك أن تغيِّر الفساد بمساندتك أهل الحق والوقوف في وجه المفسدين.
من الإيجابية ترك لفظ "أنا مالي" لماذا أصنع؟ ماذا يفعل صوتي؟!.
حينما أمر الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام قائلاً: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ (الحج: من الآية 27).
قال يا رب وماذا يبلغ صوتي؟.. قال الله عز وجل: يا إبراهيم عليك الأذان وعلينا البلاغ.
* نملة أنقذت أمة لإيجابيتها
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18)﴾ (النمل).
تحركت نملة حينما رأت الخطر يهدد بني جنسها، فنادت ونبهت وأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم، وحذرتهم من الهلاك وحددت مصدر الهلاك، فحينما أدركت النملة الخطر على بني جنسها أدركت خطورة المسئولية، وسعت حتى أنقذت بقية النمل.. ولم تنجُ بنفسها وتقول "أنا مالي".
- من لا يغار على شرف قومه لا يغار على نفسه.
- الحر لا يساوم على حريته ولا يفرط فيها.
- حفظ كرامة الوطن والمواطن جزء لا يتجزأ من المحافظة على العرض.
- إذا أهملت حقك والدفاع عنه فقاسيت ما قاسيت فلا تلومن إلا نفسك.
"هل الإسلام هو الحل؟ لماذا وكيف؟"
أحب أن نتطرق معًا إلى أهم ملامح كتاب "هل الإسلام هو الحل؟ لماذا وكيف؟" لمؤلفه: د. محمد عمارة الذي تحدث فيه عن "الإسلام هو الحل" ولماذا هذا الشعار التي ترفعه أكثر حركات الإصلاح الإسلامي انتشارًا، وتعاديه الصهيونية والصليبية وغلاة العلمانية والتغريب، وتدرس أبعاده مراكز البحث وصناعة القرار المعادية لوطن العروبة وعالم الإسلام.
ويحيط به الغموض عند الكثيرين.
فلماذا الإسلام هو الحل؟ وليس النموذج الغربي في التقدم؟
وماذا يعني الحل الإسلامي، في الحياة الفكرية.. والنهضة العقلية.. وفي النظام السياسي، والقضية الاجتماعية؟ وفي تحرير المرأة، وحقوق الإنسان، وفي علاقة الوطنية بالقومية، وبالجامعة الإسلامية ومشكلات الأقليات وفي النظام العالمي والعلاقات الدولية؟.
إنها أولى الدراسات التي تقدم تصورًا متكاملاً لما يعنيه هذا الشعار يقدمها هذا الكتاب.
يستهل المؤلف هذا الكتاب بتمهيد بعنوان:
فيقول: "في المشكلة... والحلول عندما يكثر الحديث في مجتمع من المجتمعات عن ضرورة "الحل" فمعنى ذلك أن هناك مشكلة دفعت هذا المجتمع إلى مأزق؛ الأمر الذي استنفر العقول المفكرة إلى البحث عن حل للخروج من هذا المأزق الذي تردى فيه.
وتلك هي حال الأمة الإسلامية في هذا العصر ومنذ عدة قرون، فأمتنا لا تتمثل مشكلتها في فقر الإمكانات المادية والروحية، وإنما في "الافتقار إلى النظام" الأقدر على توظيف ما لديها من إمكانات.
فهذه الأمة تملك:
1- الوحي الصحيح الوحيد بين الكتب السماوية.
2- العقيدة الواحدة التي وحَّدت على امتداد قرون تاريخها رغم اختلاف أوطان شعوبها وتعددت لغاتها وتنوع الأجناس الذين دخلوا في هذا الدين.
3- الشريعة الإلهية الواحدة التي وضعها الله معالجة للمنهاج الإسلامي، وفيها حدود الله والفلسفة المميزة للتشريع والقانون الذي يقرن المصالح جميعها بالقيم والأخلاقيات.
4- الحضارة الإسلامية الواحدة التي اصطبغت بصبغة الإسلام وتميزت عن غيرها بالمنهاج الوسطي المتوازن في الحفاظ على الثوابت والتطور والنمو والتنوع الذي يواكب كل جديد في الفروع والجزئيات.
5- عقيدة الجهاد تجعل عزة المسلم من عزة الله وعزة رسوله ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)، وقد تجسدت في فتوحات زانتها شمائل الإسلام جعلت المسلمين يفتحون بالحق والإحياء والتحرير في ثمانين عامًا أكثر مما فتح الرومان بالباطل والاستعباد في ثمانية قرون.
6- وتاريخًا مثلت قيمه (العالم الأول) على ظهر الأرض لأكثر من 10 قرون تعلمت منه حضارات الدنيا.
7- ووطنًا تبلغ مساحته 35.000.000 كم فيه كل مناخات الفصول وهو الحاكم في مواقع الدنيا وطرق اتصالها برًّا وبحرًا وجوًّا.
8- وفي أرض وطن هذه الأمة أثمن ثروات الدنيا:
- فهي الأولى في البترول- المنجنيز- الكروم- القصدير- البوكسيت- الغاز الطبيعي.
- والثاني في النحاس- الفوسفات.
- الثالث في الحديد.
- الخامس في الرصاص.
- السابع في الفحم.
9- وعلى أرض هذا الوطن تعيش أمة تزيد على المليار وربع المليار، فهي ربع البشرية.
10- ومن أبناء هذه الأمة الأغنياء الذين يملكون أكبر الفوائض النقدية القادرة على تحرير شعوبها من رق الديون، وجعل بلادها حافلة بالتنمية والاستثمار والرخاء.
لكن هذه الأمة مع وفرة وغنى هذه الإمكانات تعيسة "المشكلة.. المأزق" الذي يتطلب "الحل" و"النظام" الذي يستثمر هذه الإمكانات فيحول الأمة من موقع التخلف إلى عالم النهوض.