- عبد الحليم قنديل: التعذيب جريمة نظام والضابط موظف عمومي

- جمال عيد: الداخلية تعيدنا لسواد التسعينيات وجرائم تعذيب بلا جناة

- المستشار مرسي الشيخ: التلفيق جاهز و"الأحراز" بمكاتب الضباط

- نجاد البرعي: المجتمع مسئول عن وقف التعذيب بالتكاتف ضدها

- محمود قنديل: التعذيب أصبح منهج المباحث للتحري والتحقيق

 

تحقيق: تسنيم نصر

حادثة قتل الشاب السيد بلال تحت وطأة التعذيب بجهاز أمن الدولة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ففي ظل قانون الطوارئ الجاثم على مصر منذ 30 عامًا تفشى منهج التعذيب حتى بات وسيلة الشرطة الأهم في الحصول على معلومات، ولو فوق جثث المستجوبين، مع ضمان سلامة المجرمين من أفراد الشرطة، ومنع مساءلتهم قانونيًّا.

 

وفي تقريرٍ للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان تحت عنوان "متى تتوقف جريمة التعذيب؟"، أثبتت المنظمة 56 حالة تعذيب داخل أقسام الشرطة، خلال الفترة من يونيو 2008م وحتى فبراير 2009م، ونتج عنها 13 حالة وفاة، مؤكدةً أن الحالات ليست سوى عينة محدودة بين مئات الحالات الأخرى التي تلقت المنظمة معلومات عنها، وآلاف مما لا يقدم الضحايا شكاوى بشأنها.

 

ومن أبرز حالات التعذيب والقتل في الفترة ما بين عامي 2008م و2009م كانت قتيلة المطرية "رضا باكير" التي دهستها عربة الشرطة عمدًا غير مبالية بصرخاتها، وقتل سائق سيارة أجرة لأنه رفض دفع رشوة أثناء مروره عبر كمين بطريق مسطرد فأرداه أحد أفراد القوة قتيلاً برصاصتين في الرأس، وسائق "التوك توك" الشاب الذي مات محروقًا بعد إغراق أفراد أمن ملابسه بالبنزين وإشعال النار في جسده.

 

وفي أبريل 2009م اعتقل الأمن يوسف حمدان أبو زهري شقيق سامي أبو زهري الناطق الرسمي باسم حركة حماس بقطاع غزة فور دخوله إلى الأراضي المصرية- عبر معبر رفح، وقام بتعذيبه وصعقه بالكهرباء ما تسبب في إصابته بنزيف حاد أدَّى إلى وفاته.

 

ويتمادى مجرمو الأمن أحيانًا بتصوير ضحاياهم أثناء ممارسة التعذيب عليهم، ومن أشهر تلك الحالات فيديو عماد الكبير، والذي رغم توثيقه بالصوت والصورة لم يلق مرتكب الجريمة العقاب الذي يستحقه.

 

"سلخانة" الإسكندرية

وشهد عام 2010م تطورًا نوعيًّا في منهجية التعذيب بقتل الأمن ضحاياه أمام المواطنين في الشوارع، كما حدث في تصفية الشاب السكندري خالد سعيد أمام أصدقائه في الشارع على أيدي مخبرين قاما بتلفيق قضية له، بعد قتله!!

 

وقضية الشاب السكندري أحمد شعبان والذي تم العثور على جثته غارقة في ترعة محرم بك، وعليها آثار تعذيب، بعد القبض عليه بقسم سيدي جابر بتهمة السرقة، ثم تبعها جريمة قتل المواطن السكندري مصطفى عطية نتيجة تعذيبه على أيدي "مخبرين" من قسم مينا البصل وركله وسحله لمسافة تقارب الكيلومترًا أمام أعين الجيران والأهل، حتى فارق الحياة.

 

وأخيرًا.. وليس آخرًا لقي الشاب السيد بلال مصرعه على أيدي ضباط أمن الدولة خلال استجوابه بمقر الجهاز قبل أيام، ما يجدد طرح الأسئلة حول دوافع تلك الجرائم "الأمنية" وكيفية وقف سيل الدماء المصرية وغير المصرية الجارية من أيدي جلاديها.

