يبدو أن بعض المثقفين المصريين هم أبناء من رباهم- فهم أبناء جيل الديكتاتور- فهم فوق الجميع, وهم الذين يفهمون وهم مَن يقررون, وهم الأقدر على تحديد المستقبل, وهم الأوصياء على الشعب- الجاهل في عرفهم- ولهذا الشعب الويل والثبور وعظائم الأمور إن خالفهم أو رأى رأيًا غير ما يرون.

 

في هذه الحالة فهو شعب غير مسيس, وهو شعب منقاد, وهو شعب يمشي في الزفة, وهو شعب يحكم على الأشياء بعواطفه, وهو شعب يسهل الضحك عليه, وهو شعب يُشترى ويُباع بعلبة سمن أو زجاجة زيت أو حتى "كوز" ذرة، فهذا من فلول الحزب الوطني وهذا من الإخوان, هذا بخلاف التخوين والعمالة وما شابه.

 

يا أيها المثقف المصري- إن صدق الوصف فيك- فلتعلم أن الديمقراطية هي ترك الأمر للشعب, وله الحرية أن يقول ما يشاء يتفق أو يختلف معك, فهذه طبيعة الأمور فقد يفهم أكثر منك وقد يحكم على الأشياء أفضل منك, وقد يرى أفضل مما ترى, ولكن الفارق الوحيد أنه لا يمسك قلمًا ليباريك, ولا لسانًا إعلاميًّا فيجاريك, ولا يعرف النفاق فيماريك.

 

أيها المثقف المصري كن رحيمًا وبشعبك كن أريبًا فلا تهدر جهدك وفكرك وكن كيِّسًا فلا تخسر نفسك, ولا يغرنَّك أن تكون صاحب قلم أو عمود أو برنامج, فالناس الآن قد تغيرت ولفرز الغث من السمين قد تهيأت.

 

فإياك إياك أن تتعالى على الناس وأن تجلس في برجك العاجي وتصنفهم, فهذا يفهم وهذا لا يفهم وهذا يعرف وهذا لا يعرف وذلك متحجر وذاك متكلس, وهلم جرًّا.

 

هذه في الحقيقة هي أزمة المثقف المصري, فهو ديكتاتور بطبعه لا يستطيع تقبل الآخر- إلا من رحم ربي- ومَن ير الصحف ووسائل الإعلام من فضائيات وغيره الآن، وخصوصًا بعد الاستفتاء ير العجب.

 

فبدلاً من الرضا بالنتيجة والتسليم لرغبة الشعب, والنزول على رأيه يظهر بداخله الديكتاتور، فكيف يخالفه الشعب؟ فهو هو نفس المنطق, ونفس النظرة, ونفس الكبر, ونفس التعالي, نفس ما يفكر فيه المستبد.

 

هذه هي الحقيقة أيها المثقف المدعي للثقافة, المدعي لحرية الفكر, المدعي للديمقراطية الذي ينادي بما لا يؤمن به ولا يطبقه.

 

لقد أخذت وقتك وأكثر في إقناع الناس فلم يقتنعوا, وفي إفهامهم فلم يفهموا منك, وفي استمالتهم فلم يميلوا إليك.

 

فبدلاً من أن تعالج عيبك، وتسدد رأيك، وتراجع نفسك تتهم الناس بما ليس فيهم.

 

أخي المثقف المصري أعانك الله على نفسك, وأعادك إلى رشدك فأخرجك من أزمتك.