(14) ابتلاء المؤمنين سنة من سنن الحياة
القرآن الكريم هو الدستور العظيم الذي حوى كل خير، ووضع أيدينا وفتح أبصارنا على حقائق هذا الوجود، وسنن هذا الكون العظيم كما خلقه الله عز وجل، وأوجده وسواه.
فالإنسان أعظم مخلوقات الله على الإطلاق، خلقه الله عز وجل من طين ونفخ فيه من روحه، وسواه ورزقه العقل والقلب وأرسل إليه الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
والحق تبارك وتعالى لم يحاب أحدًا- وحاشاه سبحانه- وقد جعل من أنبيائه ورسله القدوات العملية التي يراها الناس، ويعايشونها، ويشعرون بما ينزل بهم من ابتلاء وشدائد، وفي الحديث: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه؛ فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء".
أيها الأحباب..
أنا أريد بالحديث في هذا الموضوع اليوم من أجلكم أنتم، ومن أجل ما تمشون عليه من أشواك وتسمعونه من كلام لا يمت إلى الحقيقة بصلة، دفعات ودفعات من الأكاذيب من هنا وهناك وألوان من الافتراءات، والأضاليل لا يقدر على الصبر عليها والاحتساب؛ إلا من رزقه الله اليقين، وفهم بل وأيقن أن طريق الدعوات غير مفروش بالورود والرياحين، بل هو مفروش بالعراقيل ومملوء بالعقابيل، كلها صد عن سبيل الله.
والحق تبارك وتعالى يقول لنا في وضوح وصراحة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ (214)﴾ (البقرة).
يقول المفسرون (يتوجه إليهم بأن هذه هي سنة الله القديمة في تمحيص المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة وليكونوا لها أهلاً أن يدافع أصحاب العقيدة عن عقيدتهم، وأن يلقوا في سبيلها العنت والألم والشدة والضر، وأن يتراوحوا بين النصر والهزيمة حتى إذا ثبتوا على عقيدتهم، لم تزعزعهم شدة، ولم ترهبهم قوة ولم يهنوا تحت مطارق المحنة والفتنة!! استحقوا نصر الله لأنهم يومئذٍ أمناء على دين الله، مأمونون على ما ائتمنوا عليه، صالحون لصيانته والذود عنه.
واستحقوا الجنة لأن أرواحهم قد تحررت من الخوف وتحررت من الذل، وتحررت من الحرص على الحياة أو على الدعة والرخاء، فهي عندئذٍ أقرب ما تكون إلى عالم الجنة وأرفع ما تكون عن عالم الطين).
أيها الأحباب..
هل قرأتم عن سيد الخلق على الله وأكرم الخلق عند الله ماذا حدث له في مكة، وكيف حُوصر في شعب أبي طالب ثلاث سنين لا يأكلون إلا ورق الشجر، وهل عرفتم كيف هاجر؟ وما الأهوال التي تحملها في ليلة الهجرة، وكيف رصدت قريش كل ما تملك للقضاء عليه؟ وأعتقد أننا جميعًا رأينا الأهوال التي حدثت للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وحوله أكرم الخلق على الله، ومع ذلك يدعو لهم صلى الله عليه وسلم "اللهم إنهم جياع فأشبعهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم فقراء فأغنهم، اللهم إنهم عالة فاحملهم"، هذا وصف لأكرم الخلق عند الله عز وجل، الذين وصفهم بقوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية 29).
وهل سمعتم ما كان في غزوة أحد، وما نزل بها من أهوال؟ وكيف أحيط بالنبي صلى الله عليه وسلم من جميع الجوانب يريدون القضاء عليه؟ وهل نظرتم نظرة متأنية إلى ما فعله اليهود في تجميع الجزيرة العربية كلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه في غزوة الأحزاب؟ وكيف كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يعيش مع أصحابه في هذه الليالي؟
أيقنوا بهذا، وأن هذا هو الطريق، وهل سمعتم عن إمامكم حسن البنا الذي ضرب بالرصاص في أكبر شوارع القاهرة ولم يوجد معه إلا جنيه وعشرة قروش ومسبحة ومصحف؟ وهل سمعتم عن الأستاذ الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين حينما أكثر الإخوان من الإلحاح عليه أن يتولى هذا المنصب فيعتذر، ثم يأتي في يوم من الأيام وفد من الإسماعيلية على رأسه الشهيد العظيم يوسف طلعت فيجلس عند قدميه ويقول له: يا فضيلة الأستاذ إن الدعوة تمر بظروف شديدة، والإخوان قد اختاروك ورجاؤهم أن تقبل، ثم يبكي يوسف طلعت وهو جالس عند قدميه بكاءً مرًّا من شدة الألم للموقف الذي تمر به الجماعة، فيعدهم لأول مرة أنه سينظر في الأمر وسيكون خيرًا إن شاء الله ثم يجلس معه الأهل من أولاده فيقولون له: يا والدنا لماذا لا تقبل هذا المنصب وأنت معروف بتاريخك في القضاء، ومواقفك المشرفة، وأمانتك في المواقف كلها؟ فينظر إليهم الرجل المجرب الذي يعرف طريق الدعوات وما فيه من أضرار ومحن وشدائد.
فيقول لهم: هل أنتم على استعداد ألا تعيشوا في هذا البيت، ولا تأكلوا هذا الطعام، ولا تناموا على مثل هذا الفراش ولا تلبسوا هذه الملابس؟ وفي كل مرة يسألهم يقولون: نعم. فاطمأن الرجل العظيم إلى معرفتهم بطبيعة الطريق، وتكاليف الدعوات ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾ (العنكبوت)، ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (85) وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ (86)﴾ (القصص)، وقوله تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)﴾ (الأنعام).
ولقد علمنا الحق تبارك وتعالى حقائق هذه الأمور وما وراءها، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وكشف لنا الرسول صلى الله عليه وسلم ألوانًا من الناس؛ حيث قال في بقية الحديث: "وإن قومًا غرتهم الأماني وخرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم؛ قالوا نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن لأخلصوا العمل" (مسند الفردوس).
إن الإيمان ليس كلمة تُقال باللسان إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، فلا يكفي أن يقول الناس آمنَّا وهم لا يتركون لهذه الدعوة، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب، لنفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به.
وقد وضع الحق تبارك وتعالى علامات للمؤمنين الصادقين يعرفون بها؛ فقال سبحانه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)﴾ (الحجرات)، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة).
يقول صاحب الظلال رحمه الله (إن هذه العقيدة لا تحتمل لها في القلب شريكًا؛ فإما تجرد لها، وإما انسلاخ منها، وليس المطلوب أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد والمال والعمل والمتاع واللذة، ولا أن يترهبن ويزهد في طيبات الحياة.. كلا إنما نريد هذه العقيدة أن يخلص لها القلب ويخلق لها الحب، وأن تكون هي المسيطرة والحاكمة، وهي المحركة والدافعة.. فإذا تم لها هذا فلا حرج عندئذٍ أن يستمتع المسلم بكل طيبات الحياة، على أن يكون مستعدًا لنبذها كلها في اللحظة التي تتعارض مع مطالب العقيدة.
ومفرق الطريق هو أن تسيطر العقيدة أو يسيطر المتاع، وأن تكون الكلمة الأولى للعقيدة أو لعرض من أعراض هذه الأرض، فإذا اطمأن المسلم إلى أن قلبه خالص لعقيدته، فلا عليه بعد هذا أن يستمتع بالأبناء والإخوة وبالزوج والعشيرة، ولا عليه أن يتخذ الأموال والمتاجر والمساكن، ولا عليه أن يستمتع بزينة الله والطيبات من الرزق- في غير سرف ولا مخيلة- بل إن المتاع بها حينئذٍ لمستحب؛ باعتباره لونًا من ألوان الشكر لله الذي أنعم بها ليتمتع بها عباده، وهم يذكرون أنه الرازق المنعم الوهاب).
لقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم الميزان الدقيق لهذا الأمر حين قال: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"، وفي الحديث أيضًا "إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام، وإذا حكموا بغير ما أنزل الله حرموا بركة الوحي".
جاء في مجلة (الدعوة):
وقد ينظر الإنسان إلى الحياة من خلال نفسه، وما يعود عليه فيفرح بالنعمة ويجزع عند المصيبة، ولكن الأمر أبعد من هذا وأعمق؛ فإن السلوك الإنسان أثره في حياته، ولعمله نتائجه التي لا تنكر، وما دام الإنسان قد تنكر للحق وابتعد عن الصدق ولم يأخذ بهدى الله فلا يلو من إلا نفسه ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾ (الفجر)، ولكن الحق تبارك وتعالى ينبه الإنسان إلى خطأ تصرفه ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)﴾ (الفجر).
إنه الابتلاء والاختبار، إنه التكليف الرباني للإنسان كي يؤدي عمله، وينتظر أجره وثوابه من الله العلي الأعلى، فمن مضى على الحق نجا، ومن تنكب الطريق هلك، والله تعالى رحيم بالإنسان محب له، يعد له الامتحان تلو الامتحان ليصهر معدنه، ويثبت يقينه، ويدربه تدريبًا عمليًّا على قيادة نفسه ليقود غيره ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: من الآية 35).
وإذا رجعنا المنهج الرباني الذي أراده الله سلوكًا عمليًّا للناس جميعًا وجدنا الابتلاء في كل شيء؛ في الغنى والفقر، الصحة والمرض، في الملك وتحمل الأعباء، في الحرب وغير الحرب، يقول الله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)﴾ (البقرة).
وهناك أمر يجب أن نقف عنده وقفة يقظة، فقد يعمل الإنسان عملاً أو يجاهد أو يُبتلى، ثم يحاول أن يقبض أجره في الدنيا إما مدحًا وثناءً وإما طلبًا للرفعة على الأرض، يقول الحق سبحانه: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)﴾ (العنكبوت).
إن من يطلب أجره على جهاده وتضحيته في الدنيا قد ضل الطريق وخسر الدنيا والآخرة، فإن القلوب المؤمنة يجب أن تستقر وترجو لقاء الله وتطمئن، وتنتظر ما وعدها الله إياه، انتظار الواثق المستيقن ولتتطلع إلى يوم اللقاء في شوق ولكن في يقين.
ولا ينبغي أبدًا أن يقف المؤمن والمجاهد أو المبتلى في وسط الطريق يطلب أجره من المخلوق؛ لأن المخلوق لا يملك شيئًا ولا يحاول أبدًا أن ينزلق إلى الآخرين، أو يتقرب منهم بذكر ما قدمه لدينه من تضحيات، بل عليه أن ينظر إلى هناك إلى وعد الله الحق الذي بيده الجزاء وعنده الثواب، فأجره ليس في الدنيا ولا يملكه البشر؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فلنحذر بحق هذا المزلق الخطير الذي أشارت إليه الآية، وحذرت منه الذين يضعفون أحيانًا بعد أن يقدموا لله شيئًا ويدافعوا عن دينه وعن رسالته، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر أن يطلبوا أجرهم، أو ثمن جهادهم من غير الله، هنا تكون الخيبة؛ فالله غني عن أعمالهم وعنهم وعن العالمين، بل هم الذين يحتاجون إليه سبحانه حتى في النفس الذي يتردد في قلوبهم وبين حناياهم، وعليهم أن يزدادوا شكرًا لله عز وجل لأنه اختارهم واحتباهم وهداهم إلى أن يعملوا لدينه ويجاهدوا من أجل رسالته.
كما أن الدعاة إلى الله إذا تعثرت أمامهم السبل لا يلقون التهم على فلان أو علان، بل يلقونها على أنفسهم ويعالجون تقصيرهم ويتوبون عن ذنوبهم، ويكثرون من التوبة؛ لعلهم يستطيعون بفضل الله أن يجتازوا هذه العقبة، أو يعبروا هذا المنحنى.
