- أصحاب المقطورات: الخطة تخدم رجال الأعمال والبنوك فقط
- د. حاتم عبد اللطيف: المشروع لم يعتمد على دراسات حقيقية
- د. رشاد المتيني: المستهلك هو الخاسر من عشوائية الخطة
- أشرف بدر الدين: حلول الحكومة متأخرة جدًّا وغير واقعية
تحقيق: يارا نجاتي
علامات استفهام عديدة برزت بعد الخطة التي طرحتها حكومة رجال الأعمال بدعوى حلِّ مشكلة المقطورات التي سيتم حظرها نهائيًّا بعد 18 شهرًا طبقًا لتعديلات قانون المرور الجديد، ليس فقط حول مصالح البيزنس من الخطة، ولكن أيضًا حول احتماليات نجاحها وتأثيراتها على قطاع النقل بمصر والاقتصاد كله.
وكان وزير المالية قد أعلن الأسبوع الماضي، عن خطة أعدَّتها المالية بالتعاون مع وزارتي النقل والتجارة والصناعة، و4 من البنوك التجارية؛ لتقديم برامج تمويلية متنوعة لمالكي المقطورات يتم سدادها على 5 سنوات وبفائدة تبلغ 6.25% سنويًّا.
ووزعت الوزارة كتيبًا يضم المعلومات والبيانات المتعلقة بالمشروع، يتضمن أسماء وعناوين الشركات التي ستنفذ التعديل والإحلال، والتكلفة لدى كل شركة طبقًا لنوع المقطورة ونوع رأس الجرار، بحيث يختار مالك المقطورة العرض المناسب له من بين تلك العروض، وعرض الكتيب أسعار سيارات النقل والتريلات (نصف المقطورة) المستوردة وأسماء وعناوين الشركات التي تستوردها.
وتتراوح أسعار التعديل ما بين 56 و213 ألف جنيه، حسب التعديل وصنف السيارة والشركة التي تقدم الخدمة، وهي عشر شركات، ويتكلف الإحلال ما بين 89 و259 ألف جنيه، وتشارك تسع شركات أخرى في المشروع عبر قيامها باستيراد رأس الجرار (جديد أو مستعمل)، بأسعار تتراوح ما بين 200 ألف و730 ألف جنيه.
ووضع المشروع بعض الشروط للتقسيط، وهي عرض المقايسة التي قامت بها إحدى الشركات على أحد البنوك الأربعة، مصر والقاهرة والإسكندرية وناصر الاجتماعي، ومعه المستندات التقليدية لطلب القرض، مع صورة من بطاقة الرقم القومي وإيصال مرافق حديث (مياه، كهرباء، تليفون)، وصور من رخصتي المقطورة وسيارة النقل الثقيل، والبطاقة الضريبية والحالة الجنائية.
وبحسب رئيس هيئة التنمية الصناعية، فإن عدد المقطورات حاليًّا هو 34 ألفًا منها 14 ألفًا لا تصلح للتعديل، وتقوم تلك المقطورات بنقل 650 مليون طن من البضائع سنويًّا في مصر، بالإضافة إلى كمية أخرى مماثلة سنويًّا من مواد البناء غير المصنعة، ويتم نقل أكثر من97% من إجمالي حجم البضائع والمواد على شبكة الطرق بواسطة الشاحنات.
وقال المهندس علاء فهمي وزير النقل: إن مشروع إحلال المقطورات سيقلل من حوادث الطرق، لأن “الشاحنات بما فيها المقطورات تتسبب في نحو 20% من حوادث الطرق، بينما تسهم عيوب الطرق في نحو 8% منها، ويسهم العنصر البشرى بالنسبة الباقية التي تتجاوز الـ70%".
فيما لفت الخبراء إلى أن حوالي نصف أعداد الحوادث التي تنسب إلى المقطورات تتسبب فيها التريلة (نصف المقطورة)، ولكن لأنها تضع لوحات معدنية عليها مقطورة يتم تسجيل الحادثة على أنها مقطورة بدلاً من تريلة.
مظاهر عديدة للبيزنس بدت في كتيب الشروط وأخرى في كلام أصحاب المقطورات الذين يؤكدون أن الحكومة "تستفرد" بهم لكسب ملايين من وراء تهديد أسباب أرزاقهم، وتقدم مشروعًا يُذكِّر بالفشل الكبير في مشروع تاكسي العاصمة، الذي يشهد تعثر وزارة المالية عن سداد مستحقات البنوك، خاصةً بنكي مصر والإسكندرية، نتيجة انسحاب شركة الدعاية من سداد أقساطها الشهرية، والتي تصل إلى 550 جنيهًا شهريًّا لـ23 ألف تاكسي ضمن المرحلة الأولى من المشروع.
