![]() |
|
م. محمد كمال |
لن يكون ببلادنا نتائج لحوار حقيقي قبل أن نتصارح جميعًا- كأبناء وطن واحد- بكل أفكارنا؛ ومرجعيتنا، دون مواربة ولا خشية من الجماهير؛ ذلك أقوله؛ لأنه ما من باحث إلا ويعرف أن العلمانية التي تريد أن تحط بأجنحتها ببلدنا، وتقدم طروحاتها في صيغ مقبولة للعوام، فإنها تقدم منظومة (شاملة)، وبديلاً (شاملاً) للحياة (كل الحياة)، في مواجهة منظومة أخرى (شاملة) أيضًا هي الإسلام.
إحدى الصيغ (الجميلة) التي تعرض بثوب قشيب، وتخلب ألباب العامة- وحتى بعض الإسلاميين منهم-، هي صيغة "الدولة المدنية"... تلك التي، في ظلها، تملك الأمة زمام أمورها واختياراتها، فهي التي تختار الوزير والخفير، الرئيس والمحافظ، والمجالس النيابية، وهي التي تتحكم في الحكومة رضاءً أو رفضًا، ويعيش الناس فيها أحرارًا آمنين، يستظلون بظل القانون، ويمارسون عقائدهم بطمأنينة، وإذا اتفقت معهم اشترطوا الإقصاء الكامل لأي مرجعية سوى العقل.
وفي المقابل يطلقون مخلوقًا مسخًا يسمونه "الدولة الدينية"، وهي المرادف للظلام والرجعية، يتحكم رجال الدين فيها بمصائر الناس، وتحل الفتوى محل التخصص والعلم، والاستبداد الديني والتفويض الإلهي للحاكم محل التداول السلمي للسلطة، ويُغيَّب صوت العقل وتتحكم سلطة النص، وتشيع ثقافة "انتظار الموت" بديلاً عن "الاستمتاع بالحياة".
وتبدو الصورة مبسطة إلى درجة الفكاهة، حين يصورون القضية، وكأن "الليبرالية" تصلح في كل البلاد- ومنها الإسلامية- باعتبارها لا تتصادم مع دين ومعتقدات أي من البشر، وإنما هي وصفة علاج للراغبين في حياة كريمة بصرف النظر عن مرجعيتهم الدينية، وهذه الفكاهة المضللة يجوز لها أن تمر على عقول بعض الشباب المتحمس المستشرف حياة أفضل، أما أن تكتب في مقالات، وتؤلف لها المؤلفات، وتعقد لها الندوات والمؤتمرات، وتحشد لها الرموز الثقافية، وترعاها الحكومات، فهذا مما ينبغي التوقف عنده.
إن المسألة- في مرادها الأخير- هي إحلال منظومة قوانين، وقيم ومرجعيات مكان أخرى؛ فالليبرالية بدأت كمنظومة حقوق، ثم تطورت إلى عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، ثم تطورت إلى نظرية حكم وإدارة، ثم توسعت فشملت كل مظاهر الحياة، وأصبح لها (كريدو) أو عقيدة، يتمسك بها معتنقوها، ويرون رأيها في كل محاور الحياة.
وهنا يأتي الصدام..
فإن المشروع الإسلامي- أيضًا- هو مشروع منهجي كامل تبلور قبل عصر النهضة الأوروبي بتسعة قرون، وهو بدوره مشروع يستحيل التعامل مع أي (جزء) من أجزائه إلا في إطار (الكل)، وأي اجتزاء لمحاوره دون إسناده إلى أصوله وكلياته يضيع حقيقته، وينتقص مبناه ومعناه، وعليه فإن للإسلام رؤيته في طبيعة الدولة ونظام الحكم.
وعلى سبيل المثال فإن الدولة في الإسلام لها وظيفتان كبريان:
الأولى: تتعلق (برعاية( مواطنيها بمختلف مللهم، وأجناسهم، وألوانهم، ثم العمل على توطيد أركان الدولة واجتلاب عناصر القوة لها.
الثانية: أن الدولة هي المنوط بها إقرار مضامين الشريعة على أرضها، وتمثيل قيم الإسلام والدعوة إليه في خارجها.
فإذا اقتصر التعريف على الوظيفة الأولى، أصبحت الدولة (دولة مدنية) طبقًا للتعريف العلماني، وإذا اقتصرنا على الثانية صرنا دولة دينية مظلمة طبقًا لذات التعريف.
