مؤسف أن يسأل أحدنا: وماذا بعد؟! وقد وضع سلاحه وأناخ فرسه وخلد للراحة..
مؤسف أن يسدل بعضنا الستار، معتبرًا المعركة قد وضعت أوزارها لترتد أرتالنا إلى ثكناتها، منكسرة الهمم، تاركةً الساحة للصوص وللمغتصبين حتى إشعار آخر؛ وذلك لمجرد خسارتنا حفنة من المقاعد، معلوم أولها من آخرها.
مؤسف أنه ما زال بيننا من يختزل المعركة في السعي إلى البرلمان غير معنيٍّ بالهدف الحقيقي المتمثل في الصحوة المرتقبة لشعبنا الرائد، والتي بدا المناخ مناسبًا لولادتها، بل ربما شعاعها قد لاح في الأفق، وعليه فما جرى- برغم مرارته- قد يكون بدايةً وانطلاقًا وتوثبًا وترقبًا لساعة نصر ما هي منا ببعيد!.
حتى المدركون للهدف الصحيح.. مؤسف أن نرى منهم من جلس يقيِّم ما حدث فأطال، ثم.. جلس يحدد التوجه القادم بينما هو بديهي معروف، ثم.. جلس ينظر كيف يحفِّز إخوانه وهم لا يحتاجون لأكثر من إشارة وامضة، ثم جلس وجلس!.
مؤسف أشدَّ الأسف أن نخذل شعبنا دون قصد، ونُسهم في تحطيم آماله وغلبة يأسه وإجهاض نهضته، بل أن نخذل شعوب الأمة التي ما برحت ترقب معركتنا باعتبار شعبنا أبرز الآمال نحو النهضة والوحدة والتحرير والنصر.
لقد شاهد شعبنا بأم عينه أحداث الجولة، وأدرك الحقيقة كاملة، وتألم الغيورون منه بعدما أدركوا فداحة الموقف، واكتشفوا عظم المصيبة التي فاقت أضعاف ما كانوا يظنون، وتمنَّوا شيئًا يفعلونه لنصرة الحق ومقاومة الظلم، لا سيما والشهور المقبلة حبالى بالأحداث، غير أنهم لا يدرون من أين يبدءون، ولا كيف يسيرون وقد تعلَّقت بنا آمالهم، باعتبارنا قادة الموقف.
وعلى هذا فالمعركة أيها الإخوان لم تنتهِ بعد، بل ربما بالكاد قد بدأت، والجولة المنصرمة لا تعدو أن تكون الجولة الأولى فحسب، واستكمال الشوط المقطوع مع هؤلاء الأخيار دون انقطاع هو واجب الساعة، وإلا كان الإحباط والهزيمة الفعلية.
إن التحدي اليوم يكمن في استمرار حالة النفرة والاحتفاظ بمناخ الحراك العام للصف والمجتمع، وإن اختلفت بطبيعة الحال درجة الاحتقان والتصعيد، والتحدي الأكبر منه هو نجاحنا في إشراك من نستطيع من شعبنا، وبخاصةٍ الغيورون منه- وهم كُثُر- في معركتنا ضد الاستبداد، وهو هدف أبعد وأشمل من مجرد بث الوعي في شعب يزداد كل يوم وعيًا وتعاطفًا مع مشروعنا الإسلامي، غير أنه ما برح في موقع المتفرج، وهو ما يرتكز عليه الاستبداد في بقائه.
إن التحدي الحقيقي هو الالتفات إلى هؤلاء لتحويل عواطفهم وطاقاتهم إلى فعل مناصر لمشروعنا، وإلا ستنفجر حتمًا في اتجاه عشوائي لا يُحمد عقباه أو سيبقى الأمر- في أحسن التقديرات- على ما هو عليه، محدثًا قدرًا غير قليل من اليأس والإحباط.
ذلك الحزام البشري الملتف حولنا والملاصق لنا والمتجاوب معنا من القابعين على امتداد أرض الوطن والملتصقين بها بعيدًا عن المنصات الخادعة وسماسرة السياسة.
آن الأوان أن نستنفرهم كي يشاركونا شرف العطاء ومئونة البذل، وإن لم يكونوا من الإخوان فإنما نحن دالون على الخير ولسنا له محتكرين.
آن الأوان كي يحملوا معنا مهمة استنهاض هذا الشعب وصولاً إلى صحوته الكاملة، والتي لها ما بعدها.
آن الأوان إخواني كي نخوض هذا المخاض بعزم وإصرار، ولا تسألوني كيف؛ فصاحب الغاية لا يعدم وسيلة، وليس صعبًا بعون الله أن نبدع في فنون التعبئة العامة، كما أبدعنا عقودًا في أعداد الصف الإخواني، وأن نطلق العنان لمعنى الحق الذي يحشد أجناده ويعتد للموقف الفاصل.
اثبتوا أيها الإخوان، والزموا ميدانكم، وواصلوا زحفكم، لتبادر على الفور كل وحدة- بداية من الأسرة- بدفع نفسها والتنفيذ في نطاقها، وتوفر على القيادة عبء الشرح والإحماء، طلقوا الحجرات المغلقة ولتتوجه كل طاقاتكم نحو المجتمع ليكون هو المهمة ولا مهمة غيرها، فما كانت لا بد منها لإدارة المعركة، فلتكن متزامنةً مع الحركة دون حاجة للتوقف، استنفروا كل المخلصين والغيورين على الدين والوطن كي ينهضوا معكم لمقاومة الظلم ودحر الاستبداد بالمضي في الفعاليات السلمية الهادفة إلى إحداث أكبر قدر ممكن من اليقظة لشعبكم، وبالإصرار والاستمرار على رفض التزوير، وفرض الإرادة وانطلاقة النهضة تحت راية الإسلام طوق النجاة لهذه الأمة.
واعلموا أيها الإخوان أن مرادكم هذا دونه تضحيات جسام، فلا تضنُّوا بها على دعوتكم، ولأن نعتقل ونحن في قلب الميدان خير ألف مرة من أن نعتقل ونحن قابعون خلف جدران البيوت، فانطلقوا جهارًا نهارًا بمشروعكم الرباني دون أدنى تردُّد أو شعور بغربة، فإنما تلك أرضكم وهذا شعبكم، بينما الغرباء حقًّا فهم أولئك اللصوص الذين يحترفون اقتحام البيوت في عتمة الليل؛ لأنهم يكرهون بزوغ الفجر، ويخشون ضوء النهار!.
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص).