- الأهالي تفاجئوا بأن المساكن البديلة بها أسر كاملة تسكنها!!
- منازل النهضة على المحارة بلا نوافذ وأبواب بمقدم 1050 جنيهًا!
- الأمن يتعامل بكل همجية مع الأهالي ويلقي "عفشهم" من النوافذ!!
- الشركات الأجنبية تغري أصحاب الأراضي على البيع
- د. رضا حجاج: الحكومة تفتقد الرؤية وأعمالها تعقد المشكلة
- د. سامر سليمان: الحكومة تتعامل مع الفقراء بمنطق العصابات
تحقيق: إيمان إسماعيل ويارا نجاتي
من بين نحو 120 ألف قرار حكومي بإزالة عقارات ومناطق بأكملها، يبدو اهتمام محافظة القاهرة بمنطقة "مثلث ماسبيرو" وسط العاصمة لافتًا ومثيرًا للتساؤل، بدءًا من التحرك للتنفيذ الفوري، وإزالة عدد كبير من المساكن العشوائية بالمنطقة مع إلقاء أهلها في الشارع.. وتحديد خطة تطوير المنطقة نسبة البناء بها على ألا تتجاوز الـ20%؟، وحتى التصارع الشديد بين المستثمرين الأجانب، والمصريين لشراء تلك المنطقة!!.
و"مثلث ماسبيرو تقدر مساحته بـ72 فدانًا (نحو 303 آلاف متر مربع)، وتقع بين شارع الجلاء، وشارع 26 يوليو، وشارع كورنيش النيل، وتضم مناطق هامة كموقف عبد المنعم رياض، وموقف بولاق أبو العلا، وقد تم تحديد نسبة البناء في خطة التطوير بأن لا تتعدى الـ20% على أن يكون باقي المساحة خضرة وصالات عرض ومتاحف، وأنشطة سياحية وترفيهية وحدائق وجراجات.
![]() |
|
بقايا البيوت.. المشهد الرئيسي في بولاق أبو العلا |
وأهالي منطقة "بولاق أبو العلا" بمثلث ماسبيرو من أفقر سكان العاصمة، وأغلبهم لا يملك قوت يومه، وهم من بدء "التطوير" من عندهم، فهدمت المحافظة العشرات من منازلهم ضمن خطتها لهدم 815 منزلاً، و33 محلاً تجاريًّا، مدعيةً أن الأهالي سيتم نقلهم إلى مساكن مجهزة بالنهضة.
(إخوان أون لاين) يفتح ملف تطوير "مثلث ماسبيرو"، ويستعرض آراء السكان والخبراء في القضية.
ادعاء كاذب
ما أن دخلنا "بولاق أبو العلا"، وعيوننا متعلقة بمبانيها المهدمة، حتى هرول إلينا أحد السكان ليستفسر عن هويتنا، وما أن علم أننا ليس لنا علاقة بالهدم، أو المحافظة حتى أطمأن قلبه، وأطلق تنهيدة طويلة قال بعدها: أنا أسكن هنا في قلق دائم أن يلقى منزلي نفس مصير الأهالي هنا، ونصبح بعد لحظات في الشارع.
ويضيف: "إن كل من تم نقلهم من أهلنا بالمنطقة إلى النهضة تفاجئوا بحالة المساكن غير المجهزة، وعلى "المحارة"، وبلا أبواب ولا نوافذ، كما تم نقل كل فرد منهم على حسابه الخاص، وليس بسيارات خاصة بالمحافظة كما أدعت في وسائل الإعلام"!!.
آدمية!
أهالي ماسبيرو.. ونظرة إلى المجهول

وشاركت أم محمد في الحديث فقالت: المنازل هنا قديمة جدًّا ولسلامة الأطفال نفضل أن ننتقل لمكان آخر قبل أن تهد فوق رؤوسنا، ولكن بشرط أن يوفروا لنا بديلاً آدميًّا ليس كما حدث مع الجيران الذين تم هدم منازلهم فوق عفشهم، وطردهم بالشارع، كما أن فلوس التعاقد في المنازل الجديدة تفوق مقدرتنا، بكثير فهم يطلبون أكثر من 1000 جنية كمقدمة من أين نأتي بها ودخلنا ودخل أزواجنا لا يتعدى الـ500 جنيه"!!
وتضيف جارتها قائلةً: "المحافظة لا تعاملنا كبني آدميين فهي تأتي بلا موعد مسبق للهدم، وتقوم بإلقاء عفشنا في الشارع، وتلقيه من النوافذ بكل همجية، حتى أنني كنت أقوم بطهي "حلة من المحشي" فقاموا بإلقائها في الشارع بكل همجية"!!
في الشارع!
الشوارع أصبحت مهجورة

وفوق ركام أحد المنازل بشارع محمد قاسم جلست سيدة مسنة مرتدية الملابس السوداء ورافعة بصرها إلى السماء والدموع تملأ عيناها، فاقتربنا منها وسألناها عن رأيها في تطوير المنطقة وعمليات الإزالة التي تتم بها فأجابتنا في أسى بالغ: "البيت تم هدمه من يومين فوق العفش، وكل مستلزماتي، ومن يومها، وأنا وقت النوم أذهب عند الجيران، وما أن تشرق الشمس حتى أجلس هكذا في الشارع حتى الأكل أحصل عليه من هبات الجيران، وأتناوله في الشارع"!.
وتستطرد في حزن شديد قائلةً: "الحكومة ضحكت علينا وعدتنا بشقق بديلة وما أن هدمت البيت حتى قالت لنا: "أثبتوا إنكم عايشين هنا علشان نديكوا بدايل"!!.
تلاعب وتزوير!
ومن أحد المنازل هرولت إلينا "أم أيمن" وقبل أن نسألها توالت في سرد معاناتها فذكرت أنهم يقنطون في تلك المنطقة منذ أن ولدوا ولا يريدون أي تطوير لأن ما يحدث ليس بتطوير إنما هو خراب ودمار فوق رؤوسهم، موضحةً أن أخاها يسمى "محسن عبد التواب" تم هدم منزله منذ يومين، وقام الحي بتسليمه منزلاً بديلاً في النهضة، وبمجرد أن ذهب وجد أسرةً كاملةً تسكن هناك، وقالوا له إن الحي سلمها لهم منذ أيام، وأخلى الحي مسئوليته بالكامل من تلك الكارثة"!!
كم مهمل!
الخراب يعم شوارع بولاق

ويقول عم محمد إن منازل النهضة بعيدة جدًّا، كما أنها ايجار في كل الأحوال، فهو لا يمتلك ثمن دفع ايجار كل شهر لأن دخله الشهري زهيد، كما أنه لا يمتلك الـ1050 جنيهًا ثمن التعاقد على المنزل، ذلك فضلاً عن بعد مدارس أبنائه عن مساكن النهضة، وبعد عمله كذلك؛ مما سيكبدهم مصاريف طائلة لا يتحملوها في المواصلات.
وتساءل في ألم بالغ: "ما الحل لمشكلتي عند الحكومة المبجلة سوى أن تلقي بي في الشارع، وتدهس علي، فأنا فرد واحد لا أشكل لها أي أهمية فأنا بالنسبة لها كم مهمل"!.
مخطط خفي!!
مشكلة أخرى يواجهها ملاك الأراضي، وأصحاب المنازل بالمنطقة؛ حيث يقول خالد الشريف صاحب 4 منازل في المنطقة إن هناك الكثير من الشركات تأتي له يوميًّا تطالبه ببيع الأرض مقابل 2500 للمتر، إلا أنه يقوم بالرفض لأن سعر المتر في تلك المنطقة لا يقل عن 10 آلاف جنيه".
ويتساءل في تعجب تام "ما السر وراء تهافت الشركات الاستثمارية واحدة تلو الأخرى لشراء الأراضي في تلك المنطقة في ذلك التوقيت تحديدًا، وهل أن هناك مخططًا خفي ترغب الحكومة في القيام به في تلك المنطقة تحديدًا"!!
![]() |
|
أطفال ماسبيرو بين أنقاض منازلهم المدمة |
وطالبت أم شهد بتطوير المنطقة مع إبقائهم فيها بدلاً من طردهم منها، ونقلهم لأماكن بعيدة جدًّا كالنهضة، كما قامت الحكومة بتطوير مناطق بالسيدة زينب وزينهم وغيرها من العشوائيات في القاهرة.
فيما قالت جارتها السابقة: "بعد هدم منزلنا أصبحنا في الشارع، نأكل ونشرب ونعيش، علشان منفضلش قاعدين عند الجيران اللي هنام عندهم ليل نهار، فناكل في الشارع، لحد ما ربنا يحلها، ونلاقي بيت نقعد فيه".
وأغلب الأهالي لا يعرفون الكثير عن كيفية الانتقال، وخطط هدم وتطوير المنطقة، فلم يخبرهم أحدًا من المسئولين بتلك الخطة حتى يفاجئوهم بالهدم كما فعلوا مع جيرانهم، على الرغم من أن عمال الحي بدأوا في تفريغ الأراضي من ركام وبقايا المنازل، وبمجرد السؤال عن شارع (محمد قاسم) يدلك الجميع على البيوت المهدمة والأهالي الذين أصبحوا يعيشون على الرصيف بعد إلقائهم خارج منازلهم.
وتناثرت الكثير من الشائعات حول وجود مستثمر سعودي يرغب في شراء المنطقة بالكامل، ويوضح الأهالي أن هناك زيارات متتابعة لأناس غير مصريين بالمنطقة يقومون بتصوير المنازل، وقياس مساحتها، في رفقة حشد من لواءات الشرطة، وقوات الأمن!!
تخاريف
أصحاب البيوت حزموا أمتعتهم في انتظار الطرد

ويصف الدكتور رضا حجاج أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة أي تطوير تقوم به الحكومة في العاصمة بأنه مجرد تخاريف، متهمًا الحكومة بافتقادها الرؤية الشاملة في التطوير، وبأن كل ما تقوم به هو حلول جزئية في شوارع، أو طرق محددة بعينها، ولا تعالج جسد المريض كله.
وينتقل للحديث عن خطة محافظة القاهرة لتطوير مثلث ماسبيرو، فيقول إن تلك الخطة تؤكد أن ادعاءات التطوير في مصر تتم لمصلحة لأصحاب النفوذ والمال، وليس لصالح سكان العاصمة، مستنكرًا تعامل المسئولين مع محافظة القاهرة، وكأنها كيان اعتباري بعيدًا عن سكانها، وبالمخالفة لمصالحهم.
ويتابع قائلاً: "يدخل مشروع تطوير مثلث ماسبيرو كجزء من الهدف الخفي لتحويل محافظة القاهرة إلى مدينة لرجال المال، يستفيدون منها ويضاعفون بها أموالهم، باستخدام مختلف الوسائل وحتى الجرائم، موضحًا أن من يقود ذلك النوع من التطوير الاستثماري هو المتحكمين في السلطة من رجال مال أصحاب رؤى هدامة، كادعاء تطوير مثلث ماسبيرو، على أنها مساكن عشوائية للاستيلاء عليها بأبخس الأثمان، وعلى أكثرها بدون مقابل.
ويشير إلى عمليات الطرد و"التطفيش"، وقطع الخدمات عن أصحاب المنازل بمنطقة (بولاق أبو العلا)، لتفريغ القاهرة من كل الفقراء، ضاربًا المثل بما حدث أيضًا في الأراضي المقابلة لكورنيش النيل، والتي أصبحت اليوم مجموعة غير متناسقة من الأبراج العالية جدًّا شاهقة الارتفاع بدون هدف هندسي تطويري.
وينتقد د. حجاج توكيل الحكومة مهمة التنظيم، ووضع خطط المشروع إلى هيئة التخطيط العمراني، وهي التي يتحكم فيها أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني، وتتبع أيضًا وزارة الإسكان والمرافق والتنمية العمرانية، التي يتولاها المهندس أحمد المغربي، والذي تم في عهده الاستيلاء على كثير من أراضي الدولة، وضاعت ثروات مصر.
![]() |
|
الحكومة هدمت المنازل على رءوس أصحابها |
وحول أزمة نقل سكان منطقة مثلث ماسبيرو إلى خارج القاهرة، والاكتفاء بـ20% فقط من سكانها، يقول إنه وفقًا للأرقام الرسمية الصادرة من مركز المعلومات، ودعم اتخاذ القرار فإنها تؤكد توفير أماكن لتسكين 40 مليون مصري، ما يحل مشكلة السكن في حال وجدت الإرادة السياسية لذلك، واحترام قيمة المواطن المصري.
إلا أنه يستدرك بقوله: "على أرض الواقع تختلف تلك الأرقام، وتواجهنا مشاكل التسعير، فالعقارات المتوافرة تتميز بارتفاع أسعارها، وتصل إلى ملايين الجنيهات، ولا يمكن للفقراء الحصول عليها".
عمل عصابات!
ويصف الدكتور سامر سليمان أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية، التعامل الأمني مع أصحاب الأراضي والسكان بـ(مثلث ماسبيرو)، من هدم منازلهم وتشريدهم وإلقاء أغراضهم خارج المنزل بدون إنذار، بأنه يشبه أعمال العصابات، حيث تقوم الحكومة بطردهم قبل مساومتهم على أسعار الأراضي ليشتروها بأبخس الأسعار، مما يعد إرهابًا للمواطنين.
ويشير إلى أن قرب تلك المنطقة من كورنيش النيل يجعلها منطقة حيوية جدًّا، ويجعل أسعار الأراضي مرتفعة للغاية، مؤكدًا أن الفيصل في القيام بالمشاريع التطويرية أن تتم لهدفين أولهما المنفعة العامة، والثاني استثمار عائد تلك الخطط في تطوير ورفع مستوى معيشة ساكنيها، على أن يكون بموافقتهم وليس بالقوة.
![]() |
|
أثاث أهالي ماسبيرو تحت أنقاض المنازل |
ويكمل أنه في حالة أهالي ماسبيرو، فالوضع مختلف حيث يتم إخلاء منازلهم بشكل قسري، والتطوير يتم على حسابهم، وليس لحساب مصلحتهم، للقيام بمشاريع استثمارية، وترفيهية لن تعود عليهم بقرش واحد، غير أنهم سيفقدون أموالهم ومساكنهم، كما سيفقد الكثيرون أعمالهم ومحلاتهم، ويترك الأطفال مدارسهم.
ويرى أن ذلك المشروع تعدت فيه الحكومة الخصخصة التي تتم للمنشآت الحكومية، ووصلت إلى نزع ملكية قطاع خاص وإعطائه لقطاع خاص آخر أغنى منه ماديًّا، كنوع من أنواع نقل الثروات الجبري من الفقير إلى الغني، مؤكدًا أن الوضع بتلك الطريقة خطيرًا جدًّا وكان لا بد أن يعوض المتضررون تعويضًا ماديًّا مرضيًّا في حالة قبولهم.



