تزامن حلول العام الهجري 1432 وذكرى هجرة رسولنا صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ومصرنا الحبيبة تجتاز فترةً دقيقةً من حياتها يتم فيها تزوير إرادة الشعب المصري لصالح حزب الحكومة أو حكومة الحزب، وكثر الحديث عن الأسباب الخفية وراء هذه الحملة الشرسة، وخاصةً حول شعار (الإسلام هو الحل)، والقضية كما أفهم أنها ليست قضية شعار بل هو التدافع بين فئات ثلاث:

الأولى: فئة تفهم أن الإسلام اعتقادٌ صحيحٌ سليمٌ بعيد عن الشرك، واتباع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تبديل ولا ابتداع، وبدون زيادة عليه أو نقص منه، ويتبع ذلك كله، ويتصل به أخلاق وعبادات ومعاملات وأحكام، ويتكون من هذا المجموع كله نظام يشمل الحياة كلها في جميع أنحائها وجوانبها، ومن هنا كان الكلام عن دستور الإسلام أو سياسة الإسلام أو اقتصاد الإسلام أو غير ذلك، وكذلك يكون الإسلام كلاًّ لا يتجزأ، فهو عقيدة قبل أن يكون نظامًا وأخلاقًا، وقبل أن يكون تشريعًا وقانونًا.

 

الثانية: فئة ترفض ذلك جملةً وتفصيلاً وفي القلب منهم طبعًا غير المسلمين واليساريون، ومن يُطلق عليهم العلمانيون الذين ينشدون دولةً بلا هوية ولا مرجعية إسلامية "فالدين لله والوطن للجميع" "لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة"، "ودع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".

 

الثالثة: فئة يبدو أن بعضها ليس لديه معرفة جيدة بالإسلام وتاريخه، فراح عن قصد أو غير قصد يتهمه بالعنصرية والتمييز، ويردِّد مقولات الفئة الثانية، وقد غلبت عليهم مصالحهم الدنيوية، فأين كانت مصلحتهم فثم القصد والغاية؟

 

الانتخابات الأخيرة وإهانة الإسلام

إن أخطر ما ارتبط بهذه الانتخابات هو الإساءة إلى الإسلام، وازدرائه واتهامه بما ليس فيه، وتجيُّش الكتاب المرتزقة وماسحي (بيادة لاظوغلي) واليسار المتآمر؛ للإلحاح على ما يُسمَّى بالدولة الدينية والأحزاب الدينية والمواطنة، ولا يستطيع هؤلاء القوم توجيه هذا الكلام إلى الدولة الدينية حقًّا والأحزاب الدينية التي تشكل حكومتها والعنصرية أو التمييز الذي تمارسه على أرض فلسطين، ومن منطلق الدين علنًا والتي تجعل غير اليهودي درجةً ثانيةً، إن الذين يهينون الإسلام بهذا الأسلوب الرخيص لا يستطيعون أن يواجهوا حزبًا دينيًّا حقيقيًّا قائمًا على أرض الواقع، تقوده الكنيسة المصرية ويأتمر بأمرها ويتحرك بإشارةٍ منها في المناسبات المختلفة، ويرى نفسه فوق الأكثرية السياسية والدينية شاءت أم أبت.

 

كيف وصلنا إلى هذا الواقع؟

مجتمعنا المصري تعرَّض وما زال يتعرض لجهود مستمرة ومتواصلة ممن كرهوا ما أنزل الله، تعمل على تغيير حقيقة حضارته في عقائدها وأخلاقها وعلومها وأدبها ولغتها وتشريعها وتاريخها وحياتها الاجتماعية، وذلك من خلال تغيير أساليب التعليم وإفساد طرق التربية، ونجحت هذه الجهود إلى حد ما في إيجاد أجيال من المسلمين منقطعة الصلة بدينها، قليلة الفهم لكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الأجيال اختار الغرب طوائف ممن صنعهم على عينه، وأرضعهم من ثقافته وفكره، فقدمهم وأبرزهم، وجعل منهم الحكام والقادة والمفكرين والموجهين؛ وبذلك تمكن عن طريقهم من أن يحل قيمه وأخلاقه ولغته مكان قيم وأخلاق الإسلام، وهكذا أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، كما حدثنا بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

 

إن إضافة فقرة في المادة الخامسة من الدستور تقرر حظر أي نشاطٍ سياسي أو حزبي على أساس الدين أو الجنس أو الأصل؛ الأمر الذي يعني مصادرة أي نشاط سياسي أو حزبي يدعم المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصري المنصوص عليها في الدستور، بدايةً من المادة الثانية التي تنص على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة المصدر الأساسي للتشريع، وانتهاءً بالمناداة التي تنص على المساواة بين الرجل والمرأة، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية، والمادة التاسعة عشر التي تنص على التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم العام، وإذا كان التعديل المشين الذي يحظر النشاط أو الحراك السياسي على أساس ديني فهل هذا- لا قدر الله- سيمنع استخدام الآيات القرآنية التي تنص على جهاد أعداء الأمة، أو ستمنع الاستشهاد بالآيات القرآنية التي توضح عداوة اليهود للمسلمين وتُحذِّر المسلمين من مكرهم وخداعهم، وهل يتفق هذا التعديل مع التوجيه القرآني للمسلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى خلقه لعبادته، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات)، والعبادة هنا بمفهومها الشامل.

 

الهجرة وعلاقتها بالدولة الإسلامية والمواطنة

صارت الهجرة فرضًا وما زالت فريضةًَ على المسلمين، كما ذكر رسولنا صلى الله عليه وسلم "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، وانتهت الهجرة المكانية وبقيت الهجرة المعنوية، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة؛ حيث مجتمع الكفار والمشركين من جهة وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى إلى المدينة؛ حيث مجتمع الأوس والخزرج واليهود، وظهرت بعد ذلك فئة المنافقين، والكل يعرف ما كانت عليه جاهلية الكفار والمشركين، وقد أبوا ولم يقبلوا هدى الله سبحانه وتعالى ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وقاموا بتعذيب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم، وكذلك نعرف جميعًا مجتمع المدينة ودور اليهود بين الأوس والخزرج والعداوة التي كانت مسيطرةً على مجتمع يثرب قبل الهجرة، لقد أقام الإسلام أول دولة مدنية على ظهر الأرض، وليس فيه وسيط بين العبد وربه ولا يملك أحد أن يمنح أحدًا صكًّا بالغفران أو الحرمان، والأحزاب والجماعات التي جاءت بعد عهد الراشدين كانت كلها سياسية، ولكن نظام المجتمع على مدى أربعة عشر قرنًا ظلَّ يحتكم إلى الإسلام في عباداته ومعاملاته، في ميلاده وموته، في بيعه وشرائه، في حروبه وسلامه في صحوته ونومه، وسيظل- بإذن الله- نظام المجتمع إسلاميًّا إلى يوم الدين مهما حاول تلاميذ كمال أتاتورك الذين رفعوا شعار لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، ودع ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

 

ولذلك بقيت الهجرة المعنوية جهادًا ونيةً فريضةً علينا؛ لتنقل مجتمعنا المصري من واقعه المر إلى مثل المجتمع الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، والذي قام على أسس ثلاثة؛ المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والميثاق الذي قطعه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين من جهة واليهود من جهة أخرى، ولو كلَّف الرافضون لإقامة الدولة الإسلامية أنفسهم وطالعوا ما كُتِبَ في صحيفة (المدينة)؛ لعرفوا أن الإسلام هو أول مَن أرسى حقوق المواطنة التي لا تجدها في أعرق الديمقراطيات الغربية الآن.

 

مَن نحن وماذا نريد؟

المجتمع المصري بل المجتمعات العربية والإسلامية في أشدِّ الحاجة إلى فئة تكون قدوةً لغيرها في إحداث تغيير حقيقي في نفوسها، حتى يغير الله ما بها، وأن من إعجاز هذا الدين أن تظل شعلة الإيمان كامنةً في قلوب المسلمين مهما خبت وخمدت في الظاهر، حتى إذا جاء مَن ينفخ فيها ويزيل الرماد عنها استجاب له المؤمنون، وقام لنصرته وتأييده الصالحون، وفي النهاية كلنا مصريون نكتوي الآن بنار هذا التباين، وصدق الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، "فالأمر يحتاج من الجميع وقفة محاسبة "وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"، حتى نتغير إلى الأصلح، فالواقع مرُّ وربما يكون أمرَّ منه الذي يلوح في الأفق إلا إذا بدأ الجميع في تغييرٍ حقيقي يشمل جوانب حياتنا جميعها، ومقياسنا في ذلك المجتمع الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة لبنةً لبنةً، أو فردًا فردًا، واستغرق ذلك ثلاثة عشر عامًا من بعثته صلى الله عليه وسلم وهم الذين هاجروا مع رسولهم صلى الله عليه وسلم واستقبلهم الأنصار بحب وترحاب وبنى صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار دولة الإسلام، وهل كانت هجرته لغاية غير ذلك، وهي إقامة الدولة الإسلامية؟.

 

والأسس التي قامت عليها هذه الدولة ثلاثة أسس، المسجد والمجتمع المسلم الذي قام على المؤاخاة والحب والإيثار، والعقد بين المجتمع المسلم بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب من اليهود، فكان المسلمون واليهود أمةً واحدةً، لليهود ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، مجتمع يأمن جميع أفراده على معتقداتهم وعباداتهم والقيادة في هذا المجتمع للإسلام فإنه يعلو ولا يُعلى عليه بزعامة رئيس الدولة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا أسقطنا ذلك على واقعنا الآن فهناك عدة أسئلة:

أولاً: هل أقمنا فيما بيننا مجتمعًا قلبه معلَّق بالمساجد، غلبت فيه المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، متمثلين في ذلك مجتمع المهاجرين والأنصار الذين قامت بجهادهم الدولة الإسلامية؟

 

ثانيًا: هل تعاملنا مع غير المسلمين كما تعامل الرسول مع يهود المدينة، فنسالم من يسالمنا، ونعادي مَن عادانا؟

 

ثالثًا: هل تربى فينا الفرد المسلم، سليم العقيدة، صحيح العبادة، متين الخلق، مثقف الفكر، نافعًا لغيره، منظمًا في شئونه، قادرًا على الكسب، محافظًا على وقته..؟

 

رابعًا: هل أقمنا الأسرة المسلمة لبنة المجتمع المسلم، الأسرة التي قام فيها الرجل بالقوامة الحقة التي تقيه وأهله نارًا وقودها الناس والحجارة، الأسرة التي قدمت للمجتمع أمثال علي بن أبي طالب من الشباب، وأسماء بنت أبي بكر من النساء، هل ربينا أمثال مصعب بن عمير سفير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، والأمثلة كثيرة؛ مثل بلال، وياسر، وصهيب، وعلى رأس هؤلاء الصديق صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار، والذي خلف الرسول في قيادة الدولة بعد موته صلى الله عليه وسلم، والذي قاتل من امتنع عن دفع الزكاة وقال قولته "والله لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة"، وقال "أينقص الدين وأنا حيُّ"، هل تربى فينا من يصدق فعله تلاوته للآية الكريمة ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام)، فيكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهويته إسلامية بحق، ويكون حراكه ونشاطه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أساس من الدين الذي قال الله فيه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: من الآية 19).

 

ونخلص إلى إجابات قصيرة وسريعة لما يدور في المجتمع المصري من أسئلة حول الدولة الإسلامية والهوية التي تحكم نشاط المسلم وحراكه اليومي، وكيف يعيش غير المسلم في الدولة المسلمة له ما للمسلم وعليه ما على المسلم؟ وبمعنى أوضح الرد على مقولة "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، وحظر النشاط على أساس ديني وحق المواطنة، حقًّا إنها معركة بين مَن ينشد الحياة على أساس ما شرعه الله وسنه لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم ومَن يرفضنا إلا إذا اتبعنا هواه، وصدق الله حيث يقول وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 120)، فهل سندافع عن هذا الدين ونعظم شرائعه، ونعيش وفق تشريعاته؟ أم سنطلق ذلك ونتبع خطى من كان قبلنا- لا قدر الله- فيصبنا ما أصابهم؟ هدانا الله إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

 

إن الدستور الحالي يقرُّ في صدر أحكامه أن الإسلام دين الدولة وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ولا منافاة ولا تعارض بين الإسلام والشريعة الإسلامية من جانب والوحدة الوطنية (أو حق المواطنة) من جانب آخر، إن قانون الأحزاب الذي حظر قيامها على أسس طائفية أو طبقية نص أيضًا على أن لا تعارض مبادئ الحزب وأهدافه مبادئ الشريعة الإسلامية التي هي المصدر الرئيسي للتشريع، ولا يصح في العقول أن يحظر القانون الأمر ونقيضه، فيحظر التعارض مع الشريعة الإسلامية، ويحظر الدعوة إلي تطبيقها.

 

إن إضافة فقرة إلى المادة الخامسة من الدستور تقرر حظر أي نشاط سياسي أو حزبي على أساس الدين أو الجنس أو الأصل؛ الأمر الذي يعني مصادرة أي نشاط سياسي أو حزبي يدعم المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصري المنصوص عليها في الدستور؛ بدايةً من المادة الثانية التي تنص على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة المصدر الأساسي للتشريع، وانتهاءً بالمادة التي تنص على المساواة بين الرجل والمرأة، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية، والمادة التاسعة عشر التي تنص على التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم العام، وإذا كان التعديل المشين الذي يحظر النشاط أو الحراك السياسي على أساس ديني، فهل هذا- لا قدر الله- سيمنع استخدام الآيات القرآنية التي تنص على جهاد أعداء الأمة؟، أو ستمنع الاستشهاد بالآيات القرآنية التي توضح عداوة اليهود للمسلمين وتحذر المسلمين من مكرهم وخداعهم؟ وهل يتفق هذا التعديل مع التوجيه القرآني للمسلم؟ لأن الله سبحانه وتعالى خلقهم لعبادته ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات)، والعبادة هنا بمفهومها الشامل.

 

إننا مطالبون جميعًا أن نتمثل قول الله سبحانه وتعالى فيمن قامت على جهودهم الدولة الإسلامية الأولى ووصفهم الله في قرآنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (التوبة: من الآية 100).

 

أما موقف الذين اتبعوهم بإحسان، ونسأل الله أن نكون منهم وندعو كلَّ مسلم أن يتخذ نفس الموقف وهم يقاومون إقصاء الإسلام عن الحياة بحماسة ووضوح، متمثلين في ذلك قول رسولهم صلى الله عليه وسلم لقريش وعظمائها وساداتها "يا ابن أخي إن كنت تريد لما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد سيادةً سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا "فجاء الرد الحاسم" "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

 

 لقد وجدوا في أنفسهم زهدًا في المال وزهدًا في المنصب وزهدًا في الجاه؛ لأنهم يريدون أكثر من المال والجاه والمنصب، إنهم يريدون عقيدةً تنتشر وفكرة تسود ومجتمعًا ربانيًّا يتكون وإسلامًا يقوم على وجه الأرض، يعلم الناس ما لم يتعلموه قبل هذا الإسلام العظيم، إنهم يريدون وجه ربهم ذي الجلال والإكرام إنهم استحضروا في أرواحهم القول الثقيل الذي خاطب الله به رسوله صلى الله عليه وسلم في أول الدعوة ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)﴾، وهذا الثقل في القول ليس في ذات القول فلقد يسر الله القرآن للذكر ولكن الثقل في التبعة، في المهمة، في الواجب، في المشقة التي يحملها هذا القول الثقيل وهم يعلمون أن الطريق شاقة وليست مفروشة بالزهور والورود، بل هي مليئة بالأشواك والمكاره فقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾ (العنكبوت) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)﴾ (آل عمران).

 

 فلنجعل فعلاً قلوبنا محلاً لنزول نصر الله؛ حتى ندرك أن النصر الرخيص لا يبقى والنصر السهل لا يعيش؛ وأن الدعوة الهينة يتبناها كل ضعيف أما الدعوة الصعبة فلا يتبناها إلا الأقوياء ولا يقدر عليها إلا الأشداء.

 

وإذا كنَّا نتكلم عن الدستور وضرورة احترام مواده فإن كلَّ أحزاب مصر دينية بمقتضى الدستور في مادته الثانية التي تنص على دين الدولة الرسمي هو الإسلام وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وهناك قانون الأحزاب الذي يحظر قيام أي حزب مناهض لمبادئ الإسلام.

 

والتعديل المشين للدستور الذي أفرز انتخابات ألحقت بالحزب الحاكم ودولته الخزي والعار أمام العالم أجمع لا تستهدف الإخوان فقط باعتبارهم القوة السياسية الفاعلة في مناوئة هذا النظام الحاكم في الأفكار والرؤى، بل يستهدف المعارضة بصفة عامة بل يستهدف الشعب المصري الذي زهد في الأحزاب القائمة والتي لم تستوعب أكثر من 3% من المصريين ويبقى 97% محرومين من ممارسة أي نشاط حزبي أو غير حزبي وهذه التعديلات صارت تحصنًا (بوليسية النظام).

 

لقد أقام الإسلام أول دولة مدنية على ظهر الأرض وليس فيه وسيط بين العبد وربه ولا يملك أحد أن يمنح أحدًا صكًا بالغفران أو الحرمان، والأحزاب والجامعات التي جاءت بعد عهد الراشدين كانت كلها سياسية، ولكن نظام المجتمع على مدى أربعة عشر قرنًا، ظل يحتكم إلى الإسلام في عباداته ومعاملاته في ميلاده وموته في بيعه وشرائه في حروبه وسلامه في صحوته ونومه، وسيظل بإذن الله نظام المجتمع إسلاميًّا إلى يوم الدين.

 

إننا نريد نظامًا حرًّا يحفظ كرامة الإنسان المصري ويعبِّر عن إرادة جموع المواطنين على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم وعقائدهم، ويخضع فيه الجميع للقانون الذي يصبه نواب الشعب الحقيقيون، أما هذا الوضع البوليسي القائم والتعديلات المعيبة للدستور فلن يقدم جديدًا وسيكون وبالاً على الجميع.

 

إن منهج الإسلام الذي نلتزم به يعتبر أن سياسية الناس بالعدل والحق والرحمة جزء من رسالة الإسلام وأن إقامة شريعة الإسلام فريضة من فرائضه، ولكن الحاكم في نظر الإسلام بشر من البشر ليست له على الناس سلطة دينية بمقتضى حق إلهي، وإنما ترجع شرعة الحكم في مجتمع المسلمين إلى القيام على رضا الناس وإلى إفساحه للشعوب؛ ليكون لها في الشئون العامة رأي ومشاركة في تقرير الأمور وأن يستحدثوا بعد ذلك من النظم والأساليب في تحقيق هذا ما يتفق وأحوالهم وما لا بدَّ أن يتغير ويختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وأحوال الناس، وإذا كان للشورى معناها الخاص في نظر الإسلام فإنها تلتقي في الجوهر مع النظام الديمقراطي الذي يضع زمام الأمور في يد أغلبية الناس دون أن يحيف بحق الأقليات على اختلافها في أن يكون لها رأي ومواقف مخالف وأن يكون لها حق مشروع في الدفاع عن هذا الرأي والدعوة إلى ذلك الموقف.

 

 ومن هنا فإن المعارضة السياسية المنظمة تعتبر عاصمًا لاستبداد الغالبية وطغيانها وتكون كذلك جزءًا من البناء السياسي وليست خروجًا عليه أو تهديدًا لاستقراره ووحدته، وبذلك أيضًا تكون سلامة الانتخابات السياسية وإجراءها في حرية تامة ونزاهة كاملة تتمتع بهما جميع القوى؛ ضمانًا حقيقًا لأمن المجتمع واستقراره ،هما شرطان لا غنى عنهما في توجيه جهد الأمة إلى البناء ومضاعفة الإنتاج وتعظيم معدلات التنمية.

 

إن هذه التعديلات المشينة أدت بالفعل إلى القضاء على نزاهة الانتخابات باستبعاد الإشراف القضائي الكامل عليها وتمثل كذلك إجهازًا كبيرًا على استقلال القضاء وتكريسه للسلطة، وجعل الدستور دستورًا بوليسيًّا يهدر أمن الشعب بأكمله.

 

أيها الأحباب وإخواني أبناء الشعب المصري ورجاله الذين انحازوا للحق وتدافعوا مع دعاة الباطل، ثقوا في نصر الله فليس بعد هذا الظلام الذي حلَّ بنا جميعًا من حزب الحكومة أو حكومة الحزب إلا بزوغ نور الحق ولو كره ذلك دعاة الظلام فعلينا هجرهم وما يدعون، نهجر هذه العقول المحتلة والمنبهرة بفكرة العلمانية الغربية، ونهجر هذا النقل المختل لقيم ومبادئ حضارتنا الإسلامية التي أرساها رسولنا وخاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولينصرن الله من ينصره، والله أسأل أن يجبر كسرنا ويغفر لنا تقصيرنا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. والحمد لله رب العالمين.

--------------

* الأستاذ بكلية الهندسة جامعة أسيوط وأحد قيادات الإخوان بالمحافظة