من البديهيات أن وظيفة الدولة هي تحقيق السعادة والكرامة، والأمن والحرية لمواطنيها، لا تكديرهم أو امتهانهم، أو محاربتهم في أرزاقهم، وإذا كان المسيحيون يشعرون بظلم الحكومة لهم، فإن بقية الشعب المصري، وخاصةً الإسلاميين الحركيين، والذين يفوقون في عددهم عدد المسيحيين، يتعرَّضون لظلم ممنهج على كلِّ الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، وصلت إلى مستوى القتل العمد في السجون، وفي مراكز التحقيق كما حدث مؤخرًا مع الشاب السلفي سيد بلال، الذي فارق الحياة بعد تعرضه للتعذيب البشع لحمله على الاعتراف بارتكابه جريمة القديسين، والذي كان الفضل في إظهار قضيته لنشطاء الإنترنت سواء كانوا إسلاميين أو ليبراليين.
وللتذكير فنحن لا نتحدث هنا عن المواجهات التي وقعت بين الدولة، والجماعات الجهادية في حقبة التسعينيات، بل نتحدث عن إسلاميين مسالمين يرفضون العنف، منهم مَن يعمل بالسياسة ويترشح للانتخابات، ويتشارك مع الأحزاب الأخرى في العديد من الفعاليات كالإخوان المسلمين، ومنهم مَن يرفض العمل بالسياسة، ويقتصر على العمل الدعوي السلمي مثل السلفيين، والجماعة الإسلامية بعد أن طلقت العنف.
وإذا كان المسيحيون يشعرون بغياب العدالة بسبب تأخر صدور الحكم في مذبحة نجع حمادي التي وقعت قبل عامٍ، فما بالكم بالمحاكمات العسكرية الظالمة للإسلاميين، وتحويلهم إلى محاكم أمن الدولة طوارئ؟!، وهي محاكم استثنائية لا يحق للمتهم الطعن على أحكامها، وقد أصدرت مطلع الأسبوع حكمًا مؤلمًا ضدَّ عددٍ من رموز الإخوان، وكبار الدعاة أمثال الشيخ وجدي غنيم، وعوض القرني بالحبس ما بين 3-8 سنوات، وغرامات ومصادرات تلامس 100 المليون جنيه لمتهمَين في القضية هما الدكتور أسامة سليمان الذي حوكم حضوريًّا، وإبراهيم منير الذي حوكم غيابيًّا، وهي غرامات لا يمكن لأي من المتهمين سدادها حتى لو تم بيع كل ممتلكاته، وممتلكات عائلته في مزادات عامة، وربما يتطلب أمر سدادها الدعوة إلى اكتتاب عام قد يتعرض منظموه لمحاكمة مماثلة.
هو إذن تعامل ظالم مع الإسلاميين بعيدًا عن القانون، الذي أقسم المسئولون على احترامه والذي ينص على محاكمة المتهم أمام قاضيه الطبيعي، فكيف يكون شعور هذا الشخص، أو ذاك حين يجد نفسه محمولاً في سيارة مصفحة إلى ثكنة عسكرية ليحاكم أمام جنرالات لا قضاة مدنيين؟ وماذا يكون شعوره حين يحال بدون تهمة صحيحة إلى محكمة طوارئ لا تسمح له بالطعن على أحكامها؟ وماذا يكون شعوره حين يحجز على بيته وممتلكاته، وتصادر أمواله، وتجارته، ويجد نفسه مدينًا بعد أن كان رجل أعمال كبيرًا يسهم في فتح بيوت مئات، أو حتى آلاف الأسر؟!.
اضطهاد الإسلاميين المسالمين لا يتوقف عند حدود المحاكمات الظالمة، لكنه منهج عمل ثابت لحكومة الحزب الوطني، وهو اضطهاد يشمل كل المجالات تقريبًا، خذ عندك السياسة، وما حدث فيها من حرمانٍ للإخوان من التمثيل في البرلمان الذي كانوا يمثلون خمسه من قبل، ولولا التزوير أيضًا لكان لهم ربما الثلث أو يزيد، خذ مثلاً أيضًا رفض تأسيس حزب سياسي لهم، أو لغيرهم مثل أحزاب الوسط، أو الشريعة، أو الصحوة يقوم على مرجعية إسلامية أسوةً بالأحزاب المسيحية الأوربية مثل الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والذي أوفد بعثة تحقيق برلمانية برئاسة رئيس كتلته البرلمانية إلى القاهرة لتقصي أوضاع المسيحيين، وحادث القديسين!!.