 

مرض "نهش" البشر

 الصورة غير متاحة

 عبد الحليم قنديل

يؤكد عبد الحليم قنديل المنسق العام لحركة كفاية أن التعذيب جريمة النظام الحاكم بأكمله، بعد أن صارت حوادث التعذيب روتينًا يوميًّا، مشيرًا إلى أن النظام الحاكم المريض بـ"نهش" البشر لا يستطيع أن يحيا إلا في ظل ثقافة الرعب وإرهاب المواطنين، وحتى وزير الداخلية المسئول الرئيسي عن تلك الجرائم مُعين من قبل رئيس الجمهورية.

 

ويستدرك: ولكن النظام لا يُدرك أنه مهما قتل أو عذَّب فإنه في النهاية لا بد أن يرحل، فنظام حاكم يعيش على الفساد والخيانة والبلطجة والتزوير، وقتل وإرهاب المواطنين، وبيع مقدرات الوطن لأعدائه، لا بد أن نهايته قريبة.

 

ويضيف أن ما يحدث من مظاهرات وفضح لجرائم التعذيب ومطالبات باستقالة الوزراء، يعتمد على فكرة تعرية جرائم التعذيب، وتعبئة المواطنين وحشدهم لمواجهة ما يقع عليهم من جرائم النظام الحالي الذي يمتص خيرات الوطن، ويقتل مواطنيه، موضحًا أن العرض هو تلك الجرائم، والمرض الرئيسي هو وجود ذلك النظام، الذي يجب أن يتم القضاء عليه، حتى تنتهي جرائمه.

 

ويوضح أن ضحايا جرائم التعذيب بالملايين لأن أغلب المواطنين همهم فقط "البقاء على قيد الحياة"، وهناك ملايين الأسر ممن يعانون ويتعذبون بأمراضهم، وأخرى تتعذب وتكتوي بنار البطالة والعوز، وهناك 180 ألف شاب أقدموا على الانتحار العام الماضي نتيجة البطالة والفقر، ولم ينج منهم إلا 5 آلاف شاب، وما زال العدد في ازدياد.

 

ويتابع: أن "حوادث الانفعال" ومظاهرات الغضب يجب أن تكون أضعاف ما نراه الآن، فهي بصورتها الحالية تعكس "مرضًا" في ضمير هذا الوطن، ويجب أن يتم التعامل مع كل جرائم التعذيب على قدم المساواة، أيًّا كان ضحيتها وانتماؤه السياسي والعقائدي؛ حتى لا نرى "مواطنًا بقرش وآخر بقرشين"، والمطلوب أيضًا أن تأخذ القضايا المُتعلقة بتلك الجرائم مداها.

 

سواد التسعينيات

 الصورة غير متاحة

جمال عيد

ويقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان إن وقعة التعذيب الخاصة بالسيد بلال تعيد مصر إلى فترة التسعينيات المليئة بجرائم التعذيب، ولا متهم، حيثُ كانت تسود ظاهرة الإفلات من العقاب.

 

ويتهم الجرائد القومية "الحكومية" بترويج الكذب بادعاء عدم وجود شبهة جنائية بالجريمة الخاصة بالمواطن السيد بلال، لافتًا إلى أن سرعة نشر تلك التقارير يصنع تلبيسات على تحقيقات النيابة ويثير شكوكًا عميقة في الأسباب الحقيقية لوفاة السيد بلال، خاصةً أن قوات الشرطة وضباط الداخلية لديها سجل سيئ وملف أسود في التعامل مع النشطاء السياسيين والملتزمين دينيًّا.

 

ويضيف: اليوم بات الجميع معرضين للاعتقال والتعذيب لمجرد الاشتباه الذي لا يُبنى سوى على الظنون والأهواء، ويجب ألا نغمض أعيننا عن جميع قضايا التعذيب، أيًّا كان المشتبه به، حتى وإن ثبتت إدانته، فكونه مُتهمًا لا يعطي للضباط الحق في تعذيبه، فالمتهم يعرض على محاكمة عادلة أمام القاضي الذي يصدر حكمه بحيادية.

 

ويؤكد أن الداخلية تطبق قاعدة "كل المواطنين المعارضين متهمين حتى تثبت براءتهم"، وأي مواطن لا يُعلن تأييده للحكومة فهو ضدها، وضباطها يجدون مناخًا مناسبًا لجرائمهم في ظل قانون الطوارئ، وظاهرة إفلات الجاني من العقاب.

