- علاء بركات: اعتمادنا على كابلين فقط خطأ إستراتيجي

- حمدي الليثي: تكنولوجيا الاتصالات تراجعت 11%

- حمدي عبد العظيم: 100 مليون جنيه خسائر شهرية

 

تحقيق: الزهراء عامر

رغم تنامي الاعتماد في مصر على شبكات الإنترنت لتنفيذ مختلف الأعمال والأنشطة، إلا أن البنية الأساسية لشبكات الاتصالات ما زالت تعاني من حالة ضعف كبيرة، تناقض دعاوى "الحكومة الإلكترونية" عن الاستخدام الواسع لتكنولوجيا الاتصالات في مختلف المجالات!.

 

فقد صرَّح مؤخرًا عدد من مسئولي وزارة الاتصالات أن أكبر كابل بحري تعتمد عليه مصر بشكل رئيسي في تغذيتها بخدمات الإنترنت "smwe4"، سيدخل في مرحلة الصيانة الشهر المقبل، والتي تستغرق شهرًا كاملاً، ما يضع ضغوطًا كبيرةً على مصر لإيجاد بدائل نظرًا للأحمال الكبيرة عليه؛ سواء في خدمات الإنترنت أو الاتصالات الدولية، خاصةً بعد الخلل في كابل "smwe3" الذي أصيب بعطل يوم الأحد الماضي، نتيجة سوء الأحوال الجوية في مصر.

 

الأمر الذي أدى إلى انقطاع كابل الإنترنت وحدوث عطل مفاجئ بين الشواطئ المصرية ووحدة التفريغ الأولى التي تقع على بعد 250 كم بالبحر الأبيض المتوسط، ولم يتضح سبب عطل وانقطاع كابل الإنترنت قبل هذا الموعد، كما أن خدمات الإنترنت ستعاني من بعض الاضطرابات في أعقاب عملية الصيانة إلى أن يعود الكابل للعمل بشكل طبيعي.

 

ليس هذا فحسب بل كابل "imewe" الذي أعلنت فرنسا عن تشغيله، ويربط بين آسيا وأوروبا عبر الأراضي المصرية، يثير جدلاً كبيرًا بسبب التكتم الشديد حول مساراته في الأراضي المصرية، بعد اعتراض جهات سيادية مهمة على سيره في بعض المناطق، وقيام الشركة المصرية للاتصالات بحفر المسارات قبل الحصول على التصاريح الأمنية اللازمة.

 

ويضم "الكونسيرتيوم" الذي يمتلك الكابل مجموعة من أكبر الشركات الدولية، مثل "فرانس تليكوم"، و"اتصالات الإمارات"، و"بهارتي الهندية"، و"تليكوم إيطاليا"، إلى جانب المصرية للاتصالات، والشركة السعودية للاتصالات.

 

ويصل حجم الاستثمارات في الكابل إلى حوالي ٤٨٠ مليون دولار، تساهم فيها "فرانس تليكوم" بحوالي ٦٠ مليون دولار، ويتجاوز طوله أكثر من ١٣ ألف كيلومتر، وسيكون مسئولاً عن خدمات الإنترنت والاتصالات الدولية الصوتية بين آسيا وأوروبا.

 

أسئلة عديدة تطرح نفسها حول اعتماد دولة بحجم مصر على كابل بحري واحد في تكنولوجيا الاتصال، فيما يواصل العالم من حولها إنشاء كابلات جديدة لتحسين كفاءة خدمات الاتصالات؟ وما حجم الخسائر التي قد تخسرها مصر من بطء سرعة الإنترنت أو انقطاعها؟ وما البدائل المطروحة لتجنب هذه الأزمة؟

 

(إخوان أون لاين) طرح تلك التساؤلات على خبراء الاتصال ليتعرف على حجم هذه الأزمة، وكيف يمكن التغلب عليها في التحقيق التالي:

غياب الإستراتيجية

ويؤكد د. علاء بركات، أستاذ الاتصالات بجامعة القاهرة، أن دخول الكابل البحري لخدمات الاتصالات الرئيسي "smwe4" المغذي لمصر مرحلة صيانة دون وجود بديل، سيسبب مشكلةً عنيفةً في مجال الأبحاث والمجال الأكاديمي؛ لأن الدراسة ستتعطل بشكل كبير في العديد من الجامعات؛ حيث إن عددًا من المقررات التعليمية أصبح إلكترونيًّا.

 

ويوضح أن خدمات الاتصالات أصبحت الآن من الأشياء المحورية في مصر مثلها مثل الكهرباء والهاتف، ولا بد ألا تقل سرعة الإنترنت عن 80%؛ لأنه شريان اقتصادي مهم جدًّا يدخل في المجال الهندسي، والبنوك، والبورصة، والتعليم، وغيرها، وتوقف الإنترنت شهرًا كاملاً معناه شل حركة البلد عامًا كاملاً.

 

ويبين أن هناك مشكلات ستعاني منها الشركات الدولية في مصر، وهي أعداد ليست صغيرة، وانقطاع الإنترنت أو بطء سرعته يعتبر ضربةً قويةً لهذه الشركات، ومن الممكن أن تتكبد خسائر فادحة، وفي نفس الوقت لن تتنازل هذه الشركات عن حقوقها، ومن الممكن أن تقاضي الحكومة وتأخذ تعويضات منها، وهذا من حقها.

 

ويتهم المسئولين عن قطاع الاتصالات في مصر بأنهم ليس لديهم نظرة إستراتيجية، وينظرون أسفل أقدامهم، فضلاً عن أن عملية التخطيط لتكنولوجيا الاتصالات غير جيدة، ووجود كابل رئيسي واحد أو آخر بديل؛ حتى لو أنه لم يعانِ أعطالاً يعتبر خطأً فادحًا، ويعتبر نوعًا من السذاجة غير المقبولة في هذا الوقت، مؤكدًا أن الهيئات التي تشرف على هذا الأمر، بما فيها وزارة الاتصالات، غير مؤهلة لكي تدير مجالات ضخمة مثل هذا المجال.

 

ويرى أن الحل الآن هو الاستعانة ببعض الدول القريبة من مصر، ويتم تبادل الإنترنت معها، وأقرب دولة لديها خدمات إنترنت عالية هي السعودية، متسائلاً: هل لدينا الكفاءة والإمكانيات على حدودنا لاستيراد الإنترنت من الأردن والسعودية؟.

 

حلول مكلفة

 الصورة غير متاحة

أعطال الكابلات البحرية تتسبب في أزمة إنترنت في مصر

   ويقدم حمدي الليثي، خبير الاتصالات والرئيس التنفيذي لإحدى شركات الاتصالات، عدة حلول للتغلب على هذه الأزمة، أولها: حل على المدى البعيد يكمن في إعطاء التراخيص للعديد من الشركات الاستثمارية المصرية لعمل الكابلات بعد توقفها لمدة عامين كاملين؛ بسبب بعض الإجراءات التعسفية من قبل الجهات المختصة، وبالتالي تكون لمصر كوابل خاصة بها، ولا تعتمد على دول أخرى، ثانيها: اللجوء إلى العديد من الحلول الوقتية المكلفة بشراء ساعات من دول مجاورة، موضحًا أنه من المفروض أن تكون هناك خطة لاستخدام تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت والداتا الحالي والمستقبلي.

 

ويبين أن سرعات وكفاءة تكنولوجيا الاتصال في مصر تماثل السرعات في العديد من الدول، ولكن المشكلة تكمن في أن عدد الكابلات في مصر قليلة، وعدد المستخدمين كبير، فضلاً عن أن استخدام مصر لتكنولوجيا الاتصال ضعيفة مقارنةً بعدد السكان "80 مليون نسمة".

 

ويشير إلى أن أعمال الصيانة أمور مبرمجة مسبقًا، وتعتبر جزءًا من بناء الشبكة، وليست أمورًا مفاجئةً أو غير متوقعة؛ لأنه ضروري، ولا بد أن يتم عملها حتى لا تنقطع الخدمة نتيجة تأثرها بالعوامل البيئية.

 

ويكشف أن نمو تكنولوجيا الاتصال في مصر يتراجع في الفترة الأخيرة إلى 11% بعد أن وصل 14%، مرجعًا ذلك إلى نظام التسعير، ونظام المنافسة والوضع الاقتصادي يؤثر بشكل كبير على عملية النمو، مما يؤدي إلى تباطؤ القطاعات نتيجة عدم وجود استثمارات.

 

ويطالب بضرورة زيادة السرعة من خلال خدمات الهاتف المحمول، فضلاً عن ضرورة وجود وضع خطة لتفعيل نظام "البرود باند"، الذي يساهم في نمو المجتمعات وزيادة الحرية والنمو الاقتصادي للأفراد.

 

كابلات تجسس

ويوضح مصطفى السعيد، أستاذ الشبكات بكلية هندسة شبرا، أن دخول الكابل في صيانة معناه أنه ستُجرى عملية كشف على الكابل كله، ليتم تصليح أي تلف أو نتوءات في الكابل نتيجة العوامل الجوية، موضحًا أن الكابل البحري يُصنع من مواد سميكة مقاومة للرياح وتيار المياه، ويتم وضعها في مسافة قريبة من قاع البحر حتى لا تصل إليها السفن العميقة وتمزقه، ولكن أحيانًا تكون هناك سفن بها خطاطيف تقطع الكابلات الموجودة مثلما حدث في عام 2008م، فضلاً عن أنه لا يستطيع أحد أن يقوم بعمل وصلة من هذا الكابل ليتجسس على البلد.

 

ويستنكر أن تعتمد مصر على كابل إنترنت واحد، وهو ما لا يوجد في أية دولة أخرى، مشددًا على ضرورة وجود كابلين على الأقل يعملان بشكل جيد لتوزيع الأحمال على الكابلين، وفي حالة وجود أعطال تُنقل الأحمال على كابل واحد، فضلاً عن الاتجاه إلى "الإنترنت ستالايت"، وهو يعتبر وسيلةً رخيصةً الثمن ولكن سرعته بطيئة.

 

ويبين أن وزارة الاتصالات تبذل مجهودًا جيدًا في خدمة الاتصالات، ولكن مصر ما زالت تعتمد على خدمة ""adsl، وذلك لأن المصادر المصرية والإمكانيات محدودة، وفي المقابل دولة مثل الولايات المتحدة قامت بوضع خطة جديدة تقول إنها ستمكِّنها من قيادة العالم في مجال تزويد كل مواطن فيه بخدمة إنترنت "خارقة السرعة"، للتأكد من حصول كل مواطن أمريكي على خدمة الإنترنت الخارقة السرعة (سوبر برودباند) بحلول عام 2020م، كما ترمي الخطة إلى زيادة سرعة الإنترنت من 4 إلى 100 ميجابايت في الثانية الواحدة.

 

100 مليون جنيه!

 الصورة غير متاحة

د. حمدي عبد العظيم

وحول الخسائر الاقتصادية الناتجة من بطء سرعة الإنترنت أو انقطاعه، بعد دخول الكابل الرئيسي للصيانة، يوضح د. حمدي عبد العظيم، الرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، أنه في حالة حدوث أعطال في الكابلات البحرية للإنترنت، تلجأ الجهات المختصة إلى الكابلات الاحتياطية، ولكن السرعة تكون أقل؛ وبالتالي تتأثر البنوك والشركات الاستثمارية، وشركات التأمين، والبورصات تأثيرًا سلبيًّا.

 

ويضيف أن التأثير السلبي يظهر في التأخر الزمني وبطء إرسال الرسائل والإيميلات الخاصة بالشركات، وتعطيل مثل هذه الرسائل يعمل على زيادة التكلفة الخاصة بالاتصالات، وزيادة الأعباء على تلك الشركات.

 

ويقدر حجم الخسائر الناتجة من بطء خدمات الاتصالات خلال شهر واحد بنحو 100 مليون جنيه، وهذا في حالة وجود كابل آخر بديل، أما في انقطاع الخدمة نهائيًّا فيتوقع خسائر فادحة يصعب تقديرها، مشددًا على ضرورة عدم دخول الكابل الرئيسي في مرحلة الصيانة حتى يتم تصليح العطل الموجود في الكابل الاحتياطي حتى لا تحدث كارثة.

 

ويرى أن مجال تكنولوجيا الاتصال، حتى هذا الحين، ما زال مجالاً جديدًا بالنسبة لمصر، ويحتاج إلى مزيد من الإنفاق والاستثمارات لبناء البنية التحتية في هذا المجال، وتحسين الخدمات مع الوقت.

 

وفيما يخص الكابل البحري الفرنسي الذي يمر بالأراضي المصرية، يوضح عبد العظيم أن هذا الكابل حق لمن يملكه، ففي هذه الحالة ليس من حقنا أن نستفيد منه أو نأخذ منه وصلات، وعملية الاستفادة تقتصر على تحصيل رسوم مقابل مرور الكابل من الأراضي المصرية.