الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد:
فقد اقتضت سنة الله تعالى في خلقه تعاقب الأيام والشهور والسنوات وها نحن بين عامين، عامٍ مضى وعام أتى.
عام مضى بكلِّ ما فيه من أفراح وأحزان وطاعة وعصيان، وعام أتى يحدونا فيه الأمل وتراودنا فيه الأحلام، وتداعب خواطرنا تلك الأمنيات التي كنا ولا زلنا نهفو إلى تحقيقها، فلا بد لكل عاقل أن يقف وقفةً مع هذا العام الذي انقضى، وقفة حساب ومراجعة، ولا أقصد تلك الإحصائيات التي امتلأت بها وسائل الإعلام عن حصاد العام، وما فيه من أحداث داخلية وخارجية، عربية وإسلامية، هنا وهناك في كل المجالات اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وفنيًّا ورياضيًّا لا أقصد ذلك كله، بل أهدف أن يقف كل منَّا مع نفسه لينظر أين هو من ربه؟ وكيف مرَّ عليه هذا العام؟
وقفة مع النفس
إنها وقفة مهمة لا بد أن يقفها المسلم مع نفسه، يعاتبها ويحاسبها كما يفعل التجار في نهاية كل عام، وكما قال سيدنا عمر: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.."، الله عزَّ وجلَّ ينادي علينا فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)﴾ (الحشر).
أين حصاد العام بالنسبة لك أنت؟ كن على يقين أنه مدون ومكتوب في صحائف أعمالك ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (ق)، فهلا حاسبت نفسك؟ ماذا قدمت أخي الكريم في العام الماضي من العبادات والطاعات والفرائض من صلاة ومن صيام؟ هل أديتها على أكمل وجه؟
كيف كنت مع القرآن الكريم؟ تذكر آخر مرة جلست فيها تأنس بآيات القرآن الكريم ترتيلاً وحفظًا وعملاً؟
هل كنت حريصًا في هذا العام على إقامة النوافل من الصلاة والصيام؟
هل حرصت في هذا العام أن تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
هل حرصت في هذا العام أن تكون وقَّافًا عند حدود الله سبحانه وتعالى؟
هل كنت تحرص على عدم الوقوع في الحرام؟
كيف كانت صحبتك؟ هل صاحبت الأطهار الأخيار أم رافقت الأشرار؟
هل حرصت على قول الحق ونصرة أهله؟ أم كنت عونًا لأهل الزور والباطل؟
هل حرصت في هذا العام على أن تؤدي الحقوق لأصحابها؟
هل عايشت هموم إخوانك من المسلمين المشردين في فلسطين والعراق، وتحرَّق قلبك لما يحدث لهم، فدعوت لهم بالنصر، وأنفقت من مالك لمساعدتهم؟
هل حرصت في هذا العام على أن تجدد التوبة لكلِّ معصية قمت بها في حقِّ نفسك أو في حقِّ ربك؟ أم كنت مشغولاً في هذا العام بأمور أخرى؟
اعلم أخي المسلم أنك ستقف بين يدي الله تعالى، وستحاسب على كل هذه الأعمال، فكل هذا مكتوب في صحيفة أعمالك وستأخذها يوم القيامة وستنظر إليها، هل سيسرك ما فيه؟ قد شاهدت مئات الأفلام، قد شاهدت مئات المسلسلات، وقد شاهدت كثيرًا من البرامج غير الهادفة المنتشرة على الفضائيات.
فلتبادر بالتوبة
إذًا عندما ينتهي عام لا بد أن نقف وقفةً لمحاسبة ما مضى من أعمال، ونبدأ عامنا الجديد بالتوبة النصوح وبطاعة لله سبحانه وتعالى، فهذه التوبة قد أمرنا الله سبحانه بها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (التحريم).
وقال أيضًا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)﴾ (النور).
الله سبحانه ينادي علينا في القرآن: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾ (الزمر).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" (رواه مسلم).
هذا عام جديد قد بدأ وعليك أن تعرف نفسك وتحدد طريقك من أي الفريقين أنت؟ من الرابحين أم من الخاسرين، مقياس الربح والخسارة ليس المال ولا المنصب ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)﴾ (الزمر).
احذر لعنة الله
احذر أخي على نفسك! فمن كان يومه مثل أمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شر من أمسه فهو ملعون.
واحذر من سرعة انقضاء العمر، يقول الحسن البصري: "يا ابن آدم إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل، وأنت تعلم فاعمل".
لا تحرم نفسك هذه البشرى من الله عزَّ وجلَّ
ويا لها من بشرى من ربنا صاحب الفضل والجود عندما تعود إلى التوبة الصادقة والعودة إلى رحابه تتبدل هذه السيئات إلى حسنات ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)﴾ (الفرقان) الطريق الصحيح لا يكون إلا بالتوبة، والعمل الصالح من أجل الوصول إلى مرضاة المولى سبحانه وتعالى.
اللهم تب علينا توبة نصوحًا تهدينا بها لأحسن الأخلاق، وتزيدنا بها هدى، ونسألك يا رب الثبات على الحق، وعمل الخير، وحسن الخاتمة. آمين.