- نقيب الزبالين: "القمامة" حاوية الأسرار والمسئولون يلجؤون إلينا
- د. حمدي حسن: المستندات الخاصة بالمواطنين تعرضهم للخطر
- عصام الإسلامبولي: قوانين حماية الأوراق الرسمية غير فاعلة
- د. وجيه عفيفي: الإهمال والعبث بالوثائق المهمة يهدِّد الأمن القومي
تحقيق: مي جابر
"ويكيليكس" الوثائق المصرية.. هكذا يمكن وصف صناديق القمامة وعربات الفول في مصر؛ لما تحتويه من وثائق ومستندات حكومية يتم العثور عليها، والتي تتضمن معلوماتٍ تمسُّ الأمن القومي لمصر وأمن المواطنين وأسرارهم؛ التي أصبحت في خطر بعد تسربها للشارع.
وإذا لاقى موقع "ويكيليكس" اهتمام الإعلام الغربي والعربي على حدٍّ سواء، فإنه من غير المستبعد أن تلاقي صناديق القمامة وعربات الفول نفس الاهتمام، خاصةً في مصر التي تشتهر بإهمال الهيئات والمؤسسات الحكومية لحفظ الوثائق والمستندات، بالإضافة إلى افتقادها طرق التخلُّص السليمة لهذه الوثائق، رغم ما تحمله من معلومات وبيانات غاية في الأهمية.
وتنوَّعت المستندات والوثائق التي كان مصيرها سلاَّت القمامة وعربات الفول؛ من حيث الأهمية والجهة الخاصة بها، وأحدث هذه المستندات ما تمَّ العثور عليه من مراسلات ومخاطبات تخصُّ قسم الهندسة النووية في جامعة الإسكندرية على عربة فول، أمام كلية الهندسة، تكشف عن مكاتبات متبادلة منذ سبعينيات القرن الماضي لأساتذة قسم الهندسة النووية بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية، أمثال الدكتور عصمت زين الدين، والدكتور يحيى المشد الذي اغتاله الموساد الصهيوني؛ حيث تُظهر هذه الأوراق التفاصيل الكاملة الخاصة بمشروع مصر النووي؛ الأمر الذي يمثِّل تهديدًا للأمن القومي المصري.
كما تمَّ العثور على أوراق سرية أمنية لدى بائع الفول، تمثل مراسلات رسمية بين عدد من مساعدي أول وزير الداخلية، تخص الأمن العام وأمن الدولة؛ حيث تضمَّن أحد الخطابات معلومات خاصة باحتمالية تنفيذ عملية إرهابية بأحد المزارات السياحية، هذا إلى جانب بعض الأوراق المتعلقة بتأمين مؤتمرات قمة على مستوى رؤساء دول وحكومات، وخطط تأمين لمجموعات أجنبية من قوات حفظ السلام.
ولم تسلم بيانات المواطنين من الإهمال الحكومي؛ حيث عثر أحد المواطنين لدى بائع فول على مستندات رسمية من الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات لمناطق شمال القاهرة وجنوب الجيزة، تضمُّ أسماء المستفيدين والدمغات المقررة لصرف المعاش، والرقم التأميني لكل عضو، والأجور والمكافآت الخاصة بشهر ستبمبر لعام 2008م.
هذا إلى جانب العثور على أكثر من مائتي إقرار ضريبي بأحد صناديق القمامة، والتي تخص ملاَّكًا كانوا قد تقدموا بها إلى فروع مصلحة الضرائب العقارية في المحافظات المختلفة، متضمنةً معلوماتٍ عن ممتلكاتهم العقارية وأسرارًا شخصيةً وأرقام هواتفهم وصورًا من بطاقات الرقم القومي الخاصة بهم.
كما شاركت نقابة المحامين المؤسسات الحكومية في الإهمال، من خلال إلقاء المستندات والوثائق المهمة بسلالات القمامة؛ حيث تكرَّرت واقعة إلقاء كتب وموسوعات قانونية ومجلدات تاريخية في القمامة في نقابة المحامين أكثر من مرة؛ ما يمثِّل إهدارًا وإهمالاً للتراث التاريخي والقانوني للنقابة، التي تعدُّ تراثًا قانونيًّا وجهدًا لشيوخ القانون ورجال القضاء والنقباء السابقين، ومراجع عربية وأجنبية، يمتدُّ تاريخها إلى عقود طويلة.
(إخوان أون لاين) يبحث في هذا الموضوع وتداعياته:
طرحنا الموضوع على نقيب الزبالين شحاتة المقدس، وسألناه عن المستندات الحكومية ووجودها في صناديق القمامة!! فقال: "تعدُّ صناديق القمامة حاويةً أسرار مصر؛ حيث يتكرر العثور على أشياء شديدة الأهمية والخصوصية، سواء على المستوى الحكومي أو الفردي".
ويضيف أنه يتم الاستعانة بالزبَّالين لاستخراج مستندات ووثائق مهمة، وذلك منذ سنوات عديدة؛ حيث تم الاستعانة بهم قبل ثورة 23 يوليو، من خلال لجوء الضباط الأحرار لكبير الزبالين لاستخراج مستندات خاصة بحاشية الملك فاروق وكبار الإقطاعيين لاستخدامها ضدهم، مؤكدًا أن هذا الأمر أسهم في جزء من نجاح الثورة.
ويؤكد أنه عثر على ظرف به مستندات رسمية مهمة خاصة بأحد وكلاء الوزراء عام 1996م في أحد صناديق القمامة، وتمَّ إعادتها لصاحبها بعد التوصل له.
![]() |
|
د. حمدي حسن |
ويصف الإهمال الحكومي في حفظ المستندات بالجريمة، قائلاً إنه يمكن لأي شخص استخدامها بما يضر ببعض المواطنين؛ لما تحتويه هذه المستندات من بيانات شخصية ومعلومات خاصة، مؤكدًا أن معظم الهيئات والمؤسسات الحكومية تعاني من هذا الإهمال؛ حيث تنتشر حالات العبث بالمستندات المهمة والخطيرة.
ويتابع: "لا تهتم هذه المؤسسات بمصالح المواطنين أو تنفيذ القانون؛ حيث يلزم القانون المؤسسات الحكومية بحفظ الأوراق والمستندات لمدة 5 سنوات".
ويطالب بمحاسبة الجهات التي تخلَّصت من المستندات الرسمية بتهمة الإهمال وتعريض مصالح المواطنين للخطر، مستنكرًا استهتار الحكومة بوثائق مهمة، كالوثائق الخاصة بمشروع مصر النووي الذي تمَّ العثور عليه فوق عربة فول.
ومن جانب آخر يشير عصام الإسلامبولي إلى أن مصر تمتلك ترسانةً من القوانين للحفاظ على أمنها القومي، ولكن الحكومة المصرية تتعمَّد تجاهلها وعدم تنفيذها، مؤكدًا أن هناك قانونًا يحمي الأوراق والمستندات الحكومية من التلف ويفرض على الجهات الحكومية حفظها وعدم التخلص منها بهذه الطريقة.
عصام الإسلامبولي
ويستهجن التفريط في تاريخ هذا البلد الذي توثِّقه هذه المستندات؛ ليصبح مصيره مقالب القمامة وأكياس اللب والفول والطعمية، مضيفًا أن موظفي الدولة يتعاملون بشكل روتيني مع هذه الأوراق بدون تفريق بين مستند خطير وآخر قليل الأهمية، فيقوم البعض ببيعها بالكيلو للباعة الجائلين، فيكون ثمن تاريخ مصر بضعة جنيهات.

ويشير إلى أن هناك جهازًا خاصًّا بحفظ الوثائق الرسمية تابعًا لوزارة الثقافة، بالإضافة إلى وجود أرشيف خاص بكل هيئة حكومية لحفظ الوثائق المهمة والخطيرة، موضحًا أنه يجب التفريق بين الأوراق والمستندات الحكومية على أساس الأهمية وإعدام الأوراق عديمة الفائدة "بالمفرمة"، كما ينص القانون.
ويرى الدكتور وجيه عفيفي، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن العثور على أوراق خاصة بقسم الهندسة النوورية بجامعة الإسكندرية خاصٌّ بالمشروع النووي المصري يعبِّر عن عدم اهتمام الحكومات المصرية المتعاقبة بهذا المشروع؛ حيث لم تثبت جدية أيٍّ من هذه الحكومات في تنفيذه، على الرغم من امتلاك مصر علماء النووي والأرض المناسبة لإقامة المفاعل النووي.
ويؤكد أن هذا الأمر يمثل خطأً كبيرًا في العقلية الإستراتيجية المصرية؛ حيث يمكن الاستفادة منها في استخدام الطاقة النووية سلميًّا، بالإضافة إلى مواجهة التهديدات من الكيان الصهيوني الذي يمتلك أسلحةً نوويةً يمكن استخدامها في حربه مع المنطقة العربية، معتبرًا أن نظرة الحكومات المتعاقبة لمشروع النووي المصري نظرة سطحية بعيدة كل البعد عن الواقع الفعلي، وبالتالي فإن الإهمال الجسيم الذي وقعت فيه جامعة الإسكندرية يمثِّل خطرًا كبيرًا على الأمن القومي المصري.
ويستطرد قائلاً: "من العار حقًّا أن نرى وثائق المشروع النووي لدى الباعة الجائلين؛ ما يؤثر في الأمن القومي؛ حيث إن مفهوم "الأمن القومي" يرتبط بمعنى القوى الشاملة المرتبطة في مجملها بالاستعدادات على كل الجوانب الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية إلى جانب القوة العسكرية".
ويضيف د. عفيفي أنه من العيب أن تقع مستندات خاصة بوزارة الداخلية بين عامة الشعب، خاصةً أن الداخلية هي المسئولة الأولى عن تأمين هذا الوطن، مبينًا أن هذا الأمر يمثل منعطفًا خطيرًا في تحقيق الأمن الداخلي؛ حيث تعطي وزارة الداخلية- بطريقة غير مباشرة- نصائح للمجرمين والإرهابيين لارتكاب جرائمهم بسهولة وبدون إلقاء القبض عليهم.
ويتساءل قائلاً: "هل وزارة الداخلية بحاجة إلى أن نؤمِّنها بدلاً من أن تسعى هي لتأمين الشعب المصري"؟!
ويشير د. وجيه عفيفي إلى أن المواطن المصري ينظر إلى النظام المصري بأنه جاء ليخرِّب ويُفسد ويدمِّر هذا الوطن، وأنهم يعملون لمصالحهم الشخصية فقط.