 

تكاتف المجتمع

 الصورة غير متاحة

نجاد البرعي

ويرى نجاد البرعي رئيس مجلس إدارة مؤسسة تنمية الديمقراطية المصرية أن سبب تفشي منهج التعذيب بأقسام الشرطة هو الثقافة الخاطئة لدى الأمن والمباحث في التعامل مع المواطنين والمشتبه بهم، واعتبار التعذيب هو الوسيلة الأمثل للتحري.

 

ويؤكد أن الحل في ديمقراطية شاملة تحفظ الحقوق وتعاقب الجناة ولا يتم تبرير جرائمهم بأسباب وهمية، كما فعلت في حالة السيد بلال شهيد الإسكندرية الأخير، والذي أرجع تقرير صادر عن وزارة الداخلية وفاته نتيجة لهبوط حاد في الدورة الدموية بعد خروجه من القسم بساعتين!!!.

 

ويضيف: أيضًا يجب تعديل قانون العقوبات، وإلغاء قانون الطوارئ، مع تكاتف المجتمع بأكمله لوقف التعذيب وإنهاء سلبيته الحالي، موضحًا أن المنظمات الحقوقية تقوم بكتابة التقارير والبيانات وعمل مؤتمرات لأفراد المجتمع لتوعيتهم بحقوقهم، ولكن لا مجيب، ولا توجد آلية للتنفيذ.

 

ويحذر المصريين جميعهم بأن التعذيب من الممكن أن يطول أي شخص، حتى وإن كان من "البهوات"، فمن الوارد أن يدخل إلى القسم في حالة طارئة بدون علم مُسبق بشخصيته، فيتعرض للتعذيب.

 

مواطن بلا درجة

 الصورة غير متاحة

المستشار مرسي الشيخ

ويُحمِّل المستشار مرسي الشيخ رئيس مركز العدالة الاجتماعية وزارة الداخلية مسئولية ما يحدث من جرائم تعذيب، بإغفال اعتماد الضباط على التعذيب كوسيلة للحصول على اعترافٍ من أي متهم بشتى الطرق والوسائل، وإذا توفي تحت وطأة التعذيب، لا تتم معاقبة الجناة المُتسببين بتلك الكارثة بل يتم إلصاقها بمخبر أو أمين شرطة، وبذلك يهرب الضابط من أية عقوبة، ليقوم بممارسة جريمته على ضحيةٍ أخرى.

 

ويضيف أن الشرطة اعتادت على تلفيق القضايا على أي من المشتبه بهم؛ وذلك الاشتباه "مزاجي" لدى الضابط المسئول، والأحراز جاهزة لدى الضباط في صورة مخدرات وسلاح وسرقة وغيره، مؤكدًا أن وزارة الداخلية هي المسئول عن ذلك كله بترسيخها في ذهن طالب الشرطة أن المواطن العادي هو مواطن درجة ثانية وثالثة، وأحيانًا بلا درجة وليست له أدنى حقوق.

 

ويرى أن بداية الحل إذن يكمن في أن يتعلم الضابط على أن كل المواطنين بنفس منزلته، وألا يتعامل معهم بقسوة، ثم يأتي دور النيابة في دورها المنوط بها في التفتيش على الأقسام بصورة مفاجأة وكشف الانتهاكات.

 

ويضيف: في النهاية يأتي دور القانون، وتشديد عقوبة التعذيب إلى "جناية"، وتنفيذ القانون على الجميع وعلى أي شخص يقوم بالتعدي على حقوق الغير أيًّا كانت صفة ذلك المُعتدى، متسائلاً فما الفائدة من وجود قانون لا يُطبق؟!.

 

جريمة مُعتادة

ويشير محمود قنديل الناشط الحقوقي وعضو منظمة العفو الدولية إلى أن جريمة التعذيب الأخيرة ليست مفاجأة، فالتعذيب في مصر مُمنهج، بعد أن صارت الداخلية هي القاضي والجلاد، مع إغفال حق المتهم في محاكمته أمام القاضي الطبيعي.

 

ويطالب بتغيير التراث المتراكم لدى ضباط الشرطة حتى باتوا لا يستطيعون القيام بتحقيق بدون عمليات تعذيب، مع تسييد أحكام القانون ومعاقبة المسئولين عن جرائم التعذيب عقابًا رادعًا، ليكونوا عبرةً لغيرهم.