لأن الدولة القائمة لها مشروعها، والمشروع الإسلامي يمثل بديلاً آخر عن ما هو قائم؛ لذا كان من الطبيعي أن تحدث مواجهة ما بينهما، فلا يمكن تصور أن تكون الدولة إسلامية، وتواجه الحركة الإسلامية؛ لذلك عندما كانت الدولة القائمة إسلامية، قبل سقوط الخلافة العثمانية، كانت حركات الإصلاح الإسلامي، تمثل محاولاتٍ للإصلاح من داخل الدولة القائمة.
ولكن الدول التي قامت بعد سقوط الخلافة الإسلامية، لم تدعِ أصلاً أنها دول إسلامية، كما أن علمانيتها التي ظهرت تدريجيًّا، استمرت في النمو مع الوقت، فأصبحت الدول القائمة علمانية بدرجةٍ أو أخرى، وإن كانت لا تستطيع في الغالب رفع شعار العلمانية؛ لأنه يتصادم مع المرجعية الحضارية الإسلامية للشعوب.
والحركة الإسلامية التي قامت بعد سقوط الخلافة، لم تقدم نفسها باعتبارها امتدادًا للدولة القائمة، بل قامت حتى تغير مرجعية الدولة القائمة؛ لأن الحركة تحمل مشروعًا إسلاميًّا، لم تقبله الدول القائمة، ورفضته بشدة النخب الحاكمة على مرِّ العقود؛ لذا أصبحت المواجهة بين الحركة الإسلامية والدولة القائمة، هي مواجهة بين مشروعين، لكلٍّ منها مرجعية مختلف، وهو ما يجعل المواجهة بين الحركة الإسلامية والدول القائمة، نتاجًا لاختلاف المشاريع المرجعية، ولكن حجم المواجهة وشدتها، ترتبط بموقف الطرفين، الحركة الإسلامية والدولة.
والحاصل أن البديل الإصلاحي التدريجي داخل الحركة الإسلامية، قدَّم دوره كقوةٍ تريد إصلاح الدولة القائمة، وتثبيت مرجعيتها الإسلامية، على أساس أن تلك المرجعية مسجلة في الدساتير، وإن كانت غير منفذة على أرض الواقع، وهو ما ظهر في موقف جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها.
ولكن هذا البديل لم يقبل بالطبع التكيف مع شروط الدولة القائمة، والتي تجعل الدولة هي مصدر المرجعية وليس المجتمع أو الأمة، لهذا لم يندمج هذا الفريق داخل إطار الدولة طبقًا لشروطها، ولكنه في الوقت نفسه لم يواجه الدولة بوصفه دولة بديلة، ولكن تعامل مع الدولة باعتبارها مؤسسة الحكم المركزية، التي يجب المحافظ عليها وإصلاحها في الوقت نفسه؛ لذا ظلَّ البديل الإصلاحي التدريجي يمثل بالنسبة للدولة القائمة، محاولة منهجية لتغيير مرجعية الدولة، أي محاولة لإصلاح الدولة من داخلها، وهو ما اعتبر نوعًا من اختراق الدولة أو التغلغل فيها بغرض تغيير مرجعيتها.
والمشكلة الأساسية هنا، أن الدولة في عهد الاستعمار العسكري المباشر كانت تابعة للاحتلال الأجنبي، ولكنها حتى بعد التحرر من الاستعمار العسكري المباشر، أصبحت تابعةً للنخبة الحاكمة، ولم تصبح تابعة للمجتمع الذي تمثله وتنوب عنه؛ لهذا لم تتحرر الدولة في أي مرحلةٍ من المراحل من مواقف النخبة الحاكمة، حتى تعمل كمؤسسة مركزية حامية للمجتمع، تخضع لشروط المجتمع وقيمه؛ لأنه إذا تحررت الدولة من التبعية الكاملة للنخبة الحاكمة، وأصبحت جهاز الإدارة الذي يحمي المجتمع، ويلتزم بقواعد وقيم المجتمع، لكان موقفها من الحركة الإسلامية تغير، باعتبار أن الحركة الإسلامية لم تكن إلا جزءًا حيًّا وفاعلاً من المجتمع؛ لذا كان لزامًا على الدولة أن تستوعب الحركة الإسلامية، كما تستوعب عمل ونشاط كل فئات المجتمع، وتحمي تعددية المجتمع، كما تحمي تنوعه، وتحمي كل فئاته ومكوناته.
ولو حدث هذا لتغير الموقف تمامًا؛ لأن الدولة التي تعمل كوكيل عن المجتمع، وتحميه وترعى تقاليده وقيمه، كانت سوف تتجنب الخصومة مع أي من مكوناته، بما فيها الحركة الإسلامية، ولكن هذا لم يحدث؛ لأن ارتباط الدولة بالمجتمع، كان سيؤدي ضمنًا إلى تسرُّب مرجعية المجتمع إلى الدولة، وهي في غالبها أميل للمرجعية الحضارية الإسلامية، بما يجعل الدولة تعمل من خلال إطار قيمي ينتمي للمرجعية الحضارية الإسلامية، ورغم أن الدولة يفترض أنها ليست خصمًا سياسيًّا، وبالتالي يمكن أن تعمل كجهازٍ إداري من داخل إطار القيم السائدة مجتمعيًّا، إلا أن النخب الحاكمة كانت ترفض أي صيغةٍ تجعل المجتمع هو منبع القيم والقواعد الحاكمة للدولة؛ لأن هذا يُعرقل مشروع النخب الحاكمة، والذي اعتمد على تبني النموذج السياسي الغربي، كجزءٍ من تحالف تلك النخب مع الدول الغربية.