إن الذنوب والمعاصي عوائق في طريق الداعية ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 165)، والحق تبارك وتعالى لا يحابي أحدًا وحاشاه سبحانه فهو الغني عن العالمين، وفي الأثر "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من أشرك بي غيري تركته وما أشرك..".
وليس للمجاهد ولا للداعية فضل أو حول وطول فيما يؤديه بل الفضل لله عز وجل، ولقد حذرنا الحق تبارك وتعالى من هذا الأمر ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾ (الحجرات).
أيها الأحباب..
المؤمن حقًّا بإيمانه ويقينه ينبغي ألا يهون أو يتألم أو يحزن لما يرى من مصائب تنزل به أو الافتراء عليه وعلى دعوته، أو إنكار الأعمال التي قامت بها هذه الدعوة والدور العظيم الذي أسدته لهذه الأمة، فرجالها هم الذين واجهوا المصاعب بحق ووقفوا أمام اليهود والاستعمار بكل ألوانه بصدق، وهم الذين وهبوا أنفسهم وما يملكون لنصرة هذا الحق وحمايته والذود عنه وتحملوا نتيجة هذا الموقف، ودفعوا الثمن في جميع الميادين، وتقبلوا المحن بقلوب راضية ونفوس مطمئنة إلى وعد الله، وإلى أنه سبحانه سيجزيهم خير الجزاء، بل دائمًا نردد قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت).
ونردد ونؤمن ونوقن بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾ (آل عمران).
ويرددون قول الشاعر:
قست الحياة فما وهنت وتنكرت لي فابتسمت
وأنا الفتى أهوى النضال غلبت فيه أم غُلبت
قالوا استعن بفلان تنجح قلت بالله استعنت
ينصرك مهما أسرفوا في كيدهم فكذا انتصرت
ما كان خلقي من فلان لا ولا منه رزقت
فإذا الذي أطعمته زادي بعض يدي فصحت
يا بائعي زيف الوفاء فهمت دنياكم فهمت
ونحن مع غيرنا من المؤمنين نردد دائمًا عن إيمان وثقة قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾ (يوسف).
ومع قول الشاعر المؤمن نردد:
صبرنا حتى مل من صبرنا الصبر وقلنا عدًا أو بعده ينجلي الأمر
وقلنا عسى أن يلحق الحق أهله فجاءت تنادي لا ولا طعمها مر
ونحن بتوفيق الله وفضله وحده ومنته علينا سنصبر إن شاء الله صبرًا غير محدود؛ فنلقى الخطأ بالصواب، والكذب بالصدق، والسيئة بالحسنة، والافتراء والتضليل بالكلمة الطيبة، وليس لنا الخيار في هذا الأسلوب؛ لأنه الحق في قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين والمؤمنين جميعًا: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128)﴾ (النحل).
ونحن نردد في كل صباح ومساء ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)﴾ (آل عمران).
ونحب أن نختم بكلمات للإمام الشهيد رحمه الله إذ يقول:
ونحب أن يعلم قومنا (وكل المسلمين قومنا) أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض، ومضت قدمًا في الطريق التي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين إليه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف).
فلسنا نسأل الناس شيئًا، ولا نقتضيهم مالاً ولا نطالبهم بأجر، ولا نزيد بهم وجاهة، ولا نريد منهم جزاء ولا شكورًا، إن أجرنا في ذلك إلا على الذي فطرنا، ونحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا فأقضت مضاجعنا وأسالت مدامعنا.
وإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن حين نعمل للناس في سبيل الله، أكثر مما نعمل لأنفسنا؛ فنحن لكم لا لغيركم، أيها الأحباب ولن نكون عليكم يومًا من الأيام.
وندعو بما كان يدعو به سيدنا عمر رضي الله عنه: (اللهم اجعل عملنا كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا).
اللهم آمين..
-----------------
* من علماء الأزهر الشريف