لم يكد محمد البوعزيزي- طيَّب الله ثراه- يفارق الحياة حتى بعث بموته عقولاً، وأحيا قلوبًا، وحرَّر أممًا، وحرَّك شعوبًا، كما دكَّ طغاةً وعروشًا، وأسقط مذاهب ونظريات، طالما كانت قيدًا على العقول والأفكار، كل ذلك بفورة غضبه، وثورة شعبه!

 

وإنَّ مما أثاره البوعزيزي حيًّا وميتًا الجدل حول حكم ما قام به من فعل أذهل الطغاة، وهزَّ مضاجعهم، واستثار سماسرتهم وأحبارهم ورهبانهم، وهو ما اضطرهم إلى إصدار فتوى بأن قتل الإنسان نفسه (خروج عن الإسلام والاحتجاجات لها ضوابط)، كما نشرتها الفضائيات يوم الأربعاء!

 

وهي فتاوى معروفٌ سلفًا الغاية السياسية من ورائها! فقد أدرك الملأ خطورة الأوضاع فكان لا بد من توظيف الدين- كالعادة- لمواجهة حركة الشعب، كما قال فرعون من قبل ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ (غافر: من الآية 26)، أي طاعتكم ودينونتكم لي ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ بتمردكم عليَّ وخروجكم عن سلطاني!

 

والسؤال هنا ما معنى (قتل النفس خروج عن الإسلام) كما جاء في الفتوى المشبوهة؟

هل يعني ذلك كفر مَن قتل نفسه؟ ولماذا لم تقل الفتوى بأنه حرام وكبيرة؟! وما الهدف من تهويل الأمر على هذا النحو؟!

 

فمعلوم باتفاق الأمة أن قتل النفس كبيرة وليس كفرًا، وأن مَن قتل نفسه هو على كل حالٍ مسلم يُصلى عليه ويُدعى له ويُستغفر له، وليست حرمة قتل الإنسان نفسه مما يحتاج في معرفتها إلى فقهٍ وفتوى، إذْ هي مما يشترك في معرفة حكمه العامة قبل الخاصة، فالمسلمون جميعًا يعرفون حرمة قتل الإنسان نفسه، كما يعرفون حكم وجوب الصلوات الخمس، وحرمة الخمر، ولا يحتاجون إلى فتاوى الفقهاء فيها، بل إن أهل الكتاب قاطبةً من اليهود والنصارى، وأهل الأديان عامةً، يُحرِّمون قتل الإنسان نفسَه، فلا يحتاج معرفة هذا الحكم إلى فتوى من أحد، ولا يدخل معرفة مثل ذلك في بابِ الفقه، إذْ الفقه هو العلم بالأحكام الفرعية الظنية المستنبطة، لا الأحكام القطعية التي تعرفها عجائز المسلمين!

 

فلا يحتاج المسلمون إلى مَن يحتج لهم بالآيات والأحاديث على حرمة قتل الإنسان نفسه، ويحذرهم منه، بل هم في حاجةٍ لمعرفة حكم الأنظمة الإجرامية التي تضطر شعوبها أن تقدم على إحراق نفسها هروبًا من جحيم حكمها الطاغوتي؟ وما حكم الإسلام في شرعيتها؟ وهل يجب الخروج عليها أم لا؟ وهل إذا خرجت الأمة احتجاجًا على هذه الأنظمة تكون آثمةً أم مأجورةً؟ وهل مَن يُقتل أثناء الاحتجاجات شهيدٌ أم لا؟ وهل للإنسان أن يقدم على قتل نفسه لينقذ شعبه أم لا؟!

 

فهذه هي الأسئلة التي كان يجب على لجنة الفتوى المذكورة التصدي لبيان حكمها، وتفصيل القول فيها!

 

لقد أثار محمد البوعزيزي بموته أسئلة خطيرة، لن يكتمل الجواب عنها إلا وقد سقطت عروش زائفة، وهاجت شعوب خائفة!

 

لقد جاءت تلك الفتوى المشبوهة بلا فقه ولا عمق، ولا تعالج مشكلة أو تحل قضية، وإنما جاءت لتكريس واقعٍ فرعوني إجرامي، بل تجاوزت ذلك كله لتصف قتل النفس بأنه خروجٌ عن الإسلام، بلا تفسير ولا تفصيل، لحاجةٍ في نفس فرعون!