فهل ستظهر أزمات مشروع إحلال المقطورات تباعًا بعد بدء التنفيذ؟، وما مدى واقعية المشروع وإمكانيات تطبيقه؟ ومَن الخاسر والكاسب حقيقةً في مشروع حكومة رجال الأعمال؟، وأسئلة أخرى نحاول الإجابة عليها في التحقيق التالي:
الحكومة تجاهلتنا
![]() |
|
أصحاب المقطورات وسائقوها أكدوا أن الحكومة تجاهلت مطالبهم |
وقال: إن أصحاب المقطورات أشخاص لهم متطلبات ومصالح، والحكومة اتخذت كلَّ قراراتها ووضعت شروطها بعيدًا عنهم، ونظرت إليهم وكأنهم مسئولون عن حفنة من السلع، وليس النظرة الحقيقية للمقطورات على أنها ثروة قومية، تسهم في قطاع مهم جدًّا بالدولة.
ويضرب مثلاً بأحد الشروط الموضوعة في الكتيب، وهو تقديم صحيفة الحالة الجنائية للسائقين للحصول على القروض في حال طلبها، فيقول: إن معظم سائقي المقطورات من أصحاب السوابق، ولأن الحكومة لم تأخذ برأيهم أو رأي ممثليهم فلم تلتفت لمثل تلك المشكلة، مضيفًا: إلى جانب الشرط المجحف يتم سحب المقطورة في حال عدم التسديد لمدة شهرين.
ويتابع النويهي: ويعتبر التعديل غير صالح بكلِّ المقاييس، سواء من الناحية الاقتصادية أو الهندسية؛ لأن التقطيع واللحام سيسببان مشكلات في المقطورة وخطورة على الطريق، متسائلاً "لماذا يجبر أصحاب المقطورات على التعديل في حين أن تكلفة الإحلال والتعديل تتساوى وتصل إلى 300 ألف جنيه؟!"، موضحًا أنه في حال قبول أصحاب المقطورات تكاليف المشروع فلا بدَّ من إلغاء التعديل واستبدال الإحلال به فقط، حتى يضمن صاحب السيارة الأمان على الطريق.
ويؤكد أن المصانع المصرية لن تتمكن من القيام بالمشروع في المدة المتبقية من المهلة؛ لأن المقطورات تصل إلى 40 ألفًا، في حين أن الطاقة الإنتاجية للمصانع المصرية مجتمعة لإنتاج تريلة جديدة تبلغ 6 آلاف وحدة في العام، مشددًا على أنهم سيطلبون من وزير النقل في الاجتماع المنعقد معهم يوم الأربعاء القادم إعادة فتح باب المناقشة، مستطردًا: فكل القرارات التي صدرت طوال الفترة الماضية لم يتم أخذ آراء أصحاب المقطورات فيها أو يسمح لم بعرض وجهة نظرهم، سواء في الكتيب وشروطه أو التعديل نفسه أو اللائحة.
كلام فاضي!
إضراب المقطورات يشل الحياة الاقتصادية

يؤكد الدكتور حاتم عبد اللطيف، أستاذ تخطيط النقل والمرور بكلية الهندسة جامعة عين شمس، أن إحلال وتعديل المقطورات لن يقلل من عدد الحوادث الخطيرة القاتلة على الطرق المصرية، منتقدًا عدم قيام أية جهة في مصر بدراسات علمية دقيقة تثبت تسبب المقطورات في الحوادث على الطرق المصرية، وأضاف أن الحديث عن أرقام وارتفاع لنسب الحوادث التي تسببها المقطورات هو “كلام فاضي لا أساس له".
ويوضح أن تحويل المقطورات إلى نصف مقطورة (تريلة) من الممكن أي يقلل من الخطر الناتج من حوادث المقطورات، إلا أنه لن يؤثر في عدد تلك الحوادث التي لا تمثل نسبة كبيرة من حوادث الطرق، ويعزو أغلب الحوادث التي يكون أحد أطرافها المقطورة إلى سلوك السائقين، قائلاً: إن السائق إذا كان في غير وعيه بسبب الخمور أو المخدرات فالمشكلة لا تكون في المقطورة إنما في السائق نفسه.
ويقول إن ضخ الأموال وتدعيم مشروع إحلال المقطورات قرار عشوائي غير مدروس من قِبَل الحكومة المصرية، مفسرًا أن النقل البري يمثل 95% من منظومة النقل في مصر، في حين يمثل النقل بالسكك الحديدية 4,5%، والنقل النهري الباقي.