وهل يمكن أن ننسى تدخل الدولة لتفجير حزب العمل، وتجميده، وإغلاق صحيفته "الشعب" لمجرد أنه أظهر هوية إسلامية وتعاون مع الإخوان المسلمين وتيارات إسلامية أخرى، ثم تمت إحالة أمينه العام مجدي حسين إلى محاكمة عسكرية لمجرد أنه دخل غزة عبر الأنفاق لمؤازرة أشقائه هناك، وهي الطريقة ذاتها التي عبر منها العشرات بل المئات بعد أن أغلقت مصر الرسمية منفذ رفح البري، ثم حكمت عليه حكمًا قاسيًا بالسجن عامين، ورفضت إطلاقه بعد قضاء نصف المدة، أو ثلاثة أرباعها كما يحدث عادةً مع السجناء الجنائيين، بل أصرَّت على قضاء العقوبة كاملةً؛ حيث يفترض أن تنتهي مطلع فبراير المقبل ويعود البطل إلى أحضان شعبه وأهله، وبمناسبة التعنت مع مجدي حسين فإن هناك تعنتًا كبيرًا أيضًا مع سجناء الإخوان الذين تم حرمانهم من أي عفو رئاسي أو شرطي (أي بقضاء ثلاثة أرباع المدة) أمثال المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد ورجل الأعمال حسن مالك وغيرهما.
وحين نتحدث عن المجال الإعلامي، فإننا نذكر أيضًا أن الدولة ترفض منح تراخيص إصدار صحف أو مجلات، أو إطلاق قنوات فضائية لأي منتمين إلى التيار الإسلامي؛ حيث تتركز التحريات الأمنية عند أي طلب لترخيص جديد من أي مواطنين مصريين على احتمالات وجود عناصر إسلامية بينهم، فإذا ثبت خلوهم من هذه العناصر سمح لهم بالتصريح، وغني عن الذكر ما حدث مؤخرًا مع بعض القنوات السلفية التي سمحت بها السلطة في وقتٍ من الأوقات لأن هذه القنوات لم يكن لها علاقة بالشأن السياسي، ولا بنظام الحكم، لكن السلطة- وفي إطار حربها على التيار الإسلامي- رأت أن مجرد السماح بقنوات للمشايخ حتى لو كانوا معها فإنه يمثل شيئًا مقززًا لعيونها، وبالتالي قررت إغلاقها.
تعالوا بنا نرى ما يحدث على المستوى الاقتصادي، فالإسلاميون ليس مسموحًا لهم بممارسة نشاط اقتصادي إلا خلسة، وقد تابع الجميع ما حدث مع شركات توظيف الأموال قبل سنوات التي وإن كانت قد ارتكبت بعض الأخطاء إلا أن تلك الأخطاء لم تكن كافيةً لتبرير إغلاقها بطريقة بربرية ضيعت على المودعين أموالهم، وحرمت مصر من فرصة للنمو والتنمية، وقد كان ضرب تلك الشركات رسالةً قويةً لكل مستثمر إسلامي بأنه سيلقى المصير ذاته، ما دفع الكثيرين إلى الهرب بأموالهم خارج مصر، كما دفع غيرهم إلى تفتيت الكيانات الاقتصادية الكبيرة حتى تكون بعيدًا عن أعين المتربصين، ومؤخرًا تم إغلاق 76 شركةً ما بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة مملوكة لأشخاص ينتمون للإخوان، يعمل فيها المئات من الموظفين يعولون أسرًا كبيرةً، وكان من بين هذه الشركات شركات كبرى تنوعت مشاريعها داخل مصر وخارجها وهي شركة التنمية العمرانية التي كان يعمل بها 1400 موظف وعامل، ومن قبلها شركة سلسبيل لأنظمة المعلومات التي كان لها الفضل في إدخال مصر عالم التقنية الحديثة.
في مجال الوظائف المدنية والعسكرية حدِّث ولا حرج، فكليات الشرطة والكليات العسكرية محظورة تمامًا على هؤلاء الإسلاميين؛ حيث تجري التحريات الأمنية المعمقة على كلِّ من يسعى لدخولها، وتشمل هذه التحريات العائلة والجيران، وربما حتى الأصدقاء، وتلاحق الأجهزة الأمنية المتفوقين علميًّا فتمنع تعيينهم كمعيدين بالجامعات، كما تلاحق المعلمين في المدارس من ذوي الانتماءات الإسلامية وتحيلهم إلى أعمال إدارية، ولا تتوقف الملاحقات الأمنية عند هذا الحد بل إنها تمنع ترقية الإسلاميين إلى المناصب العليا التي يستحقونها بفضل خبرتهم وكفاءتهم، وفي كل الوظائف التي توصف بالحساسة يخضع المرشحون لفلتر الأمن لتنقية المتقدمين من ذوي الانتماءات الإسلامية، ناهيك عما يحدث مع المنتقبات في الجامعات والكثير من مواقع العمل رغم حصولهن على أحكام قضائية نهائية.
حين نستعرض هذه المظالم التي يتعرض لها الإسلاميون فليس الهدف هو استجداء تدخل أجنبي مقيت- والعياذ بالله- ولكن الهدف هو التوضيح أن في مصر فئات أخرى غير المسيحيين تتعرض للظلم البين، وتسعى للخلاص من هذا الظلم عبر نضال سلمي سياسي، وقانوني، وجماهيري طويل بالتعاون مع كل القوى الوطنية الحية، وبعيدًا عن الاستقواء بالأجنبي، وهذا ما هو مطلوب من المسيحيين.