 

أحكام قتل الإنسان نفسه:

إن قتل الإنسان نفسه له حالات وأحكام تحتاج إلى تحرير وبيان، وهي على ثلاثة أقسام:
الحال الأولى: أن يقتل الإنسان المسلم نفسه بإدراكٍ وعقل، بقصد إزهاق روحه، ومبادرة الموت، تخلصًا من الحياة، وسخطًا على العيش، فهذا حكمه يعرفه المسلمون قاطبةً وهو كبيرة من الكبائر يأثم فاعله، ولا يخرج من دائرة الإسلام، بل يُصلى عليه، ويُدعى له.

 

الحال الثانية: أن يقتل الإنسان المسلم نفسه بلا إدراكٍ ولا عقلٍ، وله صور:

الصورة الأولى: أن يزول إدراكه وعقله بلا فعلٍ منه ولا إرادة ولا قصد، وهو أنواع:

1- المريض الذي يُصاب بالجنون، فيفقد وعيه، ويقدم على قتل نفسه، وأكثر حالات الاكتئاب الحاد تفضي إلى ذلك، فهذا لا إثمَ عليه، ولا يؤاخذ شرعًا على قتل نفسه؛ لأنه خارج دائرة التكليف، بلا خلافٍ بين الفقهاء، وهذا يكون حكمه حكم شهيد الحريق وشهيد الغرق إذا أحرق نفسه أو أغرقها في حال جنونه وغياب عقله.

 

2- مَن يتعرض للاعتداء من غيره، فيفقده الاعتداء صوابه وإدراكه وعقله، كمن يُهتك عرضه، أو يُهان فيغضب ويبلغ به الغضب حد الجنون ويفقده وعيه وإدراكه، فيقتل نفسه، فهذا أيضًا له حكم المريض والمبتلى، فلا إثمَ عليه، وإنما الإثم على مَن تسبب بذلك، ومن هذا الباب طلاق الغضبان إذا بلغ به الغضب حد الإغلاق وعدم الإدراك بما يصدر عنه، عند مَن قال بعدم وقوع طلاقه وتصرفاته.

 

3- مَن أكل أو شرب شيئًا يزيل العقل والإدراك دون أن يعلم بأنه مخدر أو مسكر، ففقد عقله، وقتل نفسه، وهذا حكمه كحكم من قبله.

 

الصورة الثانية: أن يزول عقله وإدراكه بفعلٍ منه، وبقصدٍ وإرادة، وهو على النحو التالي:

1- أن يقصد من إزالة عقله، قتل نفسه، كمن يأكل مخدرًا، أو يشرب مسكرًا، ليسهل عليه قتل نفسه، فهذا فعل كبيرتين محرمتين يأثم عليهما معًا، إزالة عقله وقتل نفسه.

 

2- أن يقصد إزالة عقله، دون قتل نفسه، كمن يأكل مخدرًا، أو يشرب مسكرًا، ثم يقتل نفسه دون أن يشعر، فهذا اختلف الفقهاء في حكمه، هل يؤاخذ على سكره فقط، دون ما يصدر عنه من أفعال أخرى حال سكره وفقدانه لعقله، أم يؤاخذ على أفعاله حتى وقت زوال عقله، فاختلفوا في حكم بيعه وطلاقه وجناياته.. إلخ.

 

الحال الثالثة: أن يقتل الإنسان نفسه، بقصد وإرادة، لا تخلصًا من الحياة، بل لمصلحةٍ شرعيةٍ كبرى، كمن يلقي بنفسه في البحر لتنجو السفينة ومَن عليها، إذا كانت لا تنجو إلا بذلك، وكمَن يبادر بحزامٍ ناسفٍ ويُفجِّر نفسه للنكاية بالعدو المحتل، وكمَن يرمي نفسه بالمنجنيق على الأعداء وهو يعلم أنه مقتول، أو كمَن يقتحم أسلاكًا شائكةً وحقل ألغام للعدو ليفتح الطريق للجيش، أو كمَن يقتل نفسه حتى لا يأسره العدو فيعترف بأسرارٍ من ورائه من المجاهدين... إلخ.

 

وكل هذه الصور هي من باب قتل الإنسان لنفسه، ومع ذلك أفتى الفقهاء قديمًا وحديثًا بجوازها، بل وعدوها من الجهاد في سبيل الله، وعدوا فاعلها شهيدًا، إذا قصد تحقيق شيءٍ من تلك المصالح الشرعية، وقد فصلت ذلك في رسائل عديدة كما في رسالة (الإفادة في أحكام المقاومة والشهادة)، فهذه الأفعال هي في الصورة والشكل واحدة فكلها قتلٌ للنفس، ومع ذلك اختلف حكمها لاختلاف نية الفاعل وقصده، والظرف المحيط بالفعل، فالنية تُفرِّق بين الفعلين المتماثلين كفرق ما بين السماء والأرض، ولهذا جاء في الحديث الصحيح حين سألت عائشة عن الجيش الذي يغزو البيت، فيخسف الله بهم، وفيهم المكره والعسيف فقال صلى الله عليه وسلم: "يُبعثون يوم القيامة على نياتهم".