أما الأخذ بالوظيفتين فهذه هي الدولة الإسلامية بلا اجتزاء، أي دولة مدنية بمرجعية إسلامية.
منظومتان متعارضتان.. "أو متنافستان"
الدولة في الإسلام لها قواعدها ومرتكزاتها تمامًا كنظيرتها العلمانية لها قواعدها ومرتكزاتها.
ففي الإسلام: الدولة مدنية لها مرجعية تضبطها من ثابت نصوص الوحي.
وفي العلمانية: الدولة مدنية لها مرجعية تضبطها من ثابت نصوص آباء النظرية.
وإذا استلهم المسلمون نظرية أمنهم القومي من سورة قريش ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: من الآية 4)، فالعلمانية تستلهمها من الإنجليزي ليدل هارت، والفرنسي بوفر، والأمريكي مكنمارا.
وإذا استقر المسلمون على نظرية "التعارف" فيما يربطهم ببقية دول العالم ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: من الآية 13)، فالليبرالية استقرت على "الصدام الحضاري" لمؤسسيه صمويل هنتنجتون، ونيوت جنجريتش.
وإذا استقر الاقتصادي المسلم على تحليل البيع وتحريم الربا، وما ثبت من نصوص النبوة في الاقتصاد فقد استقر الاقتصادي الليبرالي على مبادئ آدم سميث وآباء الاقتصاد (المركنتلي) قبله.
وعلى المستوى الأخلاقي: فالاحتشام والستر (شرع) هنا والجسد (ملك لصاحبه) هناك، والشذوذ (كبيرة) هنا و(حق) هناك.
والجنس في غير إطار الزواج (رذيلة) هنا و(طبيعة بشرية) هناك، وللمسلمين نظامهم في الميراث والأسرة والحقوق الزوجية.
وكذلك الليبرالية..
هل أزيدك؟ أم تأخذ مني الخيط وتستكمل مخافة الملل والسأم؟
إذن فالموضوع لم يتوقف عند نظرية "جون لوك" للعقد الاجتماعي أو اجتهادات "هربرت سبنسر" في حقوق المحكومين، أو حتى عند المعلم الكبير "جان جاك روسو" الأب الرسمي للثورة الفرنسية.
بمعنى أن الموضوع ليس سياسيًّا فقط، كما رأيت، وإنما منهج حياة.
طبيعة الحكم الإسلامي
العلمانيون الداعون "للعقل" والإنصاف، يُسقطون كل ما عرفناه عن العقلاء والمنصفين، وذلك عند وصفهم للدولة المسلمة بأنها "دولة دينية"، لماذا؟.
ذلك لأنهم- وقد أغفلوا طبيعة الدولة المسلمة ووظائفها-، فإنهم أيضًا يغفلون- عمدًا- مرتكزات "الحكم الإسلامي".
أما الإسلاميون، فلم يضبطوا متلبسين أبدًا- وعلى مر التاريخ-، بأي تغيير في منهجهم العميق وطريقهم الواضح وتجربتهم الطويلة لطبيعة الحكم الإسلامي.
فهم يعلنون بوضوح أن مرتكزات الحكم الإسلامي الثلاثة هي:
الأول: الحكام مدنيون، ويجب في الإسلام مراقبة الحكام ويجوز عزلهم، ولا يستمدون مشروعيتهم إلا برضا الأمة بيعةً أو انتخابًا، وأن استقر المشروع الإسلامي أخيرًا على الانحياز للانتخابات وتحديد سنوات اعتلاء كرسي الحكم، ويكون هذا لصالح أفراد الأمة توفيرًا للحاجيات ورعاية للكرامة.
الثاني: أن "سلطة الحكم" مسئولة عن إنزال النصوص القطعية منزل التطبيق، وتقنين التشريعات، غير المنصوص لها، استنادًا إلى منظومة القيم الإسلامية، ثم تظهر السلطة تميزها عبر منظومة تشريعات اجتهادية (وهي بالتجربة أكثر من كل ما سبق)، تستند فيها إلى العقل والعلم والخبرة الإنسانية، لحسن إدارة الدولة ورعاية أبنائها وتوطيد أركانها.
الثالث: أن "سلطة الحكم" مسئولة عن نشر أسس الإسلام وقيمه في العالم، وهذه الوظيفة واجب بلاغ على أمة الإسلام، كما أنها- لحسن الحظ- مما صادقت عليه الأمم المتحدة بخصوص حقوق الأمم في نشر ثقافتها وقيمها في إطار الاتفاقيات الدولية لذات الشأن.