ويلفت إلى أن النقل بالمقطورة الأغلى بين وسائل نقل البضائع في مصر، وأن النقل بالسكة الحديدية أو نهريًّا أقل في التكلفة الاقتصادية وتلوثًا، وأكثر أمانًا، ويتابع: لذلك فمن الأولى بالحكومة إذا أرادت تدعيم منظومة النقل فبالتوجه إلى السكك الحديدية، لرفع نسبة مشاركتها في النقل.
ويذكر أنه قدَّم العديد من الدراسات إلى المجالس القومية المتخصصة عن تطوير منظومة النقل في مصر، لكن الحكومة لا تعيرها انتباهًا وتصرُّ على القيام بقراراتها منفردةً دون الرجوع إلى المتخصصين، مشيرًا إلى أن تكلفة الإحلال وتعديل المقطورات إذا وجهت للنقل النهري أو للسكة الحديدية ستعطي نتائج هائلةً، تنقل النقل في مصر إلى مستوى آخر.
المستهلك خسران
ويتفق الدكتور رشاد المتيني، أستاذ هندسة الطرق والمرور بجامعة القاهرة، في أن إحلال المقطورات وتحويلها إلى (تريلة) لن يكون له تأثير إيجابي في خفض معدلات الحوادث على الطرق، خاصةً أن الجزء الأكبر من المشكلة تتعلق بالانضباط والتشديد على الحركة على طرق نقل البضائع، وطريقة قيادة السائقين، موضحًا أن حوادث المقطورات لها تأثير سلبي على الطريق، لكنها لا تُشكِّل نسبة مرتفعة من إجمالي حوادث السيارات على الطرق المصرية.
ويشدد على أن المشكلة لن تتأثر كثيرًا بإحلال المقطورات القديمة؛ لأن المقطورة ستظل كما هي وكل ما يستجد عليها هو الجرار، والجسم القديم للمقطورة باقٍ، ما قد يقلل من نسبة الأمان بسيرها من جديد على الطريق.
ويتوقع أن تشكل عملية الإحلال والتعديل عبئًا على منظومة النقل في مصر؛ حيث ستنخفض عملياتها إلى النصف، خلال السنة والنصف القادمة، خاصةً بعد استبعاد المقطورات غير الصالحة للتعديل، مضيفًا أن التأثير النهائي للإحلال سيعود على المستهلك الذي سيتحمل فرق التكاليف ورفع الأسعار مع ارتفاع تكاليف نقل البضائع.
ويتابع: سيكون رفع تكلفة النقل وسيلة أصحاب المقطورات والتجار لسد أقساط القروض، ولأنها تنقل سلعًا حيوية بين محافظات مصر، فلن يتمكن المواطن المصري من العزوف عنها، مستنكرًا اتخاذ القرار بإحلال المقطورات التي تسير على الطرق المصرية، بدون دراسته مطلقًا، لتحديد آثاره السلبية، سواء على حركة النقل والبضائع في المحافظات، أو على المستهلك، أو وضع أرقام دقيقة للحوادث التي تتسبب بها المقطورات.
عجز المصانع
![]() |
|
م. أشرف بدر الدين |
ويبين أن الحكومة أتت متأخرةً قبل حوالي السنة والنصف من انتهاء المهلة الممنوحة لسير المقطورات على الطريق المصرية، لتضع حلولاً غير واقعية تحاول من خلالها الاستفادة من الأزمة، دون دراسة أبعاد المشكلة، أو وضع رؤية متكاملة لتحقيق مصالح كل الأطراف، مشيرًا إلى أن إمكانات المصانع المصرية لن تسمح بإتمام التعديلات على قرابة الـ40 ألف مقطورة في تلك المهلة القصيرة.
ويؤكد أن ذلك المشروع سيكون له تأثير قوي بالسلب على السوق المصرية والوضع الاقتصادي؛ حيث لم تتم دراسة المشروع وآثاره على أصحاب المقطورات ومعدلات نقل البضائع التي ستنخفض نظرًا لانخفاض حمولة التريلة عن المقطورة، وسينعكس ذلك على ارتفاع أسعار السلع والبضائع المنقولة في مصر كلها، وهو ما ظهر بعضه خلال إضراب أصحاب المقطورات، ولا يزال مستمرًّا.
ويضيف أن الأثر الاقتصادي سينتج من نقص أسطول النقل الثقيل في مصر بعد عملية الإحلال والتعديل واستبعاد المقطورات غير الصالحة للتعديل من على الطريق نهائيًّا، متوقعًا تعرُّض مشروع الإحلال لمعوقات وصعوبات جديدة، ستكون أكثر من التي يعاني منها المشاركون بمشروع إحلال التاكسي حاليًّا، كالتعثر في سداد الأقساط، خاصة بعد انسحاب شركات الإعلانات التي شاركت في بداية المشروع لفترة وجيزة.