 

فمع اتفاق الجميع في الفعل في الصورة والشكل، إلا إنهم تختلف أحكامهم باختلاف نياتهم ومقاصدهم، ولهذا جاء في الحديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".

 

فمع كون وصف المهاجرين يصدق على هذا وهذا، وكلاهما مهاجر، إلا أن الجزاء يوم القيامة على أعمالهم بنياتهم.

 

وقد نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية على جواز قتل الإنسان نفسه لمصلحة شرعية كبرى؛ وذلك في مسألة تترس العدو ببعض المسلمين، وأنهم يرمون ولو أدَّى ذلك لقتلهم، ويكونون شهداء، قياسًا على جواز قتل الإنسان نفسه لمصلحة دينية، فقال- في الفتاوى الكبرى 3/544 -: "وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صفِّ الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضعٍ آخر، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يُقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك- ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك- أولى".

 

فشيخ الإسلام يرى جواز قتل المسلمين إذا تترس بهم العدو، وكان لا يندفع العدو إلا برميهم، قياسًا على جواز قتل المسلم نفسه لمصلحة الجهاد وإعزاز الدين، مع أن قتل الإنسان لنفسه عند شيخ الإسلام أعظم من قتله لغيره، فإذا جاز قتله نفسه، فمن بابٍ أولى قتله لغيره إذا تترس به العدو، وكلاهما شهيد، سواء من قتل نفسه لمصلحة شرعية، وكذا المقتول من المسلمين إذا تترس به العدو، فرماه المسلمون فقتلوه مع العدو، فهو شهيد أيضًا.. إلخ.

 

فهنا جعل شيخ الإسلام الأصل المقيس عليه هو قتل الإنسان نفسه، لورود أدلة في مشروعية ذلك لمصلحة شرعية، بينما المقيس هو قتله لغيره للمصلحة الشرعية ذاتها، لعدم ورود نص في ذلك!

 

كما أفتى الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة الأسبق كما في مجموع فتاواه 6/208 للجزائريين بمشروعية قتل المجاهد نفسه إذا خشي أن يأسره الفرنسيون فيعترف بأسرار المقاومة الجزائرية، بناءً على أنه جهادٌ مشروع، وأن مَن يقتل نفسه بقصد حماية المقاومة مأجور أيضًا، قياسًا على قصة الغلام وأهل السفينة.

 

وما ذكره شيخ الإسلام سبقه إليه الإمام الشافعي حيث قال- في الأم 4/178-: "لا أرى ضيقًا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل وإن كان الأغلب أنه مقتول".

 

وقال القرطبي- في الجامع لأحكام القرآن- 2/346-: "فإن كان قصده تجرئة المسلمين حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين، وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية 111).

 

وليس هذا من إلقاء النفس في التهلكة المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية 195) إذ التهلكة في الآية ترك الجهاد، وترك الإنفاق في سبيل الله، كما فسَّر ذلك أبو أيوب الأنصاري- رضي الله عنه-، وعليه عامة المفسرين من السلف، وأن مَن ترك الجهاد في سبيل الله بنفسه أو ماله فقد رمى نفسه بالتهلكة، ولهذا قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني "لو حمل رجلٌ واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاةٍ أو نكايةٍ في العدو".

 

وقال ابن خويز منداد المالكي: "وكذلك لو غلب على ظنه أنه يُقتل ولكن سينكي نكاية، أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا".

 

فهذه بعض نصوص الفقهاء في جواز الاقتحام على العدو حتى وإن كان يفضي إلى تلف النفس، سواء تلف بيد العدو، أو تلف بيد نفسه كمن يُفجِّر نفسه للنكاية بالعدو، أو تلف بيد المسلمين، كمَن يرضى أن يُلقى بالمنجنيق على العدو، مع أنه يعلم بأنه يتلف نفسه بهذا الفعل!

 

أحكام الشهادة:

وإذا كان الأمر كذلك وأن من صور قتل النفس ما يدخل في باب الجهاد في سبيل الله، ويحكم لمَن قتل نفسه فيها بالشهادة، فإن من الجهاد في سبيل الله التصدي للسلطان الجائر، كما في الحديث "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، ويحكم لمَن تلفت نفسه بسبب ذلك بالشهادة، كالحسين بن علي رضي الله عنه، سيد شباب أهل الجنة، كما في الحديث "سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله".