مَن يحكم في الدولتين؟
الثابت أن الليبرالية كانت أقل تعصبًا من الشيوعية في نظرتها للحكام، وكانت هذه الأريحية عاصمًا لها من الانهيار في مواجهة حكم شيوعي لا يحكم- في سائر مؤسساته- إلا بالشيوعيين، ولكن مع انهيار الشيوعية وانفراد الليبرالية بحكم العالم، تطورت إلى نظرية أصولية قُضي فيها تمامًا على أي اختلاف خارج النظرية...
وهذا ما لا يطرحه العلمانيون أبدًا، فالديمقراطية الرائعة، والتنافس المتحضر، والحراك الشعبي، والعمل السياسي، كله في إطار (فكر واحد) ومنظومة (واحدة)، بل ودين واحد للحاكم، والكل ليبرالي.
أي أن الدولة الليبرالية لها شرطان في الحاكم: الأول: دين الدولة وهذا لا ينكره أي باحث في العالم الآن.
الثاني: المذهب السياسي للدولة وهو الليبرالية.
أما الدولة الإسلامية فهي منطقية مع نفسها، لا تواري، ولا تناور، من أول يوم وحتى الآن، إنها تشترط الإسلام في الحاكم ولا تحجر على اجتهاده المذهبي في شئون الحياة كافة، ولا يعنيها في الاجتهاد البشري للحاكم إلا شرطان:
1- أن يستهدف مصلحة أبناء الوطن.
2- ألا يتصادم مع نص صحيح.
ويسري هذا على كل الاجتهادات، ولو كان بعضها مقتبسًا من الاشتراكية أو من الرأسمالية، أو من غيرهما.
ويأتي هنا- في السياق- أن الدولة الإسلامية لا تسمح لغير المسلم أن يحكمها، لأنها "دولة رسالة"، بالإضافة إلى كونها دولة "رعاية وحماية"، وإذا كان غير المسلم قادرًا على إقرار الرعاية والحماية، فهو يستحيل عليه أن يقوم بأعباء الرسالة، من تشريع وتمثيل دولي للأمة والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله إن تطلَّب الأمر، وعليه؛ فإنه اعتساف شديد أن نصوِّر هذا الوضع باعتباره انتقاصًا لحق غير المسلم في دولة الإسلام، وإلا اعتبرنا أن الاعتساف الأشد هو إجبار الحاكم غير المسلم- إذا اعتلى سدة الحكم- أن يسعى جاهدًا لإقرار الإسلام داخليًّا والدعوة إليه خارجيًّا مما يتصادم مع معتقده الديني، ولكن لم يفت الإسلام أن يسمح لغير المسلم في وطنه الإسلامي أن يشغل سائر مناصب الدولة بما فيها الوزارة، وأن يمنحها جهده وعرقه وخبرته، خلافًا لليبرالية الأصولية.
مما سبق.. يتضح أنه ليس إنهاءً للمشكلة أن نطلب من الإسلاميين التنازل في قضية (علمنة أو أسلمة) الدولة والحاكم، بغية أن يسقطوا الخلاف مع الوطنيين، من غير ذوي التوجه الإسلامي.
أو ليتواءموا مع المنظومة الدولية، فالإسلاميون يرون أن الإصرار على تميزهم حق من حقوقهم، وأن طبيعة ومنهج الدولة ثابت من ثوابت مشروعهم، وعند الثوابت فإن الإسلاميين لا يحفلون بأوصاف الاعتدال أو الواقعية؛ تلك الصكوك التي يمنحها العلمانيون لمن تزحزح عن ثوابته واقترب من نظريتهم.
إذن، فالمشكل- في نظري- هو أن الخلاف على التفاصيل دون الاتفاق على مرجعية عليا للوطن، لن يأتي بنتيجة، وإذا كان الإسلاميون لن يتنازلوا عن (المرجعية الإسلامية)، ويرونها كذلك حقًّا أصيلاً لوطن أغلبيته الغالبة مسلمة، فعلى العلمانيين والوطنيين جميعًا أن يعلنوا بوضوح رضاهم بمرجعية الأمة، هنالك يسهل النظر في التفاصيل، ويسهل مناقشة كل القضايا، حقوقية وسياسية، مواطنة وانتخابات... إلخ، أما إذا افترق الطرفان في المرجعية، فعلى الجميع أن يسلم بالخلاف، وأن يتعاونوا فقط في إزاحة الاستبداد، ثم يتنافسوا على نيل رضا الأمة، التي ستكون وقتها حكمًا مقبولاً للجميع.