تاريخيًّا كان لا بد من ظهور بدائل إسلامية أخرى، تتعامل مع هذا الوضع المتأزم بين الدولة والحركة الإسلامية، ولم يكن البديل الأول الجاهز للظهور، والمناسب لحالة الخصومة المستحكمة بين الدولة والحركة الإسلامية، إلا البديل المسلح، فحمل السلاح كأداة للتغيير، يُعبِّر ضمنًا عن تفاقم حالة الخصومة بين الدولة والحركة الإسلامية، ويُعبِّر أيضًا عن تمادي الدولة في استخدام سلاحها، الذي يفترض أنه لحماية المجتمع، في مواجهة الحركة الإسلامية، وهي جزءٌ من المجتمع، ومنطق السلاح يغلب في النهاية، ما دام طرف قد استخدمه بصورةٍ مفرطة، وسد الطرق أمام الحوار والتفاعل الحر.
وفي العلاقة بين الدولة والحركة الإسلامية، تمثل الدولة الطرف الأقوى، من حيث إنها تملك السلاح وتملك أدوات القانون بكل أشكالها، ولهذا يمكنها أن تضرب خصومها بكل أدوات الدولة، حتى خارج إطار القانون والدستور، خاصةً أن النخبة الحاكمة هي التي تُسيطر على الدولة، ولم تترك مساحة لبناء تقاليد مؤسسية داخل الدولة، تدير بها الشأن الإداري، خارج إطار سيطرة النخبة الحاكمة.
أما البديل المسلح، فقدَّم نفسه في صورة استجابة على ما آلت له الأوضاع؛ لدرجة أن فكرة التغيير بالقوة أصبحت تنتشر في سبعينيات القرن العشرين كالنار في الهشيم، دون أي كابحٍ لها؛ لأنها بدت فكرة منطقية ظاهريًّا، فإذا كانت الدولة تُسيطر بالسلاح على مجمل الأوضاع وتمنع تغييرها، فإن استخدام الحركة الإسلامية للسلاح، يعدُّ الرد المناسب والمتطابق، ولكن المشكلة في فكرة استخدام السلاح، تكمن في حقيقة الدولة في النظام المستبد؛ حيث نجد أن قوة الدولة المستبدة تكمن في سلاحها، ولكن كل الجوانب الأخرى تمثل نقاط ضعف لها؛ فهي دولة مرفوضة، ليس لها قاعدة جماهيرية، والطبقات المستفيدة منها تتقلص مع الوقت، وبالتالي فالدولة التي تمثل نظامًا مستبدًّا مفروضًا على الناس، فكرتها ضعيفة وشعبيتها أضعف.
وبعد دورات من العنف المتبادل، تدرك الحركة الإسلامية، أن البديل المسلح ليس بديلاً للتغيير، وأنه يحول معركتها مع الدولة إلى معركةٍ مع جزءٍ من المجتمع، بسبب توسع نطاق المواجهة بينهما.
ولهذا تبادر الحركة الإسلامية التي استخدمت السلاح بالتراجع عنه، ليس لعدم قدرتها على الاستمرار؛ لأن العنف يمكن أن يتحول إلى دوامةٍ لا يخرج منها أحد، ولكن بسبب أن السلاح أصبح سببًا يُعطِّل مشروعها، كما أصبح مبررًا يجعل الخصومة مع الدولة لا نهائية.
وهو ما قامت به الجماعة الإسلامية في مصر، والتي أطلقت مبادرة وقف العنف، لوقف المواجهة المسلحة بينها وبين الدولة، ويتوافق هذا مع ما قامت به جماعة الإخوان المسلمين، عندما حلت التنظيم الخاص بعد الصدام مع حركة يوليو 1952م، واعتبرت وجوده عائقًا أمام مشروعها رغم أنه أسس لمقاومة المحتل، كما أدركت أن أخطاءه تكلف الجماعة ثمنًا بالغًا.
وهو ما تكرر مرةً أخرى، عندما ظهرت أفكار من داخل الجماعة تعمق فكرة المواجهة مع الدولة والنخب الحاكمة، في ما عرف بمحنة التكفير في سجون العهد الناصري، فقامت الجماعة بوضع كتاب (دعاة لا قضاة)، واعتبرته وثيقة أساسية، من لا يوافق عليها يخرج من الجماعة.
بهذا تأكد أن الحركة الإسلامية هي التي تتجنب الصدام مع الدولة، وليس العكس، ولكن ظلت الحركة الإسلامية تقدم مشروعًا مختلفًا، وتحاول تغيير مرجعية الدولة، وهو ما يعتبره البعض دليلاً على أن الحركة الإسلامية هي التي فتحت باب الصدام مع الدولة، ولكن الحقيقة أن المشروع الإسلامي يقوم على تغيير مرجعية الدولة القومية العلمانية؛ لذا فهو مشروع لتغيير مرجعية الدولة، ولم يكن هذا خصامًا مع الدولة، ولكن كان وما زال محاولة لربط الدولة بمرجعية الأمة.