 

وقد أطلق السلف كالإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين على الإمام المحدث محمد بن نصر الخزاعي لفظ (الشهيد)؛ لأنه تصدَّى للمأمون في فتنة خلق القرآن، فقتله فحكموا له بالشهادة، فقالوا "جاد بنفسه، ومات شهيدًا"، كما في ترجمته في سير الأعلام للذهبي.

 

وكذا يدخل في الشهداء من قتل دون أرضه وماله وعرضه وأهله ودينه وحقه، كما في الحديث الصحيح "مَن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد.."، "ومن قتل دون حقه فهو شهيد".. إلخ.

 

وكذا يدخل في الشهداء المقتول ظلمًا، كما جاء في دليل الطالب في فقه الحنابلة "وشهيد المعركة والمقتول ظلمًا لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويجب بقاء دمه عليه".

 

وكذا من الشهداء الحريق والغريق والمبطون والمطعون.. إلخ كما في الأحاديث الصحيحة.

 

وأحكام الشهادة هذه كلها أحكام دنيوية أي بحسب الظاهر، أما الآخرة فأمرها إلى الله تعالى الملك الحق العدل، فلا يلزم من الحكم بالشهادة الدنيوية لأحد القطع له بالجنة، ولا الشهادة له بها، إذ لا يعلم ذلك إلا الله كما قال الحافظ في الفتح 6/90 في باب (لا يقال فلان شهيد): "أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي.. وإن كان مع ذلك يُعطى أحكام الشهداء في الأحكام الظاهرة؛ ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين ببدر وأحد وغيرهما شهداء، والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب" (انتهى كلام ابن حجر، وقد فصلت ذلك في رسالة (الإفادة في أحكام المقاومة والشهادة).

 

فالشهداء نقول عنهم شهداء ولهم أحكام الشهداء في الغسل والدفن في أحكام الدنيا، أما الآخرة فيبعث الله الناس على نياتهم، والله أعلم بنياتهم!

 

فإذا تقرر كل ذلك فإن مَن ألقى بنفسه في البحر لتنجو السفينة ومَن عليها، فهو شهيدٌ بالغرق، مع كونه بادر بقتل نفسه!

 

ومن فجَّر نفسه بحزام ناسف فأحرق نفسه، نكايةً بالعدو وإثخانًا به، فهو شهيد، مع كونه باشر قتل نفسه!

 

ومن تصدَّى للجائر والطاغوت، فقتله الطاغوت أو تسبب بقتله، فهو شهيد!

 

ومن خرج- كما جرى في مظاهرات تونس- احتجاجًا ودفاعًا عن حقه ودينه وعرضه وماله ولقمة عيشه ووطنه فقتل فهو شهيد!

 

ومَن فجَّر نفسه وأحرقها للنكاية بالطاغوت وإسقاطه، وإنقاذ أمته من طغيانه، فهو شهيد!

 

ومَن فقد عقله وإدراكه بلا إرادة منه، وأحرق نفسه أو أغرقها فهو شهيد الغرق والحرق!

 

ومَن اعتدى عليه الطاغوت وتسبب بفقد صوابه وطيش عقله حتى أحرق نفسه أو أغرقها، فهو شهيد من جهتين، من جهة كونه قتل مظلومًا، ومن جهة كون موته كان بالحريق أو الغرق!

 

فما الذي يحرم محمد البوعزيزي شرف وصف الشهادة الدنيوية بأحد هذه الأسباب؟!

 

فإما إنه ضحية اعتداء زبانية الطاغوت عليه، الذين تسببوا بقتله مظلومًا مقهورًا، والقتيل ظلمًا شهيد عند عامة الفقهاء.

 

وإما إنه ضحية الاعتداء عليه، مما أفقده عقله وصوابه، فخرج عن حد التكليف، فأحرق نفسه، فهو شهيد الحريق!

 

وإما إنه قصد من إتلاف نفسه تجرئة شعبه على الخروج على الطاغوت وإسقاطه، فهو شهيد جهاد السلطان الجائر!

 

فلماذا تجرَّأ سدنة الطاغوت في الحكم عليه بالانتحار وقتل النفس، مع أنه توافرت له أسباب الشهادة من جهات عدة؟! وما الغاية من الغضِّ من مكانته التي جعلها الله له في قلوب الأمة من المشرق إلى المغرب؟!

