لقد تعبَّدَنا الله عز وجل بالأخذ بالأسباب دون النظر إلى النتائج.

 

لقد تبعت أحداث الثورة المصرية ساعةً بساعة، فرأيت توفيق الله ومدده وسلطانه الذي لا يغلبه شيء.

 

جاء هذا المدد بصوره المختلفة التي سنتحدث عنها الآن عندما نزل الناس لدفع الظلم وطلب العدل والمساواة، فنصرهم الله، وهم عزَّل بدون سلاح ولا عدة، على من تجبَّر وملك كل وسائل القوة؛ من إعلام وجنود وعتاد لينقلب السحر على الساحر.

 

إن أول مظاهر الربانية في هذه الثورة:

1- أن يسلِّط الله على الظالم نفسه، فيتأخر الرد الرسمي من الرئيس المخلوع، فيضيق صدر الناس وينكشف جليًّا أسلوبه في إدارة الأزمات، فيزداد مع ذلك قوة الناس في التمسك بحقوقهم، ولو أنه رد بسرعة- حتى ولو أسوةً وعبرةً بما حدث من نظيره المخلوع بتونس قبل أيام- لانفضَّ الناس ورضوا بالقليل، ولكنها آية من الله؛ لنعلم أن من يتكبَّر يسلِّط الله عليه نفسه ليهلك، فجاء خطابه الأول متأخرًا، ومن العجيب أن تكون خطاباته مسجلةً وتذاع آخر الليل!! أهذه إدارة أزمة؟!

 

الأمر الطبيعي في مثل هذه المواقف أن يتحدث بسرعة وينزل للجمهور، ثم يأتي بعد ذلك، ويعيِّن نائبًا له هو عمر سليمان من نفس المؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها التي سئم الناس حكمها، وتاريخ السيد عمر ليس بالسيرة الذاتية التي يريدها الناس؛ لأنه الذي نصحه في أخذ سيارته الخاصة في رحلته بإثيوبيا التي تعرَّض فيها للأغتيال حتى المجاملة في الأمور العامة للبلاد.

 

2- أن يجعل الله تدبيرهم تدميرهم؛ فعندما خرج الرئيس المخلوع بخطابه الثاني وقبل ظهوره كعادته آخر الليل بخطابه المسجّل، ظهر قبله رئيس الوزراء وقتها؛ الفريق أحمد شفيق على أكبر ثلاثة برامج حوارية بمصر؛ الأول: مع برنامج "الحياة اليوم"، وكان مستعجلاً جدًّا، حتى إنني استغربت لماذا هو متعجل!! وظنًّا مني كأي مشاهد لكثرة الأعباء، بعدها بدقائق ظهر في برنامج "90 دقيقة" وقتها نقلت (المحور) عن التليفزيون المصري خطاب الرئيس المخلوع، ثم جاءت المكالمات من النساء الباكيات والدموع المنهمرة؛ إما من الخوف والهلع، وإما للحب وعدم نكران الجميل، ولا تمر دقائق إلا ويظهر السيد شفيق ببرنامج "العاشرة مساء"، ففهمت أن هناك شيئًا مدبرًا بهذا الخطاب العاطفي، وخروج فخامة رئيس الوزراء في ليلة واحدة مع ثلاثة برامج؛ ليخرج علينا بالصباح أبناء قريش بخيلهم وجمالهم ونبالهم، فكان مقصدهم تفريق قوة تلاحم الشعب، البعض بخطاب عاطفي من المخلوع مبارك، والبعض بوعود زائفة من رئيس الوزراء، ومن فهم المخطط يفرق بالقوة والبلطجة، ثم تأتي لجان التحقيق بعد ذلك لتنظر في أمر البلطجة وتتهم المعارضة بترويع المواطنين، ويذهب كبش فداء لذلك أي مجموعة ولو بالظلم كعادة النظام.

 

فسبحان الله، يجعله يبكي بالليل ويتجبَّر بالصباح ليكشف كذبه والتفافه على الناس؛ فيزاد الناس قوةً بعد ضعف، وتزداد معهم المطالب وتعلو آمال الحرية.

 

3- ليميز الله الخبيث من الطيب.. أظهرت الثورة معدن الجميع من كل شرائح الشعب؛ من علماء وإعلاميين ومثقفين وفنانين وأحزاب، وغيرها، فتبين للناس من كان صادقًا في دعواه فنزل وتحمَّل الصعاب, ومن تلوَّن، ومن اختفى، ومن ظل ينافق لآخر لحظة، فأين أصحاب الأقلام من كتابة الحق؟ وأين المحللون المتفذلكون؟

 

4- أما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.. لقد أظهرت الثورة أن زبانية النظام بكل قوتهم وعدتهم كالظل إذا غيَّب الشمس سحابه لم تره، وإذا تحركت الشمس يمينًا أو يسارًا تحرك معها، تلك هم الشرطة التي لم تمر أيام وقد نفدت كل قوتها ضد أناس عزل ومعتصمين في مكان واحد لا يتحركون، فما بالك إن كانوا مثلها مدجَّجين بالسلاح أو يتحركون فرق هنا وهناك، ولا سيما زبانية الشيطان (أمن الدولة)؛ أين ذهبوا؟

 

أما أصحاب الحق فثابتون مثل الجبال الرواسي، لها أوتاد في الأرض، تلكم هم رجال التحرير.

--------

* RADAESSA@YAHOO.COM- الغربية.