بعد معاناة من الظلم والقهر والتشريد والتغريب والتشويه وضياع الحقوق ومصادرة المستقبل والمحاولات الشريرة المستميتة لزرع اليأس في النفوس والتسليم الكامل لأهل الطغيان في تصريف الأمور وبعد استفحال قوة الشر، وبعد أن ظنوا أنهم قادرون على أن يستمر قهرهم لأمتهم. قيض الله لهذه الأمة شبابًا وأسبابًا وأقدارًا وجنودًا لا يعلمها إلا هو، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (المدثر: من الآية 31)، فانقهر الطغاة وزالت دولة الظلم وافتضحت خبايا الفساد واستعاد الناس دولتهم المخطوفة وإمكاناتهم المسلوبة، وأصبح الناس أمام أنفال متعددة مادية ومعنوية، وانطلقت الحريات لتفجر إبداعات وقدرات وطاقات يتصور الجميع أن حمايتها، وصيانتها وتعهدها هو واجب الوقت حتى يظل العطاء يغذي التنمية والنهوض بهذه الأمة حتى تتعافى من آثار ما عانته سنين طوال. ومن السيرة النبوية عظة ودروس.

 

فبعد معركة بدر نزلت سورة الأنفال، ويقول عنها عبادة ابن الصامت رضي الله عنه ".. ساءت أخلاقنا في الأنفال فنزلت..." يعني السورة. فعندما اختلف الصحابة على الأنفال بعد الغزوة، وقال الشباب نحن أصحاب الجهد الأكبر والقوة التي أدَّت... إلخ، وقال المهاجرون نحن أصحاب السبق، وقال الأنصار نحن الذين آوينا ونصرنا... وكل يطالب بمكاسب ونصيب أكبر من الأنفال.. كما يرى بعض شبابنا اليوم أن لهم الفضل والسبق والبذل.. و.. و.. و.. إلخ والجميع مُحقُّون فيما يقولون وما يتصورون بعد هذا الأداء الرائع وهذا النصر الذي منَّ به الله علينا..... ولكن...!!! ولكن لا ننسى آيات نزلت نعبد الله بتلاوتها ونتدبرها ونتعلم منها وتتعلم البشرية إلى يوم الدين، ونحفظ قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)﴾ (آل عمران). فمهما توافرت الأسباب بكل قوتها، ومنها أن تنزل الملائكة لتقاتل مع البدريين فما هي إلا بشرى ولتطمئن القلوب وما النصر إلا من عند الله بعزته وبكيفية وتوقيت وملابسات تأتي على حكمة الله ومراده سبحانه.

 

وبنظرة إلى الآيات ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1)﴾ (الأنفال)، فإذا كان الخطاب موجهًا للبدريين فهو يشمل الأمة كلها- وفي الحديث "... لعل الله اطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم"- وأين نحن منهم وتطالبهم الآية بـ: 1- اتقوا الله. 2- وأصلحوا ذات بينكم.

 

3- وأطيعوا الله ورسوله وبرد استجابتهم لهذه الأوامر إلى إيمانهم ويستحثُهم ويستنهض حفيظتهم بـ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. فتقوى الله في هذا الموقف تفرض عليهم إصلاح ذات البين طاعة لله ورسوله.

 

ولا يخفى أهمية إصلاح ذات البين فبها تصطف الجماعة وتصطف الأمَة كالبنيان المرصوص وتنعم بسلامة الصدر ويقوي بعضها بعضًا.

 

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم فساد ذات البين بأنها الحالقة التي تحلق الدين، وترد الآية هذه الأعمال إلى شرط توفر الإيمان ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وتبين الآيات من هم المؤمنون ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)﴾ (الأنفال) فقدمت الآيات الأعمال القلبية في صفات المؤمنين قبل إقامة الصلاة والإنفاق. فإصلاح القلوب حتى توجل عند ذكر الله ويزداد إيمانها كلما تليت آيات الله فهو الذي عليه توكلهم... فالله هو الغاية... شعارك (الله غايتنا)، وتأتي أعمال الجوارح بإقامة الصلاة والإنفاق والتربية السلوكية التي تحقق للقلب غايته.

 

وتنطلق الآيات تربي الأمة على ضوابط العمل والتأكيد على أن العمل لله لا ضامن له إلا الله العزيز السميع العليم، وأن الله يوهن كيد أعدائه وأن منهج الله هو الحياة وأن من يتق الله يجعل له فرقانًا، وأن... وأن.... وأن.... دروس تربوية إيمانية وسلوكية تمتد عبر أربعين آية من السورة العظيمة قبل أن تتحدث في آية واحدة عن كيفية تقسيم الغنائم ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)﴾ (الأنفال)، في آية واحدة من مسيرة الآيات التي تستمر لتضع منهج حياة الأمة وميثاقها في السلم والحرب في جوانب متعددة. ويظل إخلاص العمل لله ونشر دعوته وإعلاء كلمته والحفاظ على ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، وبتأكيد على أن هذا الأمر يعمل به الكافرون ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)﴾ (الأنفال).

 

فيا شباب 25 يناير كونوا شباب الأنفال الذين تربوا على دستورهم الذي سطرته آيات الرحمن، والله ناصركم ما دمتم بحبله مستمسكين.

-------------

*gh4yn@yahoo.com- السنبلاوين