 

إننا لا ندعو- كما يتوهم سدنة الطاغوت- إلى أن يقتل الشباب أنفسهم، وإنما نقول بأنه ليس كل مَن قتل نفسه يكون منتحرًا آثمًا، بل لكل حالةٍ ظروفها وأسبابها، ولكل صورةٍ أحكامها، ولكل إنسان قصده ونيته، وتبقى شهادة المؤمنين الفيصل في أحكام الدنيا، فمن شهد له المؤمنون بالشهادة وأثنوا عليه خيرًا فهو كما أثنوا كما في الحديث "أنتم شهداء الله في أرضه"، وفي الحديث عن ثناء الناس "تلك عاجل بشرى المؤمن"، فكم من قاتل لنفسه هربًا من الحياة ذهب غير مأسوف عليه، ولا مشهود له بالخير، أما البوعزيزي فشأنه مختلف، وأمره كله عجب، فقد أتلف نفسه وأحيا شعبه! وأحرق نفسه فأسقط الطاغية وحزبه! وهزَّ الضمائر والقلوب، وحرَّك الأمم والشعوب، وكان له من اسمه أوفى نصيب، فالعزيزي فيه معاني العزة، فقد عز محمد في الدنيا وأعز شعبه، وأذل الطاغوت وحزبه!

 

لقد رحل البوعزيزي عن العالم شاهدًا عليه بالقسوة والوحشية والإجرام؛ حيث لم يجد في وطنه لقمة عيش كريمة، ولا يدًا حانية رحيمة، بينما الملأ على شواطئ تونس القيروان يمارسون كل ألوان الفجور والزنا، والبغاء والخنا؛ حيث صخب المترفين، وطرب المجرمين، وبطر الظالمين، وهم يرقصون ويلعبون! وزبانيتهم في شوارع تونس يمارسون كل أساليب الوحشية والإجرام بحق الفقراء المستضعفين، وهم يبكون وينوحون! وسدنة الطاغوت من أحبار السوء ورهبانه يوجبون طاعة الملأ ويعتذرون لهم، ويحرضون على المستضعفين ويبررون قمعهم!

 

لقد مسخ الله علماء السوء هؤلاء، وجعل قلوبهم قاسية، كما قال تعالى في شأن علماء بني إسرائيل ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ (المائدة: من الآية 13).

 

لقد ترك المتنطعون هذه الأحداث وما فيها من آيات، وعبر ودلالات، وكيف يعزُّ الله مَن يشاء ويذل مَن يشاء، وكيف ينصر المستضعفين، ويقصم الجبابرة الظالمين، ووقفوا عند إحراق البوعزيزي نفسه، فأخذوا يبثون ضغائن أحقادهم، وما تخفي صدورهم من حب الطاغوت وحزبه، وقد أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم.

 

لقد فرح المسلمون من أقصى الأرض إلى أقصاها وهم يرون فرح إخوانهم في تونس وقد تحرروا من قبضة الطاغوت وسطوته وظلمه وجرائمه، ولم يحزن إلا سدنة الطواغيت وأحبارهم وسحرة فرعون الذين سحروا أعين الناس واسترهبوهم، ولم يجرءوا على الدفاع عن الطاغوت، فأخذوا يبررون سخطهم على الثورة بما جرى في حادثة البوعزيزي ومخالفته لحكم الدين.

 

فالمهم عندهم الدين الذين يعبدون به الأمة للطواغيت! أما أن يقتل الطاغوت ويحرق ويسجن عشرات الآلاف فهي كلها أفعال لا تتعارض مع أحكام الدين، ولا تستحق حزنًا ولا سخطًا.

 

لا إله إلا الله كم فضح هذا الشاب بفعله حيًّا وميتًا من طاغية! وكم كشف من خافية! وكم أفرح من شعب! وكم أسعد من قلب!.

 

لا إله إلا الله كيف جعل الله أشلاءه لعنةً على أعدائه، لا يقر لهم قرار، ولا تؤويهم دار!

 

اللهم يا حنان يا رحمن يا منان ارحم البوعزيزي رحمةً يغبطه بها الشهداء والصالحون، واكتب له بها الشهادة والسعادة، واجعله في الفردوس الأعلى من الجنة، وتجاوز عنه بما قصر من حقك، وشفع المؤمنين فيه.

 

اللهم وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وآخرةً خيرًا من دنياه.

 

اللهم وقد مات محرومًا مقهورًا مفجوعًا فاجعلها اللهم آخر أحزانه وآلامه.

 

اللهم كما كان سببًا لفرج الملايين من شعبه ففرج عنه كل كرب يوم الوقوف بين يديك.

 

اللهم أنت أعلم به منا، وأرحم به منا، فإن كان لنا شفاعة فاجعلها له، وخصه بها وإخوانه الشهداء في تونس.

 

اللهم ربنا إليك أنبنا وعليك توكلنا ولا حول ولا قوة إلا